الثلاثاء، 28 أغسطس 2012

مدرسة المشاغبين ـ الآيات 31 إلى 36 من سورة البقرة



المشهد الأول
يرفع الاستار على خشبة مظلمة
يسمع من بعيد صوت أستاذ يلقن تلميذا بعض الكلمات و التلميذ يعيد و يردد معه:
ماء ..هواء..قرد.. بقرة..برتقال..
بعد حين، يسمع صوت جرس المدرسة فيدخل التلاميذ للفصل
تكشف الأضواء على الخشبة فيظهر
الأستاذ الله قاعدا في الصف مع تلاميذه من الملائكة و البشر و الشياطين

الأستاذ الله : من منكم يا أولاد يعرف الأسماء و يحفظها كلها جيدا

التلاميذ :  لا نعرف إلا ما علمتنا يا أستاذ!
الأستاذ الله : تعسا لكم ، ما أغباكم ، أنتم تلاميذ فاشلون...قم يا ولد ...قم يا آدم ... أسمعهم الأسماء
قام الولد المجتهد آدم فعرض عليهم الأسماء بكل السهولة
الأستاذ : أف لكم و لمن خلقكم.. أ لم أقل لكم أنكم أغبياء فاشلون
التلاميذ:  أنت و رسولك أعلم يا أستاذ
الأستاذ الله : طيب..و الآن قوموا جميعكم و صفقوا ثم اسجدوا لزميلكم المجتهد آدم
قام التلاميذ كلهم يصفقون لآدم ثم خروا له سجودا على مقاعد المدرسة الإلهية.
ابتسم الأستاذ الله حتى ظهرت نواجده، لكن  ما فتئ أن وقعت عيناه على واحد من التلاميذ لم يشارك في التصفيق و لا انخرط في السجود و لكنه عوض ذلك كان يقلب في أصابعه و يفرقعها.
 الأستاذ الله يشتاط غضبا حتى يتطاير شرر جهنم من عينيه.
( إنه التلميذ المشاغب الشيطان، ابن أحد أكابر المسؤولين الذين يخشاهم الأستاذ الله و يتقي شرهم و يحسب لهم ألف حساب)
يهدئ الأستاذ الله من روعه و يزفر وي نفر، فيقول له بصوت لا يخلو من الحدة مع كثير من اللين:
هيييه!!!و إنت يا ولد...يا شيطان...لم لا تسجد مع زملائك؟!!!!!!
الشيطان: و لماذا سأسجد؟؟ هل نحن نتعلم أم نعبد؟ ثم يا أستاذ كيف لي أن أسجد لابن خماس و أنا ابن أكابر القوم وعليتهم؟؟
ينفجر الله غضبا،ويقول:
اللعنة..اللعنة عليك.. اللعنة عليك يا شيطان .أنا راح أوريك
الشيطان ينفجر ضحكا و يقول:
هو إنت ليسه حتورينا!!!!!!
الأستاذ الله( و قد انتبه إلى عجزه تجاه التلميذ الشيطان) يتظاهر بالحكمة:
ليس الآن ..و لكن سترى عما قريب ما سأفعل بك
الشيطان : لا يا شيخ!!
الله يتابع: حاضر ... عند الامتحان يعز المرء أو يهان
الشيطان: حاضر أستاذ
الأستاذ الله : طيب ..تفضل أخرج الآن من الفصل .أنا لا أطيق النظر إليك
الشيطان يخرج و هو يصفر
الله يتوجه لآدم:
اسمع يا ابني، أنت تلميذ مهذب و نجيب ، فلا تختلط بهذا الشيطان
آدم يجيب بكل غباء:
طبعا يا أستاذ الله، طبعا.
في هذه الأثناء يدق جرس الاستراحة و يخرج الجميع


المشهد الثاني

في الحصة الثانية، عاد التلميذ المشاغب الشيطان بكل سرور، فدخل الفصل و كأن شيئا لم يحصل
أما الأستاذ، فيتظاهر بأنه لا يرى شيئا رفعا للإحراج
جاء التلميذ الشيطان إلى التلميذ المدلل أدم فوجده يأكل بسكويت.
الشيطان: كيفاك آدم
آدم : أهلين شيطان، و لكني زهق منك..لماذا أبيت السجود لي ؟؟
الشيطان : لا،آدم، يا خوي...أنا أحبك كثير( و أخذ رأسه يعنقها بيمناه و يربّت عليها بالأخرى)...بس.....هذا الأستاذ الله ظالم ..و عنصري...أهوج..و أنا أكرهه....(و صمت قليلا ثم قال) اسمع لدي فكرة جميلة
آدم : ماهي ؟
الشيطان: هيا نأكل سندويشة الأستاذ الله التي يضعها في النافذة
آدم:: و لكن!!!. سيغضب الله منا
الشيطان:  يا أبله ! الله يمنعنا من أكل سندويشته حتى لا نفهم مثله و لا نشاركه في العلم.
آدم: ماذا؟؟؟؟ هل تقسم على ذلك؟؟
الشيطان: أي نعم.
آدم: هات السندويشة لنأكل
آدم و الشيطان يخطفان السندويشة الإلهية و يلتهمانها في غفلة من الأستاذ الله المنهمك على تصحيح الكراسات
فجأة  ينتبه إلى أن السندويشة قد اختفت
يقوم الأستاذ الله من فوره و يصرخ بأعلى صوته: 
من هذا الذي أخذ سندويشة الشوارما من النافذة؟؟
التلاميذ صامتون يحملقون
الأستاذ الله يلف بصفوف الفصل ذهابا و إيابا
التلاميذ صامتون يحملقون
الأستاذ الله: من أين جاءتك رائحة الثوم يا آدم..
آدم : سامحني يا أستاذ..هذا الشيطان خلاني آكل معه.
الأستاذ بغضب شديد: أنت يا آدم مطرود من هذه المدرسة.و ستنتقل إلى مدرسة أخرى تبعد ب 100سنة ضوئية عن بيتك...مفهوم؟؟؟
آدم : لماذا يا أستاذ؟؟؟ ماذا فعلت؟؟
الله: لا مناقشة معي...و لا جدال.
أما أنت يا شيطان..سأصبر عليك مرة ثانية..و لكن ، يا ويلك مني يوم الامتحان سأخصم لك ألف نقطة...
الشيطان يضحك:
الطز فيك و في الامتحان

و طرد آدم فعلا من المدرسة الربانية إلى المدرسة التي تبعد عن منزله ب100 سنة ضوئية . أما الشيطان فداوم على فصله و لم يحضر و لن يحضر أبد للامتحان الذي وعده الله أن يخصم له منه 1000نقطة
إقتبسها لكم / أبو قثم

الأحد، 26 أغسطس 2012

تساؤلات ملحد



ما هو الفرق بين المرأة المسلمة و الغائط؟؟؟

هل يمكن إعفاء المرأة من الركوع والسجود في الصلاة على اعتبار أنها حركات مخلة بالآداب ومهينة للمرأة؟؟؟؟؟

لماذا تستتر المرأة إذا أرادت الصلاة؟؟ هل ورعا منها ؟؟ أم استحياء؟؟


يسألونك عن الروح قل الروح من علم ربي
هل هذا جواب إعجاز أم جواب تعجيز أم جواب عجز؟؟؟


من هو سفاح الإسلام؟؟؟؟ هل هو علي بن أبي طالب؟؟
ما هو عدد قتلى علي بن أبي طالب؟؟؟؟؟
و ما هو عدد قتلى كل واحد من أصحاب رسول الله؟؟؟؟


سؤال من فقه النوازل

هل يجوز للمسافر أن يجامع زوجته نهارا في رمضان بعد حيضها، علما أنه يتمتع برخصة الإفطار؟؟؟؟


يقول الطبري
"إن المجوس لا يعرفون الطوفان ولو كانوا عرفوه لكان نسبهم قد إنقطع وملكهم قد إضمحل" 
هل هذا يعني أن الطوفان خرافة؟؟؟
و ما هي شواهدكم التاريخية و الجيولوجية على صحة الطوفان؟؟


قال
نحن نقص عليك أحسن القصص
لماذا لم يقل نحن نقص عليك أصح القصص ؟؟؟


أقانيم الإسلام السني ثلاثة
الله ، إبليس ، محمد
و أقانيم الإسلام الشيعي ثلاثة
محمد ، علي ، الحسين
فهل هذا صحيح؟؟؟


لماذا تطالب فاطمة الزهراء بأرض فدك ،هل كانت ملكا لأبيها ؟
و لماذا اقتطع محمد كل هذه الأرض لابنته دون سائر المسلمين؟؟
أ ليس هذا هو أس الفساد؟؟؟؟


ما الذي ينذبه الشيعة في طقوسهم؟؟
هل ينذبون خذلانهم لعلي؟؟؟
أم ينذبون غذرهم بالحسين؟؟

النبوة لا تورث
و محمد لم يكن ملكا
فما هو الحق الذي يطالب به الشيعة؟؟؟؟؟؟


هل المهدي سني او شيعي؟؟
متى سيخرج مهديهم المنتظر وهم كل فترة يقتلون كل من يدعي انه المهدي؟


لماذا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم
وهو الذي يسجد له كل شيء


الله يحمل عرشه ثمانية
والثمانية على ماذا يقفون ؟

واذا لا يقفون على شيء
لماذا يحتاج الله لعرش وملائكة يحملونه
هل هو معاق أو مشلول ؟!!

الله يحمل عرشه ثمانية
والثمانية على ماذا يقفون ؟
واذا كانوا لا يقفون على شيء
لماذا يحتاج الله لعرش وملائكة يحملونه
هل هو معاق أو مشلول ؟!!

اذا كان الله يعلم بما تخفي الصدور
فلماذا يحتاج لمخبرين من الملائكة لتسجيل الحسنات والسيئات على الأكتاف ؟!!


إذا كان الله يستوي على العرش فهل هذا يعني أن له سبحانه و تعالى طيز يقعد عليه؟؟
و هل الطيز الإلهي كامل الأوصاف؟؟؟؟؟


إذا كان أبو لهب قد قام بالدور المخصص له في اللوح المحفوظ
فهل سيثاب أم سيعاقب؟؟؟؟
و إذا كان لا بد له من العقاب فبأي ذنب سوف يعاقب؟؟


سؤال في فقه النوازل
هل يجوز للمريض و المسافر و المرأة الحامل الجماع نهار رمضان على اعتبار أنهم يتوفرون على رخصة الإفطار ؟؟


يدعي المسلمون أن الوضوء نظافة
فلماذا يستعيضون عنه إذا بالتيمم ؟؟؟ هل التيمم بالتراب يؤدي إلى النظافة؟؟؟؟؟
ثم الأوساخ التي هي نقيض النظافة، هل يعتبرها الإسلام من نواقض الوضوء ؟؟؟؟


نظام الحكم في الإسلام نظام شمولي ديكتاتوري طبقي عنصري توسعي استعماري!! فهل يمكنه أن يكون ديمقراطيا؟؟؟



هل الديموقراطية كفر لكونها تجرد الله من وظائف الحكم و تعطيها لأغلبية الشعب التي لا يؤمن بها الإسلام.(ولو اتبعت اكثر اهل الارض لاضلوك عن سبيل الله)؟؟؟


يدعي الإسلاميون و دعاة الخلافة الإسلامية ، أنهم يفضلون الديمقراطية و الدولة المدنية ، و لا يفصحون لنا عن موقفهم من الآية ( إن الحكم إلا لله). فهل يمكن اعنبار موقفهم هذا ردة عن الإسلام و كفرا بالله أم نصبا على الديمقراطية و الدولة المدنية و مكرا بهما ؟؟

الدولة المدنية دولة علمانية و يعني أنها نقيض الدولة التيوقراطية
المتأسلمون السياسيون يكفرون العلمانية
و يدعون أنهم يؤسسون لدول مدنية ذات خلفية إسلامية؟
فكيف يمكن للدولة المدنية التي هي نقيض دولة الحق الإلهي أن تكون لها خلفية دينية؟؟؟؟

الأربعاء، 8 أغسطس 2012

الصلاة على محمد و على آل محمد


مخطئ من يستسهل أمر هذه الصلاة على النبي
فمنذ استيقاظه و حتى نومه ما يفتأ المسلم يصلي على النبي،يصلي عليه عند الأكل و الشرب عند القيام و القعود عند البيع و الشراء، يصلي عليه في الربح و في الخسارة في السلم و عند قيام الحرب.
إذا حسك المسلم رأسا أو أطلق قذيفة أو خرب أرضا أو أرمل عائلة أو يتّم صبيانا صلى على النبي.
و إذا عنّ له ردف كامل الإوصاف و لو من بعيد، أو مرّت به ريم من حسان الجنة، أكثر من الصلاة على النبي . و إذا ركب دابته أو زوجته كانت صلاته على النبي أكثر و أجزل.
فالمسلم بمجرد ما يخرج للدنيا يُصلى على النبي عند رأسه، و عندما يموت يُصلى على النبي عند رأسه و صلاة جنازته كلها صلاة على النبي، و عندما يُنزل إلى قبره يُصلى على النبي.فالصلاة على النبي تصحب المسلم من مهده إلى لحده.
هكذا غدت الصلاة على محمد و على آل محمد كالماء و الهواء ضرورة من ضروريات الحياة فقد لا يشرب المسلم الماء أو قد لا يجده ، و مع ذلك فهو يصلي على النبي.و إذا ما سألته ما معنى هذه الصلاة على محمد أو لماذا صليت على محمد في هذا الموقف أو غيره،جمد الدم في عروقه و زاغت منه العيون،و ارتسمت على محياه كل معان الدهشة و الحيرة، فلا يجد جوابا غير إنها الصلاة على النبي.
في صلواته كلها المفروضة منها أو المسنونة، و في أذكاره و ابتهالاته و دعواته و تسابيحه  يصلي المسلم على النبي و مع ذلك فهو لا يدري ما هي هذه الصلاة وما معناها و ما هي الحكمة من مشروعيتها و ما هي الأهداف و الغايات من فرضها أو ذكرها.إنما هو يصلي على محمد و على آل محمد و كفى.و إذا ما حدث و خطر بباله التساؤل في ماهية هذه الصلاة واجهته أهوال  و متاهات لا قبل له بها ، و اعترضته جبال و أكوام من المؤلفات لا آخر لها، و أعجزته بحور من المداد لا قرار لها. و حتى الباحث المستعجل قد تجده لا يحفل بهذا الكم الهائل من القيل و القال فيعتبره من باب المدح الزائد و الحشو الفارغ.و لكنه بمجرد ما يبدأ في تفحص الأسفار و تأمل الأقوال،فإنه  يشتم أن في الأمر خطورة، و يستشعر أن هناك أسرارا هي التي استدعت كل هذا الكلام و كل هذا المداد. إذ لا يعقل أن تنسخ و تؤلف حول موضوع بسيط تافه كل هذه المجلدات و الكتب لمجرد المدح و الثناء.
و الحق الحق أنه منذ أن نسج محمد الآية السادسة و الخمسين من سورة الأحزاب: إن الله و ملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما.إلا و انفجرت ضجة مهولة من التساؤلات التي تعبر عن حيرة الناس و أمر عبادتهم.فهم يعرفون أن الصلاة واجبة على المرء المتعبد اتجاه معبوده، فكيف للمعبود الذي هو الله أن يصلي على العابد.الصلاة واجبة في حق العابد و مستحيلة في حق المعبود. فما معنى أن يصلي الله على نبيه.ثم هذه الآية تأمر الناس جميعا بالصلاة على النبي.فهل تكون الصلاة لله أم تكون للنبي؟؟و لماذا نصلي على النبي، ما دامت الصلاة استغفارا للذنوب و الآثام و استدرارا للرحمة و العون و طلبا للرضى و البركة، فهل هذا معناه أننا نطلب المغفرة و الرحمة و العون من النبي أم أننا نتوسلها لأجله هو؟؟؟  و هل هذا النبي الذي فضله الله و أجلسه على العرش يحتاج لصلوات أتباعه؟؟ 
هذا أبو سعيد الخدري يقول فيما أخرجه ابن كثير عن البخاري في تفسيره للأحزاب عن عبد الله بن يوسف ، ثنا الليث ، عن ابن الهاد ، عن عبد الله بن خباب : قلنا : يا رسول الله ، هذا السلام فكيف نصلي عليك : قال : " قولوا : اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ، كما صليت على آل إبراهيم . وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم. و أما كعب بن عجرة فيروى عنه فيما أخرجه ابن كثير و السخاوي و غيرهما عن البخاري عن سعيد بن يحيى بن سعيد ، ثنا أبي ، عن مسعر ، عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى ،أن ابن عجرة قال: : قيل : يا رسول الله ، أما السلام عليك فقد عرفناه ، فكيف الصلاة ؟ فقال : قولوا : اللهم ، صل على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد . اللهم ، بارك على محمد وعلى آل محمد  كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد. و منه يتضح أن أمر الصلاة على النبي قد خلق بلبلة لدى عموم الناس حتى أضحوا زرافات و فرادى يحجون إلى النبي متسائلين عن كيفية الصلاة عليه بعدما علمهم أمرا آخر في غاية الخطورة ألا وهو السلام عليه.يقول ابن كثير: ومعنى قولهم : أما السلام عليك فقد عرفناه: هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه ، كما كان يعلمهم السورة من القرآن ، وفيه :  السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،انتهى. أما التشهد فهو دعاء يتخلل الصلوات المفروضة، و هو ألفاظ يقرأها المصلي أثناء الجلوس من السجدة الثانية في الركعة الثانية أي في  نصف الصلاة و يعيده في ختام الصلاة قبل السلام مع إضافة الصلاة الإبراهيمية.أما ألفاظه فهي إجمالا و على اختلاف المذاهب قول المصلي: التحيات لله الزكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي و رحمة الله تعالى و بركاته ، السلام علينا و على عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله و أن الجنة حق و أن النار حق و أن الساعة آتية لا ريب فيها و أن الله يبعث من في القبور،و تضاف إليها الصلاة الإبراهيمية في التشهد الثاني و ألفاظها اللهم صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم، و بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
فإذا كانت الصلاة،إطلاقا، و كما هو حالها في جميع الأديان، هي الامتثال أمام المعبود و بذل كل  طقوس الولاء والطاعة له قصد التقرب منه و التزلف إليه و الفوز بالمكانة الرفيعة عنده و التحبب و التودد إليه و الحصول على عطفه و مغفرته و رحمته ، و شكره كذلك و حمده على غيثه و عونه ونعمه.فما دخل النبي فيها إذا؟و لماذا يسلم المسلم عليه بصيغة الحضور!!! و يقول له السلام عليك أيها النبي .أ ليس هذا يعني أن النبي حاضر في كل صلوات المسلم المفروضة؟و أن المسلم عندما يسجد و يركع فإنما هو يفعل ذلك أمام محمد و لمحمد و ليس لله؟؟؟و من هنا يبزغ السؤال الصاعق لمن يصلي المسلم في واقع الأمر، هل يصلي لله أم هو يصلي لمحمد؟؟؟ فالسلام على محمد ليس هو الدعاء له بسلامة البدن و الروح كما يذهب إليه ابن باز في شرحه لشعيرة الصلاة على النبي ، و لا هو ـ الله عليك ـ بمعنى أن الله هو السلام و عليه فإن ـ السلام عليك أيها النبي ـ هي الله عليك يا محمد.لا و ألف لا، إنما السلام عليك أيها النبي تحية لشخص حاضر في صلاتنا نحييه بتحية السلام و الرحمة و نبذل له فروض الطاعة و الولاء. و هذا مظهر من مظاهر السطو على الله و على وظائفه و اختصاصاته العلية كما سبق لنا ذكره في مقال السطو على الله. أما إذا عجنا على صلاة المسلم خصوصا، فبغض النظر عن الحركات البهلوانية غير المعقولة و المهينة للكرامة الإنسانية التي يقوم بها المسلم،فإن صلاته تقوم على فرضين اثنين لا ثالث لهما : الحمدلة و التشهد.و هما دعاءان يشكر الله في أولهما و يحمده و يطلب منه أن يهديه صراط الذين أنعم الله عليهم،و هذه هي سورة الفاتحة التي هي في الحقيقة دعاء الصلاة.فإذا قرأتها في الصلاة كان لها معنى قائما في الذهن.أما إذا أضفت إليها البسملة و وضعتها في القرآن فإنها تصبح بغير معنى.. و في الدعاء الثاني الذي هو التشهد نجد المسلم يتوسل إلى الله أن يصلي على محمد و على آله. فماذا ينال المسلم إذا من صلواته؟؟لا شيء!!! فهي كلها لمحمد.
و نأتي الآن للصلاة على محمد و على آل محمد
فهذا كعب بن عجرة و أبو سعيد الخدري يقولان أنها هي قوله اللهم صل على محمد و على آل محمد.و معناها يا رب نتوسل إليك بحقنا عندك أن تصلي لنا على محمد و على آل محمد. و لقد علِمنا الصلاة عند المؤمنين جميعهم و علِمنا الصلاة عند المسلمين فكيف يصلي الله على محمد يا ترى؟ و ما أظن أن هذا السؤال يطرح لأول مرة، بل لو لم يكن كان مطروحا بحدة  منذ أيام النبي الأولى لما اعتنى بالجواب عليه كل هؤلاء المفسرين و الرواة و أهل الأخبار و المحدثين. فكل شيء يمكن تصوره و عقلنته إلا أن يصلي المعبود للعابد و الله لمحمد،فهذه فرية ما لها من قرار،لكون الصلاة كما سبق لنا ذكره واجبة في حق العابد المتعبد و مستحيلة في حق الإله المعبود.فكيف يصلي الله على محمد إذا؟ هنا تطالعك جحافل من الأجوبة و الردود لا حصر لها  وأفواج من التعليلات والتبريرات لا نهاية لها، قد عكف الإمام الحافظ شمس الدين أبو الخير السخاوي على تجميعها في كتابه القيم ـ القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ـ سنأخذ منها ما يلائم بحثنا و يشفي غليلنا. يقول الإمام في الصفحة التاسعة عشر من مؤلفه المذكور: ففي البخاري عن أبي العاليه أن معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له وكذا روينا في أواخر الثامن من حديث الخرساني عن الربيع بن أنس في قوله أن الله و ملائكته يصلون على النبي قال صلاة الله عليه ثناؤه عند ملائكته وصلاة الملائكة عليه الدعاء له وقوله يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه أدعوا له.انتهى.إذا فصلاة الله على محمد هي شكر الله له و ثناؤه عليه عند الملائكة، و ذلك لما لمحمد من فضل على الله إذ هو الذي بلغ الرسالة و أدى الأمانة و نجح فيما فشل فيه الأنبياء و الرسل جميعهم و الملائكة معهم لذا فهو الوحيد الذي يستحق الشكر و الثناء عليه من طرف الله .و قولنا اللهم صل على محمد يعني بالتالي توسلنا إلى الله أن يشكر و يثني على محمد لدى الملائكة!!!!! فهل هذا معقول؟؟  لأن ظاهر الدعاء يوحي بشيء جلل،إذ يفهم منه أن هناك مشكلا ما عالقا بين الملائكة و محمد..و أننا نتوسل الله أن يتدخل عندهم ليغيروا رأيهم في محمد..أليس كذلك؟؟؟ و نحن نذكر أن الله عندما أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة لم يوافقوه، و قالوا له أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء؟؟ (البقرة 30). فهل محمد هو ذاك الخليفة الذي لم يرق للملائكة استخلافه في الأرض؟؟ و هل محمد هو ذاك الذي يفسد في الأرض و يسفك فيها الدماء و الذى تمتنع الملائكة عن الاعتراف به ،و نحن نحض الله و نحثه بواسطة صلاتنا عليه على التدخل لدى هؤلاء المقربين إليه  و التشفع له عندهم و حملهم بالتالي على تغيير نظرتهم لحبيب المسلمين و قرة عيونهم محمد (ص).؟؟؟.. إذا كان محمد هو الذي فرض على المسلمين هذه الصلاة عليه فإنه بذلك  يعترف بفساده و إجرامه و يطلب بالتالي من أتباعه أن يتشفعوا له عند الله كي يتشفع  هذا الأخير له عند ملائكته.و إذا كان الله هو الذي فرض هذه الصلاة على نبيه فهذا اعتراف ضمني من الله يقر فيه بأنه سبحانه و تعالى لم يبعث للناس إلا المفسدين و المجرمين و القتلة و النصابين. و نحن نعرف مدى فساد محمد الأخلاقي و الخلقي فهل هناك من فساد أكبر من نكح الميتة و معاشرة الصبيان؟؟ .لا ، بالطبع.. و نحن نعرف كذلك أن محمدا كان سفاحا سفاكا للدماء. و ما خبر فدك و بني قريضة و بني النضير عنا بغريب... هذا من جهة أما من أخرى فنحن نعرف كذلك أن مشكل الملائكة كان مع آدم (عليه السلام هو الآخر) الذي أمرهم الله بالسجود له ففعلوا غصبا عنهم إلا إبليس واحدا منهم لم يرض لنفسه الذل و المهانة فرفض أمر الله و عصاه . أما محمد فتعرفه الملائكة و هو يعرف الملائكة. فالاثنان كانا يتبادلان الزيارات.محمد زار الملائكة في سمائهم و الملائكة كانوا يتوافدون على محمد ، فمنهم  من كان يضلله بالغمام  و منهم من كان يكتب حسناته و سيئاته و منهم من حمله على ظهره و منهم من كلمه و خطب له و قاد عليه(قواد) و أنزل له من المصانع و المطابع السماوية الحديد و المن و السلوى و الكتاب المنير.فالملائكة يعرفون محمدا و محمد يعرفهم. فكيف لهم أن يخلطوا بينه و بين آدم ويحملوه وزر هذا الأخير و خطاياه؟؟إنما هو محمد من زرع نفسه  و المفسرون معه وسط هذه المعمعة و قابل بين نفسه و آدم طاويا التاريخ  و جاعلا نفسه مكان آدم و أتباعه مكان الملائكة و معارضيه مكان إبليس. و بذا يصبح ما قبل محمد لاغيا ملغيا و يصبح محمد هو أول البشر و ليس أول المسلمين .و عام الفيل يصبح هو فجر التاريخ و بداية الحضارة و الإنساية جمعاء. و بذلك يتم لمحمد و التابعين له بإحسان السطو  و السيطرة و الاستيلاء ليس على الله وحده فقط،و لا على دين و أموال خديجة و دين و أموال بني النضير فحسب بل و على الإنسانية جمعاء في كل زمان و كل مكان. 
و إن مما اخترناه عن السخاوي من تفاسير ل اللهم صل محمد و على آل محمد ما نقله عن الترمذي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا صلاة الرب الرحمة وصلاة الملائكة الاستغفار وهو منقول عن ابي العالية والضحاك إلا أنهما قالا صلاة الملائكة الدعاء وقال الضحاك بن المزاحم أيضاً صلاة الله رحمته وفي رواية عنه مغفرته وصلاة الملائكة الدعاء أخرجهما إسماعيل القاضي من طريقه فكأنه يريد الدعاء بالمغفرة نحوها ورجح الشيخ شهاب الذين القرافي أن الصلاة من الله المغفرة وكذا فسرها الأرموي والبيضاوي وقال الإمام فخر الدين الرازي والأمدي أنها الرحمة.انتهى.
فصلاة الله على نبيه إذا بمقتدى هذا التفسير الثاني هي الغفران و الرحمة و كلاهما يعنيان الصفح و العفو و المغفرة من الذنوب و الآثام..و يا ما أعظم ما اقترفه محمد منها. فمحمد أشرك نفسه بالله.و هل هناك من ذنب أعظم من هذا. فالشهادة و الإيمان بالله لا تقومان إلا بالشهادة  و إلإيمان بنبوة محمد.فمن لم يشهد لمحمد بالنبوة يمنع عن الله و يمنع عنه الله.و الولاء لله لا يتم إلا بالولاء لمحمد، فمن لم يتول محمدا ليس له في أن يطمع في ولاية الله، لأن الله لن يتولاه أبدا و لن يضر بخاطر محمد. و من تولى محمدا فإن الله مولاه و صالح المؤمنين و الملائكة أجمعين سواء أ كان مؤمنا أم كان فاجرا كافرا.إذ المهم  هو أن يكون المرء مقبولا عند محمد الذي يقول إن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر و في حديث آخر بالرجل الكافر. و هذا معنى قوله إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله. كما أن الصلاة المفروضة لله لا تكون تامة ولا صحيحة إلا بالصلاة على النبي كما نحن بصدد تبيينه. فبعد أن يحمد المسلم ربه و يطلب منه أن يهديه صراط الذين أنعم الله عليهم يتوسل إليه أن يغفر لمحمد  ذنوبه و يكلأه بعفوه و يدخله في رحمته. و هنا أود لو أفتح مزدوجتين لنقوم و لو بوقفة قصيرة عند الذين أنعم الله عليهم فنتساءل مع أبي إسحاق الكندي و أصحابه عن من هم هؤلاء الذين أنعم الله عليهم.فإذا كان المسلمون هم حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون فما بالهم يتوسلونه أن يهديهم صراط الذين أنعم عليهم؟؟ ا ليس المفلحون و الفائزون هم من ينعم الله عليهم؟؟؟ فإذا كان الضالون هم النصارى و المغضوب عليهم هم اليهود و الذين أنعمت عليهم ليسوا هم المسلمين إنما المسلمون يطلبون أن يهديهم الله إلى طريقهم فمن هم إذا هؤلاء الفرقة التي أنعم الله على أفرادها ؟.و بما أن المسلمين يطالبون الله أن يهديهم الصراط المستقيم الذي هو صراط هؤلاء الذين أنعمت عليهم، أ فليس هذا يعني ضمنيا أن المسلمين ليسوا على الصراط المستقيم ؟ بل إنهم على العكس من ذلك على طريق الضلال و الكفر و العياذ بالله.انتهت المزدوجتان.و عليه فلا شهادة و لا إيمان و لا ولاء و لا صلاة لله بدون إشراك محمد،فإشراك محمد مع الله في الملك و الحكم و العبادة و التأليه هو الإيمان الصحيح عند محمد. أ ليس هذا هو الشرك العظيم؟ يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم(لقمان 13) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (النساء 48). و من مظاهر شرك محمد بالله جلوسه معه على العرش و كتابة اسمه عليه و مشاركته في الحكم بل و اعتراضه عليه، لأن من تشفع له محمد عند الله لا يناله عقاب الله.فكلمة محمد هي العليا و كلمة الله هي السفلى.أ ليس هذا هو الشرك العظيم؟؟؟ و بمثل ما استولى عليه محمد من خصائص الله و وظائفه و خص بها نفسه بمثل ما جاد به على الله من الأفعال الآدمية.فقد جعل الله غبيا أبلها يغضب و يغتاظ و يخرب و يهدم و يلعن و يسب مما يضطره سبحانه و تعالى إلى التقرب من عباده و الصلاة عليهم و الاستغفار عندهم.فالله لا يصلي على محمد لوحده و إنما المسكين يصلي على جميع المؤمنين و المؤمنات بمحمد  . يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما ( الأحزاب : 41 - 43 ) . وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ( البقرة : 155 - 157 ). 
فهل هناك من شرك أعظم من هذا؟؟ و هل هناك من تعد على حرمات الله و مقدساته أكبر من هذا؟
لهذا و لغيره مما لم يتوفر لنا ذكره من الأسباب ألزم محمد أتباعه بإرغام الله على الغفران له و الرحمة به و العفو عليه و الصفح عنه و الثناء عليه لدى الملائكة الذين يكرهونه و يتآمرون ضده، حين قولهم اللهم صل على محمد و على آل محمد. و لنا أن نتصور كمية هذه الطلبات التي تصعد في هذا الصدد إلى الديوان الإلهي كل و ساعة و كل حين لنتبين مدى فداحة ما أقدم عليه محمد من الذنوب و الآثام. و قد أخرج البخاري في كتاب الدعوات باب الصلاة على النبي عن العز بن عبد السلام أنه قال:ليست صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة منا له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله.انتهى. و علينا أن نتساءل إذا كانت توسلاتنا و ابتهالاتنا لله أن يتقبل محمدا بالقبول الحسن و يغفر له ما تقدم و ما تأخر من ذنوبه ليس شفاعة منا له فما هي الشفاعة إذا؟بلى يا أبا العز إننا نشفع له رغما عنك و رغما عن أنفك. و من المتطفلين من يقول إن خصيصة اللهم صل على محمد و على آل محمد هي تكريم وتشريف لنبي الإسلام محمد كنبي آخر الزمان المبعوث للناس كافة لتبليغه الرسالة وتأديته الأمانة.فهل فعلا نكرم محمدا و نعظمه عندما نطلب له الهداية و الغفران أم أننا نحط من قدره و سمعته و نعترف بذنوبه و آثامه؟؟
أبو نبي المشركين


الأحد، 22 يوليو 2012

مجنون الطيز


رعى الله زمانا كان الطيز فيه مقاما محمودا مقدسا لا يأتيه إلا المطهرون، و لا ينزل بساحته إلا المتقون الورعون العارفون بالله حق معرفته ، النازلون عند أوامره المدبرون عن نواهيه. و إنه لمن شدة تعظيمهم للإمام مالك، مبيح نكح الأدبار و خادم رسول الله،فقد كان أهل المغرب يعظمون الطيز أيما تعظيم، و بالخصوص الطيز السليمَ الخالي من الحفر ، جيّد البرملة والاحدوداب ، اللواحة للبشر. هذا النوع من الطيز الذي تحلم به كل مؤمنة بالله، كانت له عندهم مكانة لا تسموها مكانة، و في قلوبهم منزلة لا تفوقها منزلة، لدرجة أنهم جعلوا له من الأسماء الحسنى تسعا و تسعين اسما و مائتهم الزك . و قد أخرج منها شيخ النار أبو قثم ما ينيف عن العشرين، أولها الكعر و الخصر و الطرّ،و الصرة و المخوصرة ، زينة الصوت، الكلتة الهامدة ، اليعفوره و النيارة، للا مولاتي ، الفرتالة ، الترمة و الزعكة ، المبرملة ، الدواحة، كدية الرحمان ،كدية الزليق، الظريفة دي قفا.،الردف والفلحة ، الرويضة، المهزوزة، الفياحة. و منه كذلك أم الخدود و ذات الجنب. فليرحم الله ذلك الزمان الذي كان يعطى فيه كل ذي حق حقه و ينزل كل ذي منزلة منزله.أما اليوم فكم من حرمة انتهكت و كم من مقدسة أهينت و منهم الطيز بطبيعة الحال،الذي نال منه الدهر و أبلاه، و أخنى عليه و أفناه، حتى أضحى يرتدي البلودجين الخشن و الزي العسكري و يقتعد مقاعد الربابنة و الملاحين عوض الأسرة و المضاجع .فأصبح طيزا كسائر الأطياز.لا يهم أن كان مكتنزا لحما أم ضامرا مهزولا ، محدودبا جيد البرملة أم مقعرا عديم الجنبات، منتفخ الكلكل أم مسطح الربوات.لا يهم...طيز و كفى...لا يجوز فيه المذكر و لا المؤنث...فبئسا له من زمن تساوت فيه حتى الأطياز... أما اليوم و مع بصيص النهضة الإسلامية المباركة أصبحنا نرى أن الطيز بدأت تعود إليه بعض من عافيته و قداسته حتى غدا التهافت عليه يشتد و الاعتناء بمظهره يمتد، فأصبحت له طقوس تحابيه و صلوات تربيه و أدوات تبرزه و دعوات تزكيه. و غدا يتلفع الحرير الهندي الأملس الذي لا يبخل بعرض أساريره الجليلة و الكشف عن تضاريسه الرهيبة، و لا بالإفصاح عن أسراره الخلابة الزاهية. و بالرغم من كل ذلك فلا زال يطلع علينا بين الفينة و الأخرى من ينغص على الطيز المسكين هدوءه و يكدر عليه صفوه.فقد أثار مؤخرا استهداف أحدهم لأرداف النساء بواسطة آلة حادة، موجة من الهلع في صفوف نساء و فتيات مدينة تزنيت إحدى حواضر جنوب المغرب، بعدما تكررت اعتداءاته على الفتيات بمختلف أحياء المدينة.حيث بلغ عدد ضحاياه لحد الساعة ست فتيات نقلن جميعهن إلى المستشفى لتلقي العلاجات الضرورية و غادرنه إلا واحدة تعتبر حالتها خطيرة.و استنادا إلى مصادر متعددة فإن الجاني الذي يعتقد أنه في الثلاثينات من عمره، يمتطي دراجة هوائية و يفاجئ ضحاياه من الخلف مستهدفا مؤخراتهن بآلته الحادة إلى درجة أن بعضهن لا يعلمن بالاعتداء عليهن حتى يبتعد عنهن بعدة أمتار، و حسب نفس المصادر فإن الجاني يختار أماكن و تواقيت تنفيذ عملياته الغادرة بعناية. فيختار ضحاياه في زوايا شبه مظلمة.و لا يميز بين الأطياز المتبرجة و لا الأطياز المحتجبة بقدر ما يحرص على أن يكون الطيز بضا في عمر الزهور لا يتجاوز العشرينات من العمر و في زاوية نائية نوعا ما عن البشر. و تؤكد المعطيات المسربة من الجهات المختصة في البحث عن الجاني أنه ليس له أي انتماء لأي من التيارات المتطرفة.كما أنه لا يعرف له أي انتماء سياسي مشيرة إلى أن الهدف من قيامه بهذه العمليات المثيرة يتلخص في احتمالين اثنين لا ثالث لهما، فإما أنه سادي يتلذذ بتعذيب الفتيات بهذه الطريقة، أو أنه يعاني من عقدة نفسية تجاه أرداف النساء.
فاللهم رب هذا الشهر الفضيل الطف بأطيازنا ، و احفظهم اللهم بحفظك الكريم من كل مختان معتد أثيم
شيخ النار أبو قثم

السبت، 14 يوليو 2012

الإسرائيليات و القرآن





هذا مبحث قديم جديد، تناوله عديد الباحثين الأجانب منذ القرن التاسع عشر(1) وحتّى يومنا هذا، وهو اقتباس القرآن من التراث اليهوديّ(2) وهذه "الشبهة" في الحقيقة موجودة منذ وُجد القرآن نفسه الذي وثّقها أكثر من مرّة: (حتّى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين) (الأنعام، 25) (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين) (الأنفال، 31) الخ.. فالآيات عديدة، وهؤلاء المجادلون ربّما يقصدون بقولهم "أساطير الأوّلين" معنى "خرافات الأوّلين" وربّما يقصدون كتابات وحكايات وقصص الأوّلين، (قصص ليست غريبة على أسماعهم إنّما هي مألوفة، وهي متداولة فيما بينهم، والقرآن بالنسبة لهم لا يختلف عمّا تقدّم..)(3) فمعنى كلمة "أساطير"(4) يحمل مدلولين حسب الآيات التي ترد فيها، إمّا مدلول الخرافة، أي خرافات الأوّلين، وإمّا مدلول الكتابة، أي كتابات الأوّلين ويكون الجذر سطر يسطر أي كتب يكتب، وهو ما نراه في قوله : (والقلم وما يسطرون) (القلم، 1) أو قوله: (وكتاب مسطور) (الطور، 2) بيد أنّ لفظة أساطير صارت لا تعني لاحقا إلاّ الخرافة والأسطورة بمعناها المتداول اليوم، فيقول الرازي مثلا: (قد والله تعجّبنا من قولكم إنّ القرآن معجز، وهو مملوء من التناقض، وهو أساطير الأوّلين)(5) بمعنى خرافات الأوّلين.

قد يقول قائل: لا إشكال في أن نجد في القرآن ما قالته الكتب المقدّسة السابقة، فالمصدر واحد والرسالة الإلهيّة واحدة، والقرآن مصدّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل فمن الطبيعيّ أن يروي قصصهما نفسها بل ويصحّح بعضها أيضا، فما وافق القرآن منها فهو حقّ وما لم يوافق فهو محرّف. وهذا كلام جانب الصواب وإليكم التفصيل.

الإسرائيليّات التوراتيّة: (6

نقل القرآن عديد القصص التوراتيّة كخلق السماوات والأرض في ستّة أيّام وخلق آدم وبعض التشريعات وغير ذلك، بيد أنّ هذه القصص سرقتها التوراة من الحضارات المجاورة ويقول سهيل قاشا: (وقد توصّل العديد من العلماء إلى أنّ ما تضمّنته أسفار العهد القديم من قصص وأساطير وشرائع إنّما يرجع أصله إلى المدوّنات السومريّة والبابليّة والأشوريّة، وإنّ اليهود اقتبسوا منهم ما ينفعهم، وحذفوا بلا هوادة كلّ ما لم يلق استحسانهم)(7) فتدوين التوراة كان بين أواخر القرن الثامن والخامس قبل الميلاد(8) فلا نتعجّب أن نجد فيها قصصا أشوريّة مثل قصّة النبيّ موسى الذي ألقته أمّه في اليمّ وحمله الماء إلى من رعاه ثمّ صار قائدا وهي في الأصل قصّة الملك سرجون الأكادي الذي حكم بين سنوات 2279 و2334 قبل الميلاد(9) ولا نتعجّب حين نقرأ قصصا أو شرائع بابليّة إثر عودتهم من السبي البابلي مثل اقتباسهم من شريعة حمورابي المكتوبة حوالي سنة 1750 قبل الميلاد والموجودة اليوم في متحف اللوفربباريس، إذ نقرأ مثلا في المادة 196: (إذا فقأ سيّد عين ابن أحد الأشراف، فعليهم أن يفقؤوا عينه) وفي المادة 200: (إذا قلع سيّد سنّ سيّد من طبقته، فعليهم أن يقلعوا سنّه) (10) وهو ما نجده في سفر التثنية 19، 21: (نفس بنفس، عين بعين، سنّ بسنّ) وحرفيّا بالعبريّة: נפש בנפש עין בעין שן בשן = نفش بنفش عين بعين شن بشن، وهذا بدوره انتقل إلى القرآن : (وكتبنا عليهم فيها [أي في التوراة] أنّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسنّ بالسنّ) (المائدة، 45) ثمّ يقول القرآن في الآية نفسها: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) فهل يا ترى هذا ممّا أنزل الله أم ممّا شرّع حمورابي؟ ولا نتعجّب حين لا نجد دليلا أركيولوجيّا واحدا عن وجود موسى ولا عن عجائبه وآياته ويقول "ليو تاكسيل": (ولكنّ مؤرّخا مصريّا واحدا لم يقل أيّ كلمة عن هذه الكارثة المفجعة [أي غرق فرعون وجنده] التي لا مثيل لها في تاريخ الأعمال الوحشيّة السابقة، كما لم يتحدّث أيّ منهم عن الكوارث العشر الشهيرة التي حلّت بالمملكة المصريّة. ويحاول بعض اللاهوتيّين أن يتذرّع بأنّ الشعور الوطني المصري هو الذي منع المؤرّخين المصريّين [وقتها] عن تأريخ الأحداث المذكورة، ونحن نقول: فليكن الأمر هكذا فعلا! ولكن ماذا عن المؤرّخين الذين ينتسبون إلى جنسيّات أخرى؟ ما الذي منع هؤلاء من تدوين تلك الأحداث المأساويّة لو أنّهم سمعوا بها؟ وكيف أمكنهم ألاّ يسمعوا بها؟ (…) حتّى هيرودوت الذي درس تاريخ مصر دراسة جيّدة وساق كثيرا من أخبار شعبها، لم يقل كلمة واحدة عن الأحداث إيّاها) (11) والأبحاث الأركيولوجيّة الحديثة(12) زادت الطين بلّة ولم تستطع إثبات هذه الأحداث التوراتيّة-الإنجيليّة-القرآنيّة، كما أنّ قصّة استعباد فرعون لبني إسرائيل تنتمي إلى الخيال القصصي لا الوقائع التاريخيّة فالعبوديّة لم تكن موجودة في مصر(13) ناهيك عن قصّة سليمان والتي أطلق فيها كتبة التوراة العنان لخيالهم لتمجيد أصلهم وفصلهم ومن بعدهم القرآن فصار لسليمان جنود من الجنّ والإنس بينما لا يوجد ولو ذكر واحد يتيم(14) لهذه الشخصيّة عند مؤرّخي الحضارات المجاورة وهذا من العجب العجاب.

والراجح عندنا أنّ هذه الشخصيّات مزاعم يهوديّة متأخّرة انبثقتْ إثر السبي البابلي (وربّما قبله) لصناعة أبطال قوميّين وخاصّة موسى الذي تحدّى المملكة المصريّة بفضل "يهوه" واستطاع إخراج بني إسرائيل ليقودهم نحو الأرض المقدّسة، وبالمناسبة فأرض كنعان هذه كانت تحت الحماية المصريّة أصلا، فلا يكفي أنّ موسى تغلّب على فرعون الذي تبعه مع جنده في البحر بكلّ غباء بل زاد أن استولى اليهود من بعده على الأراضي الكنعانيّة في فلسطين التي تحت سلطة الفراعنة، وجعلوا أنفسهم شعب الله المختار والمفضّل وهذا انتقل بدوره إلى القرآن الذي يقول: (يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنّي فضّلتكم على العالمين) (البقرة، 122) فالله يفضّل شعبا على شعب وهو خالقهم جميعا، أمّا لماذا، فتلك حكمته. ولا يخفى على كلّ ذي رشد وعقل أنّ هذا يصبّ في مصلحة كتبة التوراة، وكتبة العهد القديم بصفة عامة، لإذكاء الروح القوميّة فيهم ومقاومة المحتلّ تحت رعاية الخالق الذي اختارهم، فنقل عنهم القرآن أساطيرهم وخرافاتهم ومزاعمهم والأمثلة كثيرة لا يتّسع المقام لها هنا مثل خلق الأرض والسماء في ستّة أيّام والتي يعلّق عليها معروف الرصافي قائلا: (أمّا الحقيقة فهي أنّ خلق السماوات والأرض في ستّة أيّام خرافة مذكورة في التوراة، وبما أنّ التوراة عند محمّد كتاب مقدّس من كتب الله، أخذ ذلك منها وذكره في القرآن) (15)

الإسرائيليّات التلموديّة والمدراشيّة:

وإذ إنّ العهدين القديم والجديد مليئان بالأساطير فإنّ القرآن لم يصدّق فقط ما بين يديه منهما بل صدّق أيضا التلمود والمدراش وهما منجمان كبيران للأساطير والخرافات. ولفظة التلمود مشتقّة من جذر למד = لمد وتعني تعلّم وعرف ودرس، فتلمود تعني دراسة وهي قريبة من لفظة "تلميذ"، ويتكوّن التلمود من محورين رئيسين: المشناه والجمارا، أمّا المشناه فهي الشريعة النقليّة الشفويّة، ويزعم اليهود(16) أنّها منقولة عن موسى، وهي تتكوّن من ستّة مباحث ولفظة مشناه مشتقّة من جذر שנה = شنه، وتعني "ثنّى" بالعربيّة وراجع وأعاد وهذه اللفظة تذكّرنا بلفظة "المثاني" في القرآن فإن كانت ستّة في التلمود فهي سبعة في القرآن، (آتيناك سبعا من المثاني) وأمّا الجمارا فهي نقاشات حول المشناه، ويوجد التلمود البابلي والتلمود الأورشليمي(17) وقد انتهتْ كتابة التلمود في القرن السادس بعد الميلاد(18) أمّا المدراش فهو ما يوازي كتب التفسير في الإسلام، أي كتبه رجال دين يهود لتوضيح أو تأويل التوراة، ولفظة "مدراش" تعني الدراسة أيضا والبحث والتأويل وجذرها "درش" وتقابلها لفظة "درس" بالعربيّة، والمدراش تتوزّع كتابته بين القرن الثاني والقرن الثالث عشر بعد الميلاد، بيد أنّنا نستطيع معرفة تاريخ كتابة بعض النصوص قبل الإسلام أو بعده. وأغلب القصص القرآني عن الأنبياء مأخوذ من التلمود والمدراش، حيث راجعتها كلّها، إلاّ قصّتي عاد وثمود بوصفهما قصصا عربيّة غير مذكورتين في التراث اليهوديّ.

ربّما سيقول قائل إنّها قصص صحيحة ذكرها القرآن ولا شيء ينفي أن يذكرها من كان قبله، فهي ليست سرّا من الأسرار، وعليّ حينها أن أضرب مثالا لأقرّب الأمر إلى القارئ، ولنفتح تفسير الزمخشري ونختار مثلا تفسيره لسورة النمل، الآية 18 التي تتحدّث عن مرور النبيّ سليمان قرب وادي النمل والتي جاء فيها: (حتّى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) فيقول الزمخشري مفسّرا: (قيل كانت تمشي [أي النملة] وهي عرجاء تتكاوس، فنادت: يا أيّها النمل، الآية، فسمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. وقيل كان اسمها طاخية) (19) ولنفتح أيضا تفسير ابن كثير لهذه الآية، فنقرأ التالي: (عن قتادة، عن الحسن، أنّ اسم هذه النملة حرس، وأنّها من قبيلة يقال لهم بنو الشيصان، وأنّها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب) (20) وكما ترون فالنملة لها اسم وقبيلة وهي في حجم الذئب، وتتكلّم ثمّ يتبسّم سليمان من كلامها الفصيح، ثمّ لنفترض أنّ القرآن لم يقل إنّ محمّدا هو آخر الأنبياء، ولنفترض أنّ شخصا في عصرنا الحالي ادّعى النبوّة وقال أنّه مصدّق للتوراة والإنجيل والقرآن، ويبدأ في صياغة كلام مسجوع ويقول مثلا: (وإذ قالت طاخية لقومها من بني شيصان يا أيّها النمل ادخلوا…الخ) ألن نكذّبه ونقول له: هذا كلام أساطير ذكره بشر يخطئون ويصيبون؟ ألن نعطيه أيضا المصادر التي نقل عنها هذا الكلام، لنبيّن أنّه ليس بوحي، بل نقل عن بشر آخرين؟ ونذكّره بأنّ القرآن لم يذكر طاخية ولا شيصان.

وهذا تحديدا ما نجده في القصص القرآني المنقول من التلمود والمدراش الذي كتبه بشر أطلقوا العنان لخيالهم، فألّفوا الأساطير، ومنها بالطبع النملة التي تتكلّم، فلا لوم على الزمخشري وابن كثير في التفسير فالأسطورة تلد الأسطورة، والقرآن نفسه يشير إلى اقتباسه من الكتب السابقة، باعتبارها وحيا، فيقول: (وإنّه لتنزيل ربّ العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربيّ مبين، وإنّه لفي زبر الأوّلين) (الشعراء، 192، 196) فالقرآن ترجمة بلسان عربيّ لما هو موجود في زبر الأوّلين، وإحقاقا للحقّ فقد أبدع في الترجمة، في أغلب المواضع، وحاز قصب السبق في استعمال عنفوان وبلاغة اللغة العربيّة في المجال اللاهوتي. وقد كانوا يعلمون أنّ كلّ القرآن منقول من كتب الأوّلين إلاّ من بعض آياته حيث جاء في صحيح مسلم أنّ ملكا من السماء نزل إلى النبيّ وقال له: (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌّ قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة) (21) فكلّ كلام القرآن قد أوتي لنبيّ من قبل، أو بالأحرى لمن يعتقد أنّهم أنبياء، إلاّ سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، حسب ابن عبّاس راوي الحديث.

الإسرائيليّات العربيّة:

قد اقتبس القرآن عديد القصص والأحكام من التراث اليهوديّ بيد أنّه كان يتدخّل أحيانا في صياغة القصّة أو التشريع ليجعله موافقا للأرضيّة العربيّة كوصفه للجنّة مثلا، فأغلب العرب يعيشون في أرض صحراويّة قاحلة، فلا بدّ أن تكون الجنّة فيها أنهار من عسل وخمر ومليئة بالنساء الأبكار والولدان المخلّدين ويعلّق ابن الراوندي على هذا الأمر قائلا: (لمّا وصف الجنّة [أي محمّد] قال فيها أنهار من لبن لم يتغيّر طعمه وهو الحليب ولا يكاد يشتهيه إلاّ الجياع، وذكر العسل ولا يُطلب صرفا، والزنجبيل وليس من لذيذ الأشربة، والسندس يفرش ولا يلبس، وكذلك الاستبرق الغليظ، ومن تخايل أنّه في الجنّة يلبس هذا الغليظ ويشرب الحليب والزنجبيل صار كعروس الأكراد والنبط !) (22) وقد حافظ القرآن على تشريعات موجودة كقطع يد السارق مثلا وهي عادة جاهليّة حيث جاء في المنمّق أنّ قريشا في الجاهليّة كانت تقطع يد السارق (23) ناهيك عن عادة "الحجّ" وهي شرائع وثنيّة جاهليّة فيدفع الحاج اليوم الأموال الطائلة كي يطوف حول حجر ويقبّل حجرا ويرمي حجرا بحجارة ثمّ يعود وقد غفر الله له ذنوبه فمن المستفيد من هذه السياحة الدينيّة ؟ ولنا أن نتمثّل كلام وحيد السعفي: (الدين يشيّد صرحه العظيم على أنقاض الصرح القديم، فشابه الدين الدين وآمن الإنسان بتواصل الحياة في ظلّ الإصلاح والقضاء على التحريف، وظهر للعيان ما كان خافيا من دين حنيف حرّفه الزمان، ذاك شأن الدين، ذاك حيلة من حيل الدين) (24) قلنا إذن، إنّ القرآن كان يتدخّل في صياغة القصص أحيانا مثل قصّة السامري والعجل أو قصّة "الخضر" وموسى وغيرهما، فبعض القرآن تأليف "مدراشيّ" باللغة العربيّة فيه تأويل للقصص السابقة وعرضها بطريقة أخرى وهذا يدلّ على تمكّن النبيّ من التراث اليهوديّ ومن اللغة العبريّة كما نرى مثلا في قوله: (من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا وأسمع غير مسمع وراعنا ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنّهم قالوا سمعنا وأطعنا وأسمع وأنظرنا لكان خيرا لهم وأقوم…) (النساء، 46) فقول اليهود "سمعنا وعصينا" يعني "سمعنا وأطعنا" فلفظة "عصينا" العبريّة تعني بالعربيّة "أطعنا" وهي الجملة التي قالها اليهود لموسى حيث نقرأ في سفر التثنية 5، 27: ושמענו ועשינו = وشمعنو وعصينو وتعني بالعربيّة: سمعنا وأطعنا، فاليهود في هذا الآية في القرآن يتهكّمون حيث يذهب في خلد من كان حاضرا أنّهم يعصون النبيّ، فإن اعترض أحد الصحابة أو النبيّ قالوا: بل نقصد عصينا العبريّة أي الطاعة وإن لم يعترض أحد ظلّ السامع يعتقد بعصيان اليهود جهرا، وقولهم كذلك "راعنا" وهي مشتقّة من لفظة רע = رع والتي تعني "الشرّ" فقولهم "راعنا" أي أنت "شرّنا" بالعبريّة بينما بالعربيّة تعني "ساعدنا" و "اصبر علينا" لذلك يقول القرآن معلّقا "ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين" فالنبيّ كان يفهم العبريّة والمقاصد من غمز اليهود، وكيف لا وهو المطّلع على قصص التراث اليهوديّ والتي صاغها بلسان عربيّ بليغ ورائع فلم يجانب الصواب حين يتحدّى الناس بأن يأتوا بمثل هذا القرآن بالعربيّة، ومن حقّه أن يفخر ويتحدّى.

الإعجاز العلمي في الإسرائيليّات:

أُلّفتْ كتب عديدة تتحدّث عن الإسرائيليّات في الحديث والتفسير والسيرة (25) بوصفها أساطير لا يقبلها العقل، ولكنّها تتجاهل إسرائيليّات القرآن فهل أنّ نوحا الذي عاش 950 سنة ممّا يقبله العقل؟ أم الهدهد الذي كان يقوم بدور وزير الخارجيّة بين سليمان وبلقيس؟ أو ربّما التقام الحوت ليونس ثمّ خروجه حيّا هو ممّا يقبله العقل؟ وغير ذلك كثير من الخرافات كأهل الكهف وكالذي مات مائة عام ثمّ عاد إلى الحياة .. الخ، فكلّ هذا يدخل في باب الإيمان لا في باب العقل وكلّ شخص حرّ في إيمانه بما يريد بيد أنّه ليس حرّا في عقلنة الأسطورة وأسطرة العقل، فيخرج علينا دعاة الإعجاز العلميّ بفذلكات سرياليّة أحيانا يجرّون فيها اللغة العربيّة من شعرها ذليلة مهينة ويلوون عنقها وعنق المعنى، فمثلا نقرأ أنّ قول القرآن" والشمس تجري لمستقرّ لها" هو إعجاز علميّ ويتناسون (وربّما لا يعلمون) أنّ الأصل موجود في التلمود (26) فهل يا ترى يوجد إعجاز علميّ في التلمود؟ أو قولهم إنّ آية إنزال الحديد من السماء هي إعجاز علميّ فهل قول القرآن" وأنزلنا من الأنعام ثمانية أزواج" يعني أنّ الأكباش والأبقار نزلت من السماء أيضا؟ كما أنّ آية إنزال الحديد هي نقل لأسطورة شعبيّة حيث أنّ الحضارات القديمة وقبل العصر الحديديّ في بداية الألفيّة الأولى قبل الميلاد، كانوا يستعملون الحديد الذي في النيازك الساقطة على الأرض فاعتبروه معدنا قادما من السماء (27) وظلّت هذه الأسطورة في التراث الشعبي ودخلت إلى القرآن، كما أنّ الحديد، علميّا، لم ينزل من السماء، هذا إن كان يصحّ أصلا ذكر كلمة "نزول" و"سماء" أثناء الحديث عن تكوّن الأرض، فانظرْ يا رعاك الله كيف تصبح الأساطير أدلّة علميّة ويُحشد لمروّجيها المؤسّسات والأموال والرجال لنشر الجهل بين الناس وهم -أي الشعوب- أحوج إلى إنشاء مؤسّسات تعنى بالبحث العلميّ الحقيقيّ وتدعّمه لعلّها تضع أقدامها على سلّم الحضارة والتقدّم. وقد نتفهّم سعي هؤلاء إلى الشهرة والمال من ناحية وإلى محاولة التوفيق بين الفيزيقيا والميتافيزيقيا من ناحية أخرى، (ليست هذه المحاولة بقاصرة على القرآن، وإنّما لها جذورها التاريخيّة في علاقة الفكر المسيحيّ بالحقائق العلميّة الجديدة منذ بدأ العلم يتناول قضايا احتكرها اللاهوت حقبا طويلة) (28) فكان لابدّ أن نجد أدلّة علميّة في النصوص المقدّسة نقوّي بها الإيمان حتّى وإن وصل بنا الأمر إلى "التدليس التقيّ" على حدّ تعبير فولتير.

الخاتمة:

لمْ نَشأْ في هذا المبحث المقتضب أن نتوسّع كثيرا في ذكر القصص الإسرائيليّة ومقارنتها بالقصص القرآني حيث قد طُرح هذا الأمر من قبل وغيره كاقتباس القرآن من التراث الفارسي والمسيحي، بيد أنّنا نودّ الإشارة إلى أنّ القرآن ينتمي إلى السياق الشرق-أوسطي اللاهوتي وهو متجذّر فيه من ناحية وفي مجتمعه العربيّ من ناحية أخرى ولا يمكننا فصل القرآن عن الإسرائيليّات لأنّه امتداد عربيّ لها، وإن كان القرآن بوصفه كتاب دين ظلّ وفيّا لكتابات الأوّلين فإنّنا وفي عصرنا الحديث نعتبرها مجرّد أساطير وخرافات نقلها القرآن عن حسن نيّة ودافع عنها وحارب من أجلها.

الهوامش:

1-Abraham Geiger, Was hat Mohammed aus dem Judentume aufgenommen? Bonn, 1833 (الطبعة الإنجليزيّة: Judaism and Islam, tr. Young, 1896); W. St. Clair- Tisdall, The Original Sources of the Qur'an, [المصادر الأصليّة للقرآن] Society for Promoting Christian Knowledge, London, 1905; etc..وآخرها:

Hai Bar-Zeev, une lecture juive du coran [قراءة يهوديّة للقرآن ], Berg International Editeurs, 2005

2- جمع لويس جنزبيرغ Louis Ginzberg كلّ الروايات من المدراش والتلمود والتراث اليهوديّ ونشرها بين السنوات 1909-1938 في كتابه الموسوعيّ: Legends of the Jews (أساطير اليهود) وهو مترجم إلى الفرنسيّة ( Les légendes des Juifs) في ستّة أجزاء بترجمة Gabrielle Sed-Rajana في دار نشر cerf بباريس، نُشرتْ بين سنوات 1997-2006.

3- إبراهيم محمود، الفتنة المقدّسة، عقليّة التخاصم في الدولة العربيّة الإسلاميّة، دار رياض الريس، بيروت، 1999، ص160

4- لفظة أسطورة تقابلها باليونانيّة Istoria= Ιστορία وباللاتينيّة storia ومنها انبثقتْ history الإنجليزيّة وhistoire الفرنسيّة.

5- عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، سينا للنشر، ط2، مصر، 1993، ص250

6- التوراة هي كتب موسى الخمسة فقط ولكنّنا نستعملها هنا اصطلاحا على كامل نصوص العهد القديم.

7- الأب سهيل قاشا، أثر الكتابات البابليّة في المدوّنات التوراتيّة، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت، 1998، ص8

8-Israel Finkelstein et Neil Asher Silberman, La Bible dévoilée, Gallimard, Paris, 2004, p368-374

والكتاب الأصلي بالإنجليزيّة بعنوان: The Bible unearthed

9- هو نصّ مكتوب في القرن السابع قبل الميلاد ومنسوب إلى سرجون الأكادي الذي عاش قبل ذلك التاريخ بستّة عشر قرنا لكن اللافت للانتباه أنّه يوازي بداية تدوين التوراة من ناحية وأنّ اليهود كانوا فعلا في السبي البابلي من ناحية أخرى وسمعوا بالقصّة فأسقطوها على شخص موسى، لقراءة النصّ انظرْ:

Georges Roux, La Mésopotamie : essaie d’histoire politique, économique et culturelle, l’univers historique, éd. Seuil, Paris, 1985, p138-139

10- سهيل قاشا، أثر الكتابات البابليّة، مرجع سابق، ص28

11- ليو تاكسيل، التوراة كتاب مقدّس أم جمع من الأساطير، ترجمة حسان ميخائيل إسحاق، ط1، 1994، ص176 والكتاب الأصلي بالفرنسيّة: La Bible Amusante, éd Librairie pour tous, 1897

12- Israel Finkelstein et Neil Asher Silberman, La Bible dévoilée, op.cit, p84-118

13-Droit et Cultures, Revue d’anthropologie et d’histoire, Centre droit et cultures , Université paris X, Bernadette Menu, La question de l’esclavage dans l’Egypte pharaonique, éd. L’Harmattan, n39-2000/1, p59-79

وذهب نديم السيّار إلى أنّ موسى وُجد أثناء احتلال الهكسوس لمصر وأنّه بُعث إلى هؤلاء الرعاة لا إلى الفراعنة المصريّين انظرْ كتابه: قدماء المصريّين أوّل الموحّدين، طبعة الأهرام، سنة 1995 بالقاهرة.

14-Israel Finkelstein et Neil Asher Silberman, Les rois sacrés de la Bible : A la recherche de David et Salomon, Gallimard, 2007

15- معروف الرصافي، الشخصيّة المحمّديّة أو حلّ اللغز المقدّس، دار الجمل، ألمانيا، 2002، ص 654

16- يرفض مذهب "القرّائين" الشريعة الشفويّة أي التلمود ويؤمنون فقط بكتب العهد القديم، وهم مثل مذهب "القرآنيّين" في الإسلام.

17- لمزيد المعلومات عن التلمود وأقسامه راجع: أحمد إيبش، التلمود كتاب اليهود المقدّس، تاريخه وتعاليمه ومقتطفات من نصوصه، دار قتيبة، دمشق، 2006

18- المرجع السابق، ص27

19- الزمخشري، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل….، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمّد معوّض، مكتبة العبيكان، الرياض، 1988، ج4، ص440

20- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق نخبة من الأساتذة، مؤسّسة قرطبة للطبع والنشر والتوزيع، مصر، 2000، ج10، ص397

21- الحميدي، الجمع بين الصحيحين، تحقيق: علي حسين البواب، دار ابن حزم، لبنان، 2002، ج2، ص97

22- ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، دار صادر، بيروت، 1939، ج6، ص103 نقله ابن الجوزي من كتاب "الدامغ" لابن الراوندي وهو كتاب لم يصلنا.

23- البغدادي، كتاب المنمّق، تحقيق: خورشيد أحمد فاروق، دائرة المعارف، 1964، ص530

24- وحيد السعفي، القربان في الجاهليّة والإسلام، منشورات تبر الزمان، تونس، 2007، ص194

25- انظرْ مثلا محمّد حسين الذهبي، الإسرائيليّات في التفسير والحديث، مكتبة وهبة، ط4، 1990 / وانظرْ: رمزي نعناعة، الإسرائيليّات واثرها في كتب التفسير، دار القلم ودار الضياء، 1970 الخ..

26- التلمود البابلي، سنهدرين 91 ب، ويذكر فيها أنّ الشمس تذهب لتسجد لخالقها وهو نراه في البخاري ومسلم نقلا عن أبي ذرّ متحدّثا عن هذه الآية: "كنت مع رسول الله في المسجد عند غروب الشمس فقال يا أبا ذر أتدري أين تذهب الشمس فقلت الله ورسوله أعلم فقال تذهب تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله عز وجل ( والشمس تجري لمستقرٍّ لها ذلك تقدير العزيز العليم ) سورة يس في رواية ثم قرأ ( ذلك مستقرٌّ لها ) في قراءة عبد الله وفي رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تدرون متى ذاكم ذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً وفي رواية وكيع مختصرة" الحميدي، الجمع بين الصحيحين، مصدر سابق، ج1، ص152

27- The Journal of the Royal Anthropological Institute of Great Britain and Ireland, Vol. 71, No. 1/2 , 1941, T. A. Rickard, The Use of Meteoric Iron, p55-66

28- عاطف أحمد، نقد الفهم العصري للقرآن، دار العالم الجديد، ط3، القاهرة، 1985، ص46 وانظرْ أيضا في نقد الإعجاز العلمي: خالد منتصر
Publié par غبار كوني à l'adresse 14:27 
Envoyer par e-mail
BlogThis!
Partager sur Twitter
Partager sur Facebook
  

محمد النجار

الجمعة، 6 يوليو 2012

الملحد جاري




ما كنت لأظنّ أنّ هناك شيئا معلوما في الدّين لا يتّفق في شأنه بلهاء الإيمان مع مشايخهم و علمائهم و مراجعهم.
و ما كنت لأظنّ أنّ من يصدّق بأن النّمل ينطق و أن الحمير تبصر الشياطين و الديك تبصر الملائكة، سوف يرفض من إمامه و مرجعه ، فكرة موت نبيّه مسموما أو مقتولا!!!
لماذا يا ترى يرفض المؤمنون هذه الفكرة، و لا يقبلونها!!!؟ و لماذا تشكّل عندهم ضيقا نفسيا و أزمة عصبية ، يحاولون التخلّص من مناقشتها و تداولها حتى مع أئمّتهم و مشايخهم المبجّلين؟
و الحقّ ، الحقّ، أن قوّله : و الله يعصمك من النّاس ، إذا ما شفعته بفكرة تسميم رسوله الأعظم من طرف يهودية، كما يقول قِسم من أهل السنة و الجماعة ،أو بواسطة اللد على يد عائشة و حفصة ، كما يصرّح قسم من الشيعة ، فإنّ الخليط المحصّل عليه يكون ممزوجا، مرفوضا، لا دسم فيه، و لا طعم له . إلا أن الأعجب هو أنّ هذا التّناقض ، على مرارته ، يشكّل بالنسبة لمشايخ الأمّة و علمائها مادّة دسمة، يقبلون عليها بكل فهاهة ،إقبال المتلهف على الماء.
ـ و الله يعصمك من النّاس ـ لا تستقيم و سحرَ النبي ، فكيف بها تستقيم عند أهل السنة مع فكرة تسميمه من طرف يهودية؟ و كيف بها تستقيم عند أئمة الشيعة مع التآمر على شخصه من طرف زوجتيه و تسميمهما له ؟
هذا ما استخلصته من الجلبة التي أحدثتُها في حشد من المشيّعين ، الذين جاءوا
ليشفوا صدورهم بموت جاري الغنيّ الملحد السّكّير، الذي لم تطأ قدماه يوما مسجدا و لا عرف الصوم له مسلكا
أعرف جاري السّبعينيّ العمر ، لأكثر من أربعين سنة خلين...عرفته شابّا وسيما، عريض المنكبين صبوح الوجه  عالي الهامة ، تتفنّن مراهقات المدينة في تتبع حركاته، و يتنافسن على مرافقته. ثم عرفته أبا، فرجلَ أعمال ناجحا قلّ أن لا تمرّ صفقة من الصّفقات اللاتي غيرت معالم مدينتي من بين يديه...و عرفته ذاك المتقاعد الذي يلزم يوميا رأس الدّرب متكئا في مقعده الوثير من سيارته الرباعية الدّفع ..تلك السيارة التي كانت لإلى الأمس القريب، رهن إشارة النفساء و المريض و المعلول ، و الطفل الذي فاته وقت المدرسة ، و الأب المحزون ، و كلّ من ضاقت به الأرض بما رحُبت...
لم يمرض جاري... لم يعتره الزهايمر، ولا أصابته حمىً و لا ذات جنب ... من أسبوع  مضى سقاني الصّهباء في سيارته على أنغام (الروكن رول) التي كانت تزيد المكان رونقا و بهاء... تجاذبنا الحديث كعادتنا لساعات طوال. تحدّثنا في كلّ الأشياء،و عن كل الأشياء... لم نترك أنبياء و لا أولياء و لا حديث و لا قرآن... تحدّثنا عن ماركس.. عن أفلاطون ...عن فرويد و نيوتن و عن هيجل.. تحدّثنا عن أبي قثم . على فكرة ـ جاري هذا كان يحبّ كثيرا قراءة تعاليق صديقي الراوندي. و كان كلّما وجدته يسألني أن أفسّر له بعضا من كلامه
فيقهقه كلّ مرّة لكونه لم يستطع استيعاب تواجد ملحدين من طينة الراوندي بأرض الله ،فيقول لي : حقّا ، إن الأعراب لأشدّ كفرا، ياهذاـ ... و كان أكرهَ ما يكرهه جاري، مقابرَ المسلمين. فكلّما سمع بموت صديق أو حبيب إلا و يأسَفَ له قائلا :مسكينٌ فلان ، سيرمونه في المزبلة. ثم تعلوه حسرة شديدة و يضيف : لقد نسوا ضرائبه و جباياته و صدقاته ، إنّه الآن كومة عظام لا تصلح لديهم لشيء...  كان دائما يقول لي : يا أبا قثم!  إن المسلم حشرة و هو حي، ونجاسة و هو ميت. فإذا مات تخلصوا منه بسرعة و توضؤوا اغتسالا منه...لا كرامة للمسلم ، يا أبا قثم حيّا،  و لا حرمة له ميّتا. أنظر إلى مقابرنا و قارنها بمقابر الكفار الذين غضب الله عنهم و أحبط أعمالهم.. أ ليست مقابرهم أشبه بالجنان التي يعِد بها الرحمان بلهاء الإيمان؟!!. كان جاري لا يمرّ بسيّارته قرب مقابر المسلمين ، ليس حذر الموت ، و لكن اتقاء النّكد و القرف الذي تبعثه في نفوس النّاظرين.
في ذاك اليوم المشؤوم الذي سيغادرنا فيه جاري، خرجت كدأبي كلّ يوم لأستقلّ سيّارة أجرة تقلّني إلى عملي ... لاحظت حركة غريبة ، لم أفهمها ... وتواجدا غير عادي لم أستوعبه ... إذ بي ألمح من بعيد ابن جاري البكر يلوّحّ بيده إليّ مناديا . فخففت نحوه. حيّيته؛ فحيّاني بحرارة، و قال هامسا جهة أذني، و كأنه يهمّ تقبيل كتفي : إن الوالد يريد أن يراك... دلفت المنزل الفخم خلفه .. فلاحظته أصْمَتَ ممّا عهدته، بينما كان التواجد فيه كثيفا!!. في كلّ حجرة مررت بها كنت أسمع همسا ... و البهوعلى طوله ، و أنا أجتازه ؛ لا حظت أني قابلت فيه أشخاصا كثرا لم يسبق لي أن عرفتهم. و بعد أن صعدنا الدّرج و توسّطنا الدار و واجهتنا حجرة نوم أبيه، بادرني الابن  قائلا: الله يهدي الوالد، يرفض أن نشغّل القرآن . فهلاّ أ قنعته ، يا أستاذ !! ثم دفع الباب ، لأجد نفسي داخل الحجرة، و أنا لم أستوعب بعد شيئأ...فإذا بي أمام جاري المتهالك فوق فراشه الذي لزمه ليومين بعد وعكة قلبية شديدة ، ألمّت به ،لم يعلم بها أحد من الجيران .. لقد أعلَمَه الأطباءُ بفقدان الأمل، فعاد من توّه ليلة الأمس... وجدته يضحك مع أحفاده الذين جلسوا على سريره الأبيض الوثير بينما تقتعد إحدى بناته أريكة جانبه .. لمّا رآني شاخصا أمامه قهقه قهقهة اهتز لها كيان الحجرة الخامل قائلا بصوته الجهوري : يا هلا يا هلا بأبي قثم
تسمّرت في مكاني ، كانت ضحكاته أثقالا تهوي على متني، فتثنيني لأنكسر أمام هول المشهد.. لم أنبس ببنت شفة ... نسيت نفسي... ضاعت مني الحواسّ إلا البصر الشارد منّي. فإذا بصدى ضحكه يعيدني إلى الرّشد ، لأجده يقول لي بمرحه المعهود : ها أنت ذا ترى ، يا جاري ، سوف يرمونني في المزبلة بعد قليل  ... ثمّ قهقه قهقهة خفيفة و صمت قليلا .. ثم مدّ يده جهتي و هو يقول : لقد وصل دوري ...فوداعا يا جاري ، المسامحة يا جاري ،.. أوصيك .. أوصيك بأبنائك خيرا.. و بقي مادّا يده التي لايتحرّك منها إلا الخنصر و البنصر إليّ كي يعانقني..ما صدّقت ما أسمع و ما عدت أحس بالأرض التي تقلـّني.. وحدها يده الممدودة نحوي هي  التي كانت تشدّني إلى الواقع... هويت عليه و الدّمع مني يتهاطل في صمت..ضمّني إليه ضمّة لن تفارقني حرارتها ما حييت ، ثمّ خضّني، و همس في أذني : إضحك يا راجل إضحك يا راجل..
خرجت خارّ القوى، مهزوم الفرائص، منهوك الأعصاب ، فاقدا مفهومي الزّمان و المكان .. سرت لخطوات أبحث عن الأنا الذي مني ضاع.. ألملم مفاصلي المبعثرة أتلمّس المكان الذي يحتويني



ملّيت النظر .. ملّيته أكثر ، لأجد الشارع قد امتلأ أكثر فأكثر... السيارات من كل الأنواع و الأحجام ، أمّا الناس فمنهم من أعرفه و منهم من لم أره قطّ . إنهم من كل الطوائف ومن كل الطبقات ..الفقراء ، الأغنياء ،التجار ، الصناع ... المسلمون و غير المسلمين ، أصحاب اللحي و الحليقون .. كلّ طوائف المجتمع أصبحت مجتمعة في الدرب
قصدت دكّان البقالة ، مطأطأ الرأس ، طلبا للسجائر.. سحبت علبتي و فتحتها... أوقدت أول لفافاتي التي كدت أكملها في نفسين ... خلفي، كان يتحلّق جماعة من المتديّنين حول ملتح وهابي خبيث. بينما كان فمُه يشتغل مع مريديه المنتبهين إليه، المتحلقين حوله؛كانت عيناه تصولان من فوق رؤوسهم في الشارع و تجولانه طولا و عرضا، متراقصتين، لا تغفلان عن صغيرة و لا تفلتان كبيرة . و لسرعة حركتهما و حركة شفتيه، تخاله مذيعا يغطي أطوار مقابلة في كرة القدم،  و المتحلقون حوله عميٌ ،لا يبصرون إلا من خلاله..و أنا أجرع نفسي من السيجارة، إذ يسترق سمعي جملة من حديثه أفقدتني ما بقي لدي من توازن. فلم أتمالك نفسي ... لقد سمعته يقول : اليوم لن ينفعه ماله و لا بنوه... فلم أدر متى قطعت حديثه و صحت في وجهه: و ما ذا نفعت النبوة رسولك؟؟ ألم يمت نبيّك حبيب الله و صفيّه؟؟ فلماذا تستكثر الموت في حقّ جاري !!؟ لا .. ألم يمت نبيك مسموما ؟!!! فماذا نفعته نبوّته ؟؟؟ ثمّ لماذا لم يرفع ربك نبيك كما رفع موسى و عيسى ؟
لم يجد الملتحي الخبيث غير ابتسامة استعراضية ماكرة هشّ بها في وجهي و قال مسترسلا  وكأنه يستعرض شريطا مسجّلا : هداك الله يا أخي.. استغفر لذنبك يا فلان .. ما هذا الذي تقول ،يا أستاذ .. أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم ..! كيف لمن اختاره الله و اصطفاه و فضله على العالمين أن يموت مقتولا بالسم؟؟ كيف ؟؟.. يا راجل ... و حتى إذا ما حدث فإنه يعتبر شهيدا ، يا هذا!!و ما منكم إلا قتيل و شهيد ...! لقد مات سيّد البشر شهيدا و ليس مسموما!! كاد الرّجل يُفَجّرني بغبائه ، و كدت أُسمعه ما لا قِبَلَ له به ؛ فإذا الصياح يعلو من دار جاري، وإذا بكاسيت القرآن يُشَغّل ..
 لقد فارقنا جاري لغير رجعة..نظرت إلى محدّثي ، فوجدته أبهج ممّا كان عليه ، و ابتسامتَه أعرضَ ممّا كانت عليه . فما أن التقى نظري ببصره حتى بشّ في وجهي قائلا و البهجة تعلوه: إنّا لله و إنّا إليه راجعون. بالصير و السلوان..تقبله الله...فكأني به كمّن كان يحمل على ظهره ثقلا فتخلّص منه بعد مكروه.!! فبادرته مصمّما العزم على أن أنتزع من وجهه تلك الابتسامة الماكرة،   و أسوّد يومه،و أغيظه غيظ الكفار
فقلت له
ما أجمل ميتة جاري . لقد مات سعيدا ضاحكا مستبشرا ، ودّع القريب و البعيد،  الغريم و الصّديق، مات وسط أبنائه و بين أحفاده ،يحكي لهم النكت و النوادر حتى فارق الحياة. أمّا محمد سيد المرسلين فقد مات ميتة جاهلية، معذبة. سواء بسم اليهودية أو بسمّ المؤامرة أو مات من الحمّى أو ذات الجنب . ففي أمر موته لا تتفقون كلكم إلا على شيء واحد وحيد هو  أنه مات ميتة قاسية شديدة لا يتمنى المرء مثلها و لو لعدوّه فما بالك بنبيه,؟
فأيهما تتمنى لنفسك يا فقيه ،ميتة جاري السكير الملحد أم ميتة نبيك المختار؟
تركته و الذين معه تعصرهم سَورة من الغضب يدمدمون و يحوقلون ، و رحت للمشاركة الفعلية في مراسيم تأبين جاري

أبو قثم

الاثنين، 2 يوليو 2012

نوادر القوادين و القوّدات





نوادر القوادين
 و القوّدات ج2

دائما في إطار ردّنا على المؤمنين الذين يرمون الإلحاد و العلمانية بالفساد و الفجور نغوص في أعماق سراديب المجتمع المؤمن المثالي لنتلمّس الشّذوذ الإسلامي البحث و نكشف عن المستور الذي يندى له الجبين

كان حمدان بن بُشر قوّادا على أبي نؤاس في زمن وِِجارته ، فحدّث عنهما أبو حاتم السّجستاني قائلا :
مرّ أبو نؤاس في بعض سكك البصرة و معه حمدان بن بُشر ، و كان يقود عليه ، فرمقهم الناس فاستحيوا ،فقال حمدان لأبي نؤاس : ( تقدّم حتّى أتبعك) ، فقال أبو نؤاس : تقدّمني أنت * ، ثمّ أنشد :
أقول لحمدان بن بُشْر مجاوبا        و قد رشقتنا باللحاظ النواظر
و قَنَّعّ منْه الرأسَ ثُمَّتَ قال لي       تــقدّم قليلا إنّني متــأخّــــــر
تقدّم قليلا يعرف النّاس شأننا        بأنّــك قــــــوّاد و إنّي مؤاجَر
غلّست يوْماً إلى المسجد الجامع لصلاة الغداة ’ فإذا أنا بأبي نؤاس يكلّم امراة عند باب المسجد ، و كنت أعرفه في مجالس الحديث و الأدب ن فقلت
مثلك يقف هذا الموقف لحقّ أو لباطل ) ، فمضى ثمّ كتب إلي في ذلك) 
إنّ التــي أبصَرْتَني سـ        حرا أكلّمها ، رسول
أدّت إلــيّ رسالــــة كــ        ادت لها نفسي تزول
من فاتـــر العينيــن يُتعِــ     ـبُ خِصْــرَه ردْفً ثقيل
متنكّب قوس الصّبا يـ         رمي و ليس له رسيل
فلـو أنّ إذْنَــكَ بيْننا           حتى تسمَّـــع ما نقول
لرأيت ما استقبحت من        أمري هناك ،هو الجميل

و حدّث محمّد بن مظفّر ’ كاتب إسماعيل بن صبيح ، قال قال لي إسماعيل
قال لي الرّشيد يوما :
 يا إسماعيل ،أَبْغِني (أطلب لي) جارية ، وصيفة فطِنَة ، مقدودة تسقِني ، فإنّ الشرب يطيب من يد مثلها 
قال ؛ فقلت : يا سيّدي على الجهد ، إلاّ أنّي أحبّ أن تصفها لي
فقال لي : إجعل قول هذا العيّار إماماً لك ؛ يعني أبا نؤاس
فقلت : و ما هو ؟ قال : قوله
من كــفِّ ساقيةٍ ناهيك ساقيـةً   في حسن قدٍّ و في ظُــرْفٍ و في أدبِ
كــانت لـربّ قيّـان ذي مغالبـة    بالكشـخ محتـرِفٍ بالكشـخ مكتســــب
فقد رأت و ردّت عنهنّ واختلفت       ما بينهــنّ و من يهويـــن بالكتـب
و جُمِّشَتْ بخَفِيّ اللحظ فانجمَشَت       و جرّتِ الوعْدَ بين الصّدق و الكذبِ
تَمَّـتْ فلم يــر إنسان لهــا شبها       فيمن برا الله من عجْمٍ و منْ عــرَبِ
قال
فلا و الله ما قدرت على جارية فيها بعض ذلك
أمّا الكشخ فهو القِوادة و جمّشت تعني غوزلت و دوعبت ، أمّا فعل برا يبري الباري فمرادفه خلق يخلق خالق

حدّث الصّلت ، قال :
كنّا عند سفيان بنَ عُيَيْتة ‘ فذكروا قول مالك بن دينار : و أمّا إبليس و الله لقد عصي فما ضرّه ، و لقد أطيع فما نفع فقال له رجل : إن أذنت يا أبا محمّد أنشدتك لهذا العراقيّ ، يعني أبا نؤاس ، في هذا المعنى شيئا,,قال : هات ، فأنشده
عجِبْت من إبليس في كبْرِهِ          و خبْثِ ما أظْهَرَ من نِيّتِهْ
تـــاه على آدم في سجــدة           و صـار قوّدا لذرِّيَتِــــــه
فاستضحك سفيان و قال :
و أبيك ، لقد ذهب مذهبا ، و ما تنفكّ عن مُلْحَةٍ تأْتينا من هذا الشّاعر

قال أبو منصور الثعالبي
و من أحسن ما سمعت في قوّاد قول السرّيّ الموصليّ في رجل اسمه إدريس
من ذمّ إبليس في قيا        دته فإنّني شاكر لإدريس
كلّم لي عاصيا فصار        له أطوع من آدم لإبليس
و كان في سرعة المجيء به    آصف في حمل عرش بلقيس
و آصف هو كاتب النبي سليمان و هو الذي دعا الله بالاسم الأعظم فرآى سليمان العرش مستقرا عنده

أمّا المأمون فيؤثر عنه

بعثتـك مرتــاداً ففُـــــزْتَ بنظــرة       و أخلفْتَني حتّى أسأت بك الظّنّا
و ناجيْتَ منْ أهوى و كنت مقرّبا       ليت شعري عن دُنُوِّكَ ما أغنى
و ردّدت طرفا من محاسن و جهها       و متّعت باستسماع نغمتها أذنا
أرى أثــرا منهــا بعينيك لم يكن       لقد سرَقَتْ عيناك من وجْهها حسنا

و من هؤلاء الأرسال من يميل للمعشوقة و يميل إليه فيتآلفان و يتركان العاشق 

حدّث الرّياشيّ قال

كان أبو ذؤيب يبعث ابن عمّ له ، يقال له خالد بن زهير ، إلى امرأة كان يختلف إليها، يقال لها أمّ عمرو ، و هي التي كان يشبب بها ، فراودت الغلام على نفسه فأبى ذلك حينا و قال : أكره أن يبلغ أبا ذؤيب. ثمّ طاوعها ، فقالت :ما يراك إلا الكواكب !!
 فلمّا رجع إلى أبي ذؤيب قال :قال و الله إني لأجد ريح أم عمرو فيك !!فقال فيهما

تريدين كيما تجمعيني و خالدا        و هل يجمع السيفان ، ويحك ، في غِمْدِ
أخالد ما راعيت منّي قرابة       فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي
 فردّ عليه خالد

فإنّ التي فينا زعمتَ و مُلَها       لفيكَ ، و لكنّي أراك تجوزها
ألم تنتقِذْها من يد ابن عويمر       و أنت صفيّ نفسه و وزيرها
فلا تجْزعنْ من سنّة أنت سرتها       فأوّل راضي سنّة من يسيرها
شرح أشعار الهذليين للسّكّري ، ج 1 ، تحقيق عبد الستار أحمد فراج ، بيروت

أبو قثم