السبت، 14 يوليو 2012

الإسرائيليات و القرآن





هذا مبحث قديم جديد، تناوله عديد الباحثين الأجانب منذ القرن التاسع عشر(1) وحتّى يومنا هذا، وهو اقتباس القرآن من التراث اليهوديّ(2) وهذه "الشبهة" في الحقيقة موجودة منذ وُجد القرآن نفسه الذي وثّقها أكثر من مرّة: (حتّى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين) (الأنعام، 25) (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين) (الأنفال، 31) الخ.. فالآيات عديدة، وهؤلاء المجادلون ربّما يقصدون بقولهم "أساطير الأوّلين" معنى "خرافات الأوّلين" وربّما يقصدون كتابات وحكايات وقصص الأوّلين، (قصص ليست غريبة على أسماعهم إنّما هي مألوفة، وهي متداولة فيما بينهم، والقرآن بالنسبة لهم لا يختلف عمّا تقدّم..)(3) فمعنى كلمة "أساطير"(4) يحمل مدلولين حسب الآيات التي ترد فيها، إمّا مدلول الخرافة، أي خرافات الأوّلين، وإمّا مدلول الكتابة، أي كتابات الأوّلين ويكون الجذر سطر يسطر أي كتب يكتب، وهو ما نراه في قوله : (والقلم وما يسطرون) (القلم، 1) أو قوله: (وكتاب مسطور) (الطور، 2) بيد أنّ لفظة أساطير صارت لا تعني لاحقا إلاّ الخرافة والأسطورة بمعناها المتداول اليوم، فيقول الرازي مثلا: (قد والله تعجّبنا من قولكم إنّ القرآن معجز، وهو مملوء من التناقض، وهو أساطير الأوّلين)(5) بمعنى خرافات الأوّلين.

قد يقول قائل: لا إشكال في أن نجد في القرآن ما قالته الكتب المقدّسة السابقة، فالمصدر واحد والرسالة الإلهيّة واحدة، والقرآن مصدّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل فمن الطبيعيّ أن يروي قصصهما نفسها بل ويصحّح بعضها أيضا، فما وافق القرآن منها فهو حقّ وما لم يوافق فهو محرّف. وهذا كلام جانب الصواب وإليكم التفصيل.

الإسرائيليّات التوراتيّة: (6

نقل القرآن عديد القصص التوراتيّة كخلق السماوات والأرض في ستّة أيّام وخلق آدم وبعض التشريعات وغير ذلك، بيد أنّ هذه القصص سرقتها التوراة من الحضارات المجاورة ويقول سهيل قاشا: (وقد توصّل العديد من العلماء إلى أنّ ما تضمّنته أسفار العهد القديم من قصص وأساطير وشرائع إنّما يرجع أصله إلى المدوّنات السومريّة والبابليّة والأشوريّة، وإنّ اليهود اقتبسوا منهم ما ينفعهم، وحذفوا بلا هوادة كلّ ما لم يلق استحسانهم)(7) فتدوين التوراة كان بين أواخر القرن الثامن والخامس قبل الميلاد(8) فلا نتعجّب أن نجد فيها قصصا أشوريّة مثل قصّة النبيّ موسى الذي ألقته أمّه في اليمّ وحمله الماء إلى من رعاه ثمّ صار قائدا وهي في الأصل قصّة الملك سرجون الأكادي الذي حكم بين سنوات 2279 و2334 قبل الميلاد(9) ولا نتعجّب حين نقرأ قصصا أو شرائع بابليّة إثر عودتهم من السبي البابلي مثل اقتباسهم من شريعة حمورابي المكتوبة حوالي سنة 1750 قبل الميلاد والموجودة اليوم في متحف اللوفربباريس، إذ نقرأ مثلا في المادة 196: (إذا فقأ سيّد عين ابن أحد الأشراف، فعليهم أن يفقؤوا عينه) وفي المادة 200: (إذا قلع سيّد سنّ سيّد من طبقته، فعليهم أن يقلعوا سنّه) (10) وهو ما نجده في سفر التثنية 19، 21: (نفس بنفس، عين بعين، سنّ بسنّ) وحرفيّا بالعبريّة: נפש בנפש עין בעין שן בשן = نفش بنفش عين بعين شن بشن، وهذا بدوره انتقل إلى القرآن : (وكتبنا عليهم فيها [أي في التوراة] أنّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسنّ بالسنّ) (المائدة، 45) ثمّ يقول القرآن في الآية نفسها: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) فهل يا ترى هذا ممّا أنزل الله أم ممّا شرّع حمورابي؟ ولا نتعجّب حين لا نجد دليلا أركيولوجيّا واحدا عن وجود موسى ولا عن عجائبه وآياته ويقول "ليو تاكسيل": (ولكنّ مؤرّخا مصريّا واحدا لم يقل أيّ كلمة عن هذه الكارثة المفجعة [أي غرق فرعون وجنده] التي لا مثيل لها في تاريخ الأعمال الوحشيّة السابقة، كما لم يتحدّث أيّ منهم عن الكوارث العشر الشهيرة التي حلّت بالمملكة المصريّة. ويحاول بعض اللاهوتيّين أن يتذرّع بأنّ الشعور الوطني المصري هو الذي منع المؤرّخين المصريّين [وقتها] عن تأريخ الأحداث المذكورة، ونحن نقول: فليكن الأمر هكذا فعلا! ولكن ماذا عن المؤرّخين الذين ينتسبون إلى جنسيّات أخرى؟ ما الذي منع هؤلاء من تدوين تلك الأحداث المأساويّة لو أنّهم سمعوا بها؟ وكيف أمكنهم ألاّ يسمعوا بها؟ (…) حتّى هيرودوت الذي درس تاريخ مصر دراسة جيّدة وساق كثيرا من أخبار شعبها، لم يقل كلمة واحدة عن الأحداث إيّاها) (11) والأبحاث الأركيولوجيّة الحديثة(12) زادت الطين بلّة ولم تستطع إثبات هذه الأحداث التوراتيّة-الإنجيليّة-القرآنيّة، كما أنّ قصّة استعباد فرعون لبني إسرائيل تنتمي إلى الخيال القصصي لا الوقائع التاريخيّة فالعبوديّة لم تكن موجودة في مصر(13) ناهيك عن قصّة سليمان والتي أطلق فيها كتبة التوراة العنان لخيالهم لتمجيد أصلهم وفصلهم ومن بعدهم القرآن فصار لسليمان جنود من الجنّ والإنس بينما لا يوجد ولو ذكر واحد يتيم(14) لهذه الشخصيّة عند مؤرّخي الحضارات المجاورة وهذا من العجب العجاب.

والراجح عندنا أنّ هذه الشخصيّات مزاعم يهوديّة متأخّرة انبثقتْ إثر السبي البابلي (وربّما قبله) لصناعة أبطال قوميّين وخاصّة موسى الذي تحدّى المملكة المصريّة بفضل "يهوه" واستطاع إخراج بني إسرائيل ليقودهم نحو الأرض المقدّسة، وبالمناسبة فأرض كنعان هذه كانت تحت الحماية المصريّة أصلا، فلا يكفي أنّ موسى تغلّب على فرعون الذي تبعه مع جنده في البحر بكلّ غباء بل زاد أن استولى اليهود من بعده على الأراضي الكنعانيّة في فلسطين التي تحت سلطة الفراعنة، وجعلوا أنفسهم شعب الله المختار والمفضّل وهذا انتقل بدوره إلى القرآن الذي يقول: (يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنّي فضّلتكم على العالمين) (البقرة، 122) فالله يفضّل شعبا على شعب وهو خالقهم جميعا، أمّا لماذا، فتلك حكمته. ولا يخفى على كلّ ذي رشد وعقل أنّ هذا يصبّ في مصلحة كتبة التوراة، وكتبة العهد القديم بصفة عامة، لإذكاء الروح القوميّة فيهم ومقاومة المحتلّ تحت رعاية الخالق الذي اختارهم، فنقل عنهم القرآن أساطيرهم وخرافاتهم ومزاعمهم والأمثلة كثيرة لا يتّسع المقام لها هنا مثل خلق الأرض والسماء في ستّة أيّام والتي يعلّق عليها معروف الرصافي قائلا: (أمّا الحقيقة فهي أنّ خلق السماوات والأرض في ستّة أيّام خرافة مذكورة في التوراة، وبما أنّ التوراة عند محمّد كتاب مقدّس من كتب الله، أخذ ذلك منها وذكره في القرآن) (15)

الإسرائيليّات التلموديّة والمدراشيّة:

وإذ إنّ العهدين القديم والجديد مليئان بالأساطير فإنّ القرآن لم يصدّق فقط ما بين يديه منهما بل صدّق أيضا التلمود والمدراش وهما منجمان كبيران للأساطير والخرافات. ولفظة التلمود مشتقّة من جذر למד = لمد وتعني تعلّم وعرف ودرس، فتلمود تعني دراسة وهي قريبة من لفظة "تلميذ"، ويتكوّن التلمود من محورين رئيسين: المشناه والجمارا، أمّا المشناه فهي الشريعة النقليّة الشفويّة، ويزعم اليهود(16) أنّها منقولة عن موسى، وهي تتكوّن من ستّة مباحث ولفظة مشناه مشتقّة من جذر שנה = شنه، وتعني "ثنّى" بالعربيّة وراجع وأعاد وهذه اللفظة تذكّرنا بلفظة "المثاني" في القرآن فإن كانت ستّة في التلمود فهي سبعة في القرآن، (آتيناك سبعا من المثاني) وأمّا الجمارا فهي نقاشات حول المشناه، ويوجد التلمود البابلي والتلمود الأورشليمي(17) وقد انتهتْ كتابة التلمود في القرن السادس بعد الميلاد(18) أمّا المدراش فهو ما يوازي كتب التفسير في الإسلام، أي كتبه رجال دين يهود لتوضيح أو تأويل التوراة، ولفظة "مدراش" تعني الدراسة أيضا والبحث والتأويل وجذرها "درش" وتقابلها لفظة "درس" بالعربيّة، والمدراش تتوزّع كتابته بين القرن الثاني والقرن الثالث عشر بعد الميلاد، بيد أنّنا نستطيع معرفة تاريخ كتابة بعض النصوص قبل الإسلام أو بعده. وأغلب القصص القرآني عن الأنبياء مأخوذ من التلمود والمدراش، حيث راجعتها كلّها، إلاّ قصّتي عاد وثمود بوصفهما قصصا عربيّة غير مذكورتين في التراث اليهوديّ.

ربّما سيقول قائل إنّها قصص صحيحة ذكرها القرآن ولا شيء ينفي أن يذكرها من كان قبله، فهي ليست سرّا من الأسرار، وعليّ حينها أن أضرب مثالا لأقرّب الأمر إلى القارئ، ولنفتح تفسير الزمخشري ونختار مثلا تفسيره لسورة النمل، الآية 18 التي تتحدّث عن مرور النبيّ سليمان قرب وادي النمل والتي جاء فيها: (حتّى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) فيقول الزمخشري مفسّرا: (قيل كانت تمشي [أي النملة] وهي عرجاء تتكاوس، فنادت: يا أيّها النمل، الآية، فسمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. وقيل كان اسمها طاخية) (19) ولنفتح أيضا تفسير ابن كثير لهذه الآية، فنقرأ التالي: (عن قتادة، عن الحسن، أنّ اسم هذه النملة حرس، وأنّها من قبيلة يقال لهم بنو الشيصان، وأنّها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب) (20) وكما ترون فالنملة لها اسم وقبيلة وهي في حجم الذئب، وتتكلّم ثمّ يتبسّم سليمان من كلامها الفصيح، ثمّ لنفترض أنّ القرآن لم يقل إنّ محمّدا هو آخر الأنبياء، ولنفترض أنّ شخصا في عصرنا الحالي ادّعى النبوّة وقال أنّه مصدّق للتوراة والإنجيل والقرآن، ويبدأ في صياغة كلام مسجوع ويقول مثلا: (وإذ قالت طاخية لقومها من بني شيصان يا أيّها النمل ادخلوا…الخ) ألن نكذّبه ونقول له: هذا كلام أساطير ذكره بشر يخطئون ويصيبون؟ ألن نعطيه أيضا المصادر التي نقل عنها هذا الكلام، لنبيّن أنّه ليس بوحي، بل نقل عن بشر آخرين؟ ونذكّره بأنّ القرآن لم يذكر طاخية ولا شيصان.

وهذا تحديدا ما نجده في القصص القرآني المنقول من التلمود والمدراش الذي كتبه بشر أطلقوا العنان لخيالهم، فألّفوا الأساطير، ومنها بالطبع النملة التي تتكلّم، فلا لوم على الزمخشري وابن كثير في التفسير فالأسطورة تلد الأسطورة، والقرآن نفسه يشير إلى اقتباسه من الكتب السابقة، باعتبارها وحيا، فيقول: (وإنّه لتنزيل ربّ العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربيّ مبين، وإنّه لفي زبر الأوّلين) (الشعراء، 192، 196) فالقرآن ترجمة بلسان عربيّ لما هو موجود في زبر الأوّلين، وإحقاقا للحقّ فقد أبدع في الترجمة، في أغلب المواضع، وحاز قصب السبق في استعمال عنفوان وبلاغة اللغة العربيّة في المجال اللاهوتي. وقد كانوا يعلمون أنّ كلّ القرآن منقول من كتب الأوّلين إلاّ من بعض آياته حيث جاء في صحيح مسلم أنّ ملكا من السماء نزل إلى النبيّ وقال له: (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌّ قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة) (21) فكلّ كلام القرآن قد أوتي لنبيّ من قبل، أو بالأحرى لمن يعتقد أنّهم أنبياء، إلاّ سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، حسب ابن عبّاس راوي الحديث.

الإسرائيليّات العربيّة:

قد اقتبس القرآن عديد القصص والأحكام من التراث اليهوديّ بيد أنّه كان يتدخّل أحيانا في صياغة القصّة أو التشريع ليجعله موافقا للأرضيّة العربيّة كوصفه للجنّة مثلا، فأغلب العرب يعيشون في أرض صحراويّة قاحلة، فلا بدّ أن تكون الجنّة فيها أنهار من عسل وخمر ومليئة بالنساء الأبكار والولدان المخلّدين ويعلّق ابن الراوندي على هذا الأمر قائلا: (لمّا وصف الجنّة [أي محمّد] قال فيها أنهار من لبن لم يتغيّر طعمه وهو الحليب ولا يكاد يشتهيه إلاّ الجياع، وذكر العسل ولا يُطلب صرفا، والزنجبيل وليس من لذيذ الأشربة، والسندس يفرش ولا يلبس، وكذلك الاستبرق الغليظ، ومن تخايل أنّه في الجنّة يلبس هذا الغليظ ويشرب الحليب والزنجبيل صار كعروس الأكراد والنبط !) (22) وقد حافظ القرآن على تشريعات موجودة كقطع يد السارق مثلا وهي عادة جاهليّة حيث جاء في المنمّق أنّ قريشا في الجاهليّة كانت تقطع يد السارق (23) ناهيك عن عادة "الحجّ" وهي شرائع وثنيّة جاهليّة فيدفع الحاج اليوم الأموال الطائلة كي يطوف حول حجر ويقبّل حجرا ويرمي حجرا بحجارة ثمّ يعود وقد غفر الله له ذنوبه فمن المستفيد من هذه السياحة الدينيّة ؟ ولنا أن نتمثّل كلام وحيد السعفي: (الدين يشيّد صرحه العظيم على أنقاض الصرح القديم، فشابه الدين الدين وآمن الإنسان بتواصل الحياة في ظلّ الإصلاح والقضاء على التحريف، وظهر للعيان ما كان خافيا من دين حنيف حرّفه الزمان، ذاك شأن الدين، ذاك حيلة من حيل الدين) (24) قلنا إذن، إنّ القرآن كان يتدخّل في صياغة القصص أحيانا مثل قصّة السامري والعجل أو قصّة "الخضر" وموسى وغيرهما، فبعض القرآن تأليف "مدراشيّ" باللغة العربيّة فيه تأويل للقصص السابقة وعرضها بطريقة أخرى وهذا يدلّ على تمكّن النبيّ من التراث اليهوديّ ومن اللغة العبريّة كما نرى مثلا في قوله: (من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا وأسمع غير مسمع وراعنا ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنّهم قالوا سمعنا وأطعنا وأسمع وأنظرنا لكان خيرا لهم وأقوم…) (النساء، 46) فقول اليهود "سمعنا وعصينا" يعني "سمعنا وأطعنا" فلفظة "عصينا" العبريّة تعني بالعربيّة "أطعنا" وهي الجملة التي قالها اليهود لموسى حيث نقرأ في سفر التثنية 5، 27: ושמענו ועשינו = وشمعنو وعصينو وتعني بالعربيّة: سمعنا وأطعنا، فاليهود في هذا الآية في القرآن يتهكّمون حيث يذهب في خلد من كان حاضرا أنّهم يعصون النبيّ، فإن اعترض أحد الصحابة أو النبيّ قالوا: بل نقصد عصينا العبريّة أي الطاعة وإن لم يعترض أحد ظلّ السامع يعتقد بعصيان اليهود جهرا، وقولهم كذلك "راعنا" وهي مشتقّة من لفظة רע = رع والتي تعني "الشرّ" فقولهم "راعنا" أي أنت "شرّنا" بالعبريّة بينما بالعربيّة تعني "ساعدنا" و "اصبر علينا" لذلك يقول القرآن معلّقا "ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين" فالنبيّ كان يفهم العبريّة والمقاصد من غمز اليهود، وكيف لا وهو المطّلع على قصص التراث اليهوديّ والتي صاغها بلسان عربيّ بليغ ورائع فلم يجانب الصواب حين يتحدّى الناس بأن يأتوا بمثل هذا القرآن بالعربيّة، ومن حقّه أن يفخر ويتحدّى.

الإعجاز العلمي في الإسرائيليّات:

أُلّفتْ كتب عديدة تتحدّث عن الإسرائيليّات في الحديث والتفسير والسيرة (25) بوصفها أساطير لا يقبلها العقل، ولكنّها تتجاهل إسرائيليّات القرآن فهل أنّ نوحا الذي عاش 950 سنة ممّا يقبله العقل؟ أم الهدهد الذي كان يقوم بدور وزير الخارجيّة بين سليمان وبلقيس؟ أو ربّما التقام الحوت ليونس ثمّ خروجه حيّا هو ممّا يقبله العقل؟ وغير ذلك كثير من الخرافات كأهل الكهف وكالذي مات مائة عام ثمّ عاد إلى الحياة .. الخ، فكلّ هذا يدخل في باب الإيمان لا في باب العقل وكلّ شخص حرّ في إيمانه بما يريد بيد أنّه ليس حرّا في عقلنة الأسطورة وأسطرة العقل، فيخرج علينا دعاة الإعجاز العلميّ بفذلكات سرياليّة أحيانا يجرّون فيها اللغة العربيّة من شعرها ذليلة مهينة ويلوون عنقها وعنق المعنى، فمثلا نقرأ أنّ قول القرآن" والشمس تجري لمستقرّ لها" هو إعجاز علميّ ويتناسون (وربّما لا يعلمون) أنّ الأصل موجود في التلمود (26) فهل يا ترى يوجد إعجاز علميّ في التلمود؟ أو قولهم إنّ آية إنزال الحديد من السماء هي إعجاز علميّ فهل قول القرآن" وأنزلنا من الأنعام ثمانية أزواج" يعني أنّ الأكباش والأبقار نزلت من السماء أيضا؟ كما أنّ آية إنزال الحديد هي نقل لأسطورة شعبيّة حيث أنّ الحضارات القديمة وقبل العصر الحديديّ في بداية الألفيّة الأولى قبل الميلاد، كانوا يستعملون الحديد الذي في النيازك الساقطة على الأرض فاعتبروه معدنا قادما من السماء (27) وظلّت هذه الأسطورة في التراث الشعبي ودخلت إلى القرآن، كما أنّ الحديد، علميّا، لم ينزل من السماء، هذا إن كان يصحّ أصلا ذكر كلمة "نزول" و"سماء" أثناء الحديث عن تكوّن الأرض، فانظرْ يا رعاك الله كيف تصبح الأساطير أدلّة علميّة ويُحشد لمروّجيها المؤسّسات والأموال والرجال لنشر الجهل بين الناس وهم -أي الشعوب- أحوج إلى إنشاء مؤسّسات تعنى بالبحث العلميّ الحقيقيّ وتدعّمه لعلّها تضع أقدامها على سلّم الحضارة والتقدّم. وقد نتفهّم سعي هؤلاء إلى الشهرة والمال من ناحية وإلى محاولة التوفيق بين الفيزيقيا والميتافيزيقيا من ناحية أخرى، (ليست هذه المحاولة بقاصرة على القرآن، وإنّما لها جذورها التاريخيّة في علاقة الفكر المسيحيّ بالحقائق العلميّة الجديدة منذ بدأ العلم يتناول قضايا احتكرها اللاهوت حقبا طويلة) (28) فكان لابدّ أن نجد أدلّة علميّة في النصوص المقدّسة نقوّي بها الإيمان حتّى وإن وصل بنا الأمر إلى "التدليس التقيّ" على حدّ تعبير فولتير.

الخاتمة:

لمْ نَشأْ في هذا المبحث المقتضب أن نتوسّع كثيرا في ذكر القصص الإسرائيليّة ومقارنتها بالقصص القرآني حيث قد طُرح هذا الأمر من قبل وغيره كاقتباس القرآن من التراث الفارسي والمسيحي، بيد أنّنا نودّ الإشارة إلى أنّ القرآن ينتمي إلى السياق الشرق-أوسطي اللاهوتي وهو متجذّر فيه من ناحية وفي مجتمعه العربيّ من ناحية أخرى ولا يمكننا فصل القرآن عن الإسرائيليّات لأنّه امتداد عربيّ لها، وإن كان القرآن بوصفه كتاب دين ظلّ وفيّا لكتابات الأوّلين فإنّنا وفي عصرنا الحديث نعتبرها مجرّد أساطير وخرافات نقلها القرآن عن حسن نيّة ودافع عنها وحارب من أجلها.

الهوامش:

1-Abraham Geiger, Was hat Mohammed aus dem Judentume aufgenommen? Bonn, 1833 (الطبعة الإنجليزيّة: Judaism and Islam, tr. Young, 1896); W. St. Clair- Tisdall, The Original Sources of the Qur'an, [المصادر الأصليّة للقرآن] Society for Promoting Christian Knowledge, London, 1905; etc..وآخرها:

Hai Bar-Zeev, une lecture juive du coran [قراءة يهوديّة للقرآن ], Berg International Editeurs, 2005

2- جمع لويس جنزبيرغ Louis Ginzberg كلّ الروايات من المدراش والتلمود والتراث اليهوديّ ونشرها بين السنوات 1909-1938 في كتابه الموسوعيّ: Legends of the Jews (أساطير اليهود) وهو مترجم إلى الفرنسيّة ( Les légendes des Juifs) في ستّة أجزاء بترجمة Gabrielle Sed-Rajana في دار نشر cerf بباريس، نُشرتْ بين سنوات 1997-2006.

3- إبراهيم محمود، الفتنة المقدّسة، عقليّة التخاصم في الدولة العربيّة الإسلاميّة، دار رياض الريس، بيروت، 1999، ص160

4- لفظة أسطورة تقابلها باليونانيّة Istoria= Ιστορία وباللاتينيّة storia ومنها انبثقتْ history الإنجليزيّة وhistoire الفرنسيّة.

5- عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، سينا للنشر، ط2، مصر، 1993، ص250

6- التوراة هي كتب موسى الخمسة فقط ولكنّنا نستعملها هنا اصطلاحا على كامل نصوص العهد القديم.

7- الأب سهيل قاشا، أثر الكتابات البابليّة في المدوّنات التوراتيّة، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت، 1998، ص8

8-Israel Finkelstein et Neil Asher Silberman, La Bible dévoilée, Gallimard, Paris, 2004, p368-374

والكتاب الأصلي بالإنجليزيّة بعنوان: The Bible unearthed

9- هو نصّ مكتوب في القرن السابع قبل الميلاد ومنسوب إلى سرجون الأكادي الذي عاش قبل ذلك التاريخ بستّة عشر قرنا لكن اللافت للانتباه أنّه يوازي بداية تدوين التوراة من ناحية وأنّ اليهود كانوا فعلا في السبي البابلي من ناحية أخرى وسمعوا بالقصّة فأسقطوها على شخص موسى، لقراءة النصّ انظرْ:

Georges Roux, La Mésopotamie : essaie d’histoire politique, économique et culturelle, l’univers historique, éd. Seuil, Paris, 1985, p138-139

10- سهيل قاشا، أثر الكتابات البابليّة، مرجع سابق، ص28

11- ليو تاكسيل، التوراة كتاب مقدّس أم جمع من الأساطير، ترجمة حسان ميخائيل إسحاق، ط1، 1994، ص176 والكتاب الأصلي بالفرنسيّة: La Bible Amusante, éd Librairie pour tous, 1897

12- Israel Finkelstein et Neil Asher Silberman, La Bible dévoilée, op.cit, p84-118

13-Droit et Cultures, Revue d’anthropologie et d’histoire, Centre droit et cultures , Université paris X, Bernadette Menu, La question de l’esclavage dans l’Egypte pharaonique, éd. L’Harmattan, n39-2000/1, p59-79

وذهب نديم السيّار إلى أنّ موسى وُجد أثناء احتلال الهكسوس لمصر وأنّه بُعث إلى هؤلاء الرعاة لا إلى الفراعنة المصريّين انظرْ كتابه: قدماء المصريّين أوّل الموحّدين، طبعة الأهرام، سنة 1995 بالقاهرة.

14-Israel Finkelstein et Neil Asher Silberman, Les rois sacrés de la Bible : A la recherche de David et Salomon, Gallimard, 2007

15- معروف الرصافي، الشخصيّة المحمّديّة أو حلّ اللغز المقدّس، دار الجمل، ألمانيا، 2002، ص 654

16- يرفض مذهب "القرّائين" الشريعة الشفويّة أي التلمود ويؤمنون فقط بكتب العهد القديم، وهم مثل مذهب "القرآنيّين" في الإسلام.

17- لمزيد المعلومات عن التلمود وأقسامه راجع: أحمد إيبش، التلمود كتاب اليهود المقدّس، تاريخه وتعاليمه ومقتطفات من نصوصه، دار قتيبة، دمشق، 2006

18- المرجع السابق، ص27

19- الزمخشري، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل….، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمّد معوّض، مكتبة العبيكان، الرياض، 1988، ج4، ص440

20- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق نخبة من الأساتذة، مؤسّسة قرطبة للطبع والنشر والتوزيع، مصر، 2000، ج10، ص397

21- الحميدي، الجمع بين الصحيحين، تحقيق: علي حسين البواب، دار ابن حزم، لبنان، 2002، ج2، ص97

22- ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، دار صادر، بيروت، 1939، ج6، ص103 نقله ابن الجوزي من كتاب "الدامغ" لابن الراوندي وهو كتاب لم يصلنا.

23- البغدادي، كتاب المنمّق، تحقيق: خورشيد أحمد فاروق، دائرة المعارف، 1964، ص530

24- وحيد السعفي، القربان في الجاهليّة والإسلام، منشورات تبر الزمان، تونس، 2007، ص194

25- انظرْ مثلا محمّد حسين الذهبي، الإسرائيليّات في التفسير والحديث، مكتبة وهبة، ط4، 1990 / وانظرْ: رمزي نعناعة، الإسرائيليّات واثرها في كتب التفسير، دار القلم ودار الضياء، 1970 الخ..

26- التلمود البابلي، سنهدرين 91 ب، ويذكر فيها أنّ الشمس تذهب لتسجد لخالقها وهو نراه في البخاري ومسلم نقلا عن أبي ذرّ متحدّثا عن هذه الآية: "كنت مع رسول الله في المسجد عند غروب الشمس فقال يا أبا ذر أتدري أين تذهب الشمس فقلت الله ورسوله أعلم فقال تذهب تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله عز وجل ( والشمس تجري لمستقرٍّ لها ذلك تقدير العزيز العليم ) سورة يس في رواية ثم قرأ ( ذلك مستقرٌّ لها ) في قراءة عبد الله وفي رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تدرون متى ذاكم ذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً وفي رواية وكيع مختصرة" الحميدي، الجمع بين الصحيحين، مصدر سابق، ج1، ص152

27- The Journal of the Royal Anthropological Institute of Great Britain and Ireland, Vol. 71, No. 1/2 , 1941, T. A. Rickard, The Use of Meteoric Iron, p55-66

28- عاطف أحمد، نقد الفهم العصري للقرآن، دار العالم الجديد، ط3، القاهرة، 1985، ص46 وانظرْ أيضا في نقد الإعجاز العلمي: خالد منتصر
Publié par غبار كوني à l'adresse 14:27 
Envoyer par e-mail
BlogThis!
Partager sur Twitter
Partager sur Facebook
  

محمد النجار

الجمعة، 6 يوليو 2012

الملحد جاري




ما كنت لأظنّ أنّ هناك شيئا معلوما في الدّين لا يتّفق في شأنه بلهاء الإيمان مع مشايخهم و علمائهم و مراجعهم.
و ما كنت لأظنّ أنّ من يصدّق بأن النّمل ينطق و أن الحمير تبصر الشياطين و الديك تبصر الملائكة، سوف يرفض من إمامه و مرجعه ، فكرة موت نبيّه مسموما أو مقتولا!!!
لماذا يا ترى يرفض المؤمنون هذه الفكرة، و لا يقبلونها!!!؟ و لماذا تشكّل عندهم ضيقا نفسيا و أزمة عصبية ، يحاولون التخلّص من مناقشتها و تداولها حتى مع أئمّتهم و مشايخهم المبجّلين؟
و الحقّ ، الحقّ، أن قوّله : و الله يعصمك من النّاس ، إذا ما شفعته بفكرة تسميم رسوله الأعظم من طرف يهودية، كما يقول قِسم من أهل السنة و الجماعة ،أو بواسطة اللد على يد عائشة و حفصة ، كما يصرّح قسم من الشيعة ، فإنّ الخليط المحصّل عليه يكون ممزوجا، مرفوضا، لا دسم فيه، و لا طعم له . إلا أن الأعجب هو أنّ هذا التّناقض ، على مرارته ، يشكّل بالنسبة لمشايخ الأمّة و علمائها مادّة دسمة، يقبلون عليها بكل فهاهة ،إقبال المتلهف على الماء.
ـ و الله يعصمك من النّاس ـ لا تستقيم و سحرَ النبي ، فكيف بها تستقيم عند أهل السنة مع فكرة تسميمه من طرف يهودية؟ و كيف بها تستقيم عند أئمة الشيعة مع التآمر على شخصه من طرف زوجتيه و تسميمهما له ؟
هذا ما استخلصته من الجلبة التي أحدثتُها في حشد من المشيّعين ، الذين جاءوا
ليشفوا صدورهم بموت جاري الغنيّ الملحد السّكّير، الذي لم تطأ قدماه يوما مسجدا و لا عرف الصوم له مسلكا
أعرف جاري السّبعينيّ العمر ، لأكثر من أربعين سنة خلين...عرفته شابّا وسيما، عريض المنكبين صبوح الوجه  عالي الهامة ، تتفنّن مراهقات المدينة في تتبع حركاته، و يتنافسن على مرافقته. ثم عرفته أبا، فرجلَ أعمال ناجحا قلّ أن لا تمرّ صفقة من الصّفقات اللاتي غيرت معالم مدينتي من بين يديه...و عرفته ذاك المتقاعد الذي يلزم يوميا رأس الدّرب متكئا في مقعده الوثير من سيارته الرباعية الدّفع ..تلك السيارة التي كانت لإلى الأمس القريب، رهن إشارة النفساء و المريض و المعلول ، و الطفل الذي فاته وقت المدرسة ، و الأب المحزون ، و كلّ من ضاقت به الأرض بما رحُبت...
لم يمرض جاري... لم يعتره الزهايمر، ولا أصابته حمىً و لا ذات جنب ... من أسبوع  مضى سقاني الصّهباء في سيارته على أنغام (الروكن رول) التي كانت تزيد المكان رونقا و بهاء... تجاذبنا الحديث كعادتنا لساعات طوال. تحدّثنا في كلّ الأشياء،و عن كل الأشياء... لم نترك أنبياء و لا أولياء و لا حديث و لا قرآن... تحدّثنا عن ماركس.. عن أفلاطون ...عن فرويد و نيوتن و عن هيجل.. تحدّثنا عن أبي قثم . على فكرة ـ جاري هذا كان يحبّ كثيرا قراءة تعاليق صديقي الراوندي. و كان كلّما وجدته يسألني أن أفسّر له بعضا من كلامه
فيقهقه كلّ مرّة لكونه لم يستطع استيعاب تواجد ملحدين من طينة الراوندي بأرض الله ،فيقول لي : حقّا ، إن الأعراب لأشدّ كفرا، ياهذاـ ... و كان أكرهَ ما يكرهه جاري، مقابرَ المسلمين. فكلّما سمع بموت صديق أو حبيب إلا و يأسَفَ له قائلا :مسكينٌ فلان ، سيرمونه في المزبلة. ثم تعلوه حسرة شديدة و يضيف : لقد نسوا ضرائبه و جباياته و صدقاته ، إنّه الآن كومة عظام لا تصلح لديهم لشيء...  كان دائما يقول لي : يا أبا قثم!  إن المسلم حشرة و هو حي، ونجاسة و هو ميت. فإذا مات تخلصوا منه بسرعة و توضؤوا اغتسالا منه...لا كرامة للمسلم ، يا أبا قثم حيّا،  و لا حرمة له ميّتا. أنظر إلى مقابرنا و قارنها بمقابر الكفار الذين غضب الله عنهم و أحبط أعمالهم.. أ ليست مقابرهم أشبه بالجنان التي يعِد بها الرحمان بلهاء الإيمان؟!!. كان جاري لا يمرّ بسيّارته قرب مقابر المسلمين ، ليس حذر الموت ، و لكن اتقاء النّكد و القرف الذي تبعثه في نفوس النّاظرين.
في ذاك اليوم المشؤوم الذي سيغادرنا فيه جاري، خرجت كدأبي كلّ يوم لأستقلّ سيّارة أجرة تقلّني إلى عملي ... لاحظت حركة غريبة ، لم أفهمها ... وتواجدا غير عادي لم أستوعبه ... إذ بي ألمح من بعيد ابن جاري البكر يلوّحّ بيده إليّ مناديا . فخففت نحوه. حيّيته؛ فحيّاني بحرارة، و قال هامسا جهة أذني، و كأنه يهمّ تقبيل كتفي : إن الوالد يريد أن يراك... دلفت المنزل الفخم خلفه .. فلاحظته أصْمَتَ ممّا عهدته، بينما كان التواجد فيه كثيفا!!. في كلّ حجرة مررت بها كنت أسمع همسا ... و البهوعلى طوله ، و أنا أجتازه ؛ لا حظت أني قابلت فيه أشخاصا كثرا لم يسبق لي أن عرفتهم. و بعد أن صعدنا الدّرج و توسّطنا الدار و واجهتنا حجرة نوم أبيه، بادرني الابن  قائلا: الله يهدي الوالد، يرفض أن نشغّل القرآن . فهلاّ أ قنعته ، يا أستاذ !! ثم دفع الباب ، لأجد نفسي داخل الحجرة، و أنا لم أستوعب بعد شيئأ...فإذا بي أمام جاري المتهالك فوق فراشه الذي لزمه ليومين بعد وعكة قلبية شديدة ، ألمّت به ،لم يعلم بها أحد من الجيران .. لقد أعلَمَه الأطباءُ بفقدان الأمل، فعاد من توّه ليلة الأمس... وجدته يضحك مع أحفاده الذين جلسوا على سريره الأبيض الوثير بينما تقتعد إحدى بناته أريكة جانبه .. لمّا رآني شاخصا أمامه قهقه قهقهة اهتز لها كيان الحجرة الخامل قائلا بصوته الجهوري : يا هلا يا هلا بأبي قثم
تسمّرت في مكاني ، كانت ضحكاته أثقالا تهوي على متني، فتثنيني لأنكسر أمام هول المشهد.. لم أنبس ببنت شفة ... نسيت نفسي... ضاعت مني الحواسّ إلا البصر الشارد منّي. فإذا بصدى ضحكه يعيدني إلى الرّشد ، لأجده يقول لي بمرحه المعهود : ها أنت ذا ترى ، يا جاري ، سوف يرمونني في المزبلة بعد قليل  ... ثمّ قهقه قهقهة خفيفة و صمت قليلا .. ثم مدّ يده جهتي و هو يقول : لقد وصل دوري ...فوداعا يا جاري ، المسامحة يا جاري ،.. أوصيك .. أوصيك بأبنائك خيرا.. و بقي مادّا يده التي لايتحرّك منها إلا الخنصر و البنصر إليّ كي يعانقني..ما صدّقت ما أسمع و ما عدت أحس بالأرض التي تقلـّني.. وحدها يده الممدودة نحوي هي  التي كانت تشدّني إلى الواقع... هويت عليه و الدّمع مني يتهاطل في صمت..ضمّني إليه ضمّة لن تفارقني حرارتها ما حييت ، ثمّ خضّني، و همس في أذني : إضحك يا راجل إضحك يا راجل..
خرجت خارّ القوى، مهزوم الفرائص، منهوك الأعصاب ، فاقدا مفهومي الزّمان و المكان .. سرت لخطوات أبحث عن الأنا الذي مني ضاع.. ألملم مفاصلي المبعثرة أتلمّس المكان الذي يحتويني



ملّيت النظر .. ملّيته أكثر ، لأجد الشارع قد امتلأ أكثر فأكثر... السيارات من كل الأنواع و الأحجام ، أمّا الناس فمنهم من أعرفه و منهم من لم أره قطّ . إنهم من كل الطوائف ومن كل الطبقات ..الفقراء ، الأغنياء ،التجار ، الصناع ... المسلمون و غير المسلمين ، أصحاب اللحي و الحليقون .. كلّ طوائف المجتمع أصبحت مجتمعة في الدرب
قصدت دكّان البقالة ، مطأطأ الرأس ، طلبا للسجائر.. سحبت علبتي و فتحتها... أوقدت أول لفافاتي التي كدت أكملها في نفسين ... خلفي، كان يتحلّق جماعة من المتديّنين حول ملتح وهابي خبيث. بينما كان فمُه يشتغل مع مريديه المنتبهين إليه، المتحلقين حوله؛كانت عيناه تصولان من فوق رؤوسهم في الشارع و تجولانه طولا و عرضا، متراقصتين، لا تغفلان عن صغيرة و لا تفلتان كبيرة . و لسرعة حركتهما و حركة شفتيه، تخاله مذيعا يغطي أطوار مقابلة في كرة القدم،  و المتحلقون حوله عميٌ ،لا يبصرون إلا من خلاله..و أنا أجرع نفسي من السيجارة، إذ يسترق سمعي جملة من حديثه أفقدتني ما بقي لدي من توازن. فلم أتمالك نفسي ... لقد سمعته يقول : اليوم لن ينفعه ماله و لا بنوه... فلم أدر متى قطعت حديثه و صحت في وجهه: و ما ذا نفعت النبوة رسولك؟؟ ألم يمت نبيّك حبيب الله و صفيّه؟؟ فلماذا تستكثر الموت في حقّ جاري !!؟ لا .. ألم يمت نبيك مسموما ؟!!! فماذا نفعته نبوّته ؟؟؟ ثمّ لماذا لم يرفع ربك نبيك كما رفع موسى و عيسى ؟
لم يجد الملتحي الخبيث غير ابتسامة استعراضية ماكرة هشّ بها في وجهي و قال مسترسلا  وكأنه يستعرض شريطا مسجّلا : هداك الله يا أخي.. استغفر لذنبك يا فلان .. ما هذا الذي تقول ،يا أستاذ .. أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم ..! كيف لمن اختاره الله و اصطفاه و فضله على العالمين أن يموت مقتولا بالسم؟؟ كيف ؟؟.. يا راجل ... و حتى إذا ما حدث فإنه يعتبر شهيدا ، يا هذا!!و ما منكم إلا قتيل و شهيد ...! لقد مات سيّد البشر شهيدا و ليس مسموما!! كاد الرّجل يُفَجّرني بغبائه ، و كدت أُسمعه ما لا قِبَلَ له به ؛ فإذا الصياح يعلو من دار جاري، وإذا بكاسيت القرآن يُشَغّل ..
 لقد فارقنا جاري لغير رجعة..نظرت إلى محدّثي ، فوجدته أبهج ممّا كان عليه ، و ابتسامتَه أعرضَ ممّا كانت عليه . فما أن التقى نظري ببصره حتى بشّ في وجهي قائلا و البهجة تعلوه: إنّا لله و إنّا إليه راجعون. بالصير و السلوان..تقبله الله...فكأني به كمّن كان يحمل على ظهره ثقلا فتخلّص منه بعد مكروه.!! فبادرته مصمّما العزم على أن أنتزع من وجهه تلك الابتسامة الماكرة،   و أسوّد يومه،و أغيظه غيظ الكفار
فقلت له
ما أجمل ميتة جاري . لقد مات سعيدا ضاحكا مستبشرا ، ودّع القريب و البعيد،  الغريم و الصّديق، مات وسط أبنائه و بين أحفاده ،يحكي لهم النكت و النوادر حتى فارق الحياة. أمّا محمد سيد المرسلين فقد مات ميتة جاهلية، معذبة. سواء بسم اليهودية أو بسمّ المؤامرة أو مات من الحمّى أو ذات الجنب . ففي أمر موته لا تتفقون كلكم إلا على شيء واحد وحيد هو  أنه مات ميتة قاسية شديدة لا يتمنى المرء مثلها و لو لعدوّه فما بالك بنبيه,؟
فأيهما تتمنى لنفسك يا فقيه ،ميتة جاري السكير الملحد أم ميتة نبيك المختار؟
تركته و الذين معه تعصرهم سَورة من الغضب يدمدمون و يحوقلون ، و رحت للمشاركة الفعلية في مراسيم تأبين جاري

أبو قثم

الاثنين، 2 يوليو 2012

نوادر القوادين و القوّدات





نوادر القوادين
 و القوّدات ج2

دائما في إطار ردّنا على المؤمنين الذين يرمون الإلحاد و العلمانية بالفساد و الفجور نغوص في أعماق سراديب المجتمع المؤمن المثالي لنتلمّس الشّذوذ الإسلامي البحث و نكشف عن المستور الذي يندى له الجبين

كان حمدان بن بُشر قوّادا على أبي نؤاس في زمن وِِجارته ، فحدّث عنهما أبو حاتم السّجستاني قائلا :
مرّ أبو نؤاس في بعض سكك البصرة و معه حمدان بن بُشر ، و كان يقود عليه ، فرمقهم الناس فاستحيوا ،فقال حمدان لأبي نؤاس : ( تقدّم حتّى أتبعك) ، فقال أبو نؤاس : تقدّمني أنت * ، ثمّ أنشد :
أقول لحمدان بن بُشْر مجاوبا        و قد رشقتنا باللحاظ النواظر
و قَنَّعّ منْه الرأسَ ثُمَّتَ قال لي       تــقدّم قليلا إنّني متــأخّــــــر
تقدّم قليلا يعرف النّاس شأننا        بأنّــك قــــــوّاد و إنّي مؤاجَر
غلّست يوْماً إلى المسجد الجامع لصلاة الغداة ’ فإذا أنا بأبي نؤاس يكلّم امراة عند باب المسجد ، و كنت أعرفه في مجالس الحديث و الأدب ن فقلت
مثلك يقف هذا الموقف لحقّ أو لباطل ) ، فمضى ثمّ كتب إلي في ذلك) 
إنّ التــي أبصَرْتَني سـ        حرا أكلّمها ، رسول
أدّت إلــيّ رسالــــة كــ        ادت لها نفسي تزول
من فاتـــر العينيــن يُتعِــ     ـبُ خِصْــرَه ردْفً ثقيل
متنكّب قوس الصّبا يـ         رمي و ليس له رسيل
فلـو أنّ إذْنَــكَ بيْننا           حتى تسمَّـــع ما نقول
لرأيت ما استقبحت من        أمري هناك ،هو الجميل

و حدّث محمّد بن مظفّر ’ كاتب إسماعيل بن صبيح ، قال قال لي إسماعيل
قال لي الرّشيد يوما :
 يا إسماعيل ،أَبْغِني (أطلب لي) جارية ، وصيفة فطِنَة ، مقدودة تسقِني ، فإنّ الشرب يطيب من يد مثلها 
قال ؛ فقلت : يا سيّدي على الجهد ، إلاّ أنّي أحبّ أن تصفها لي
فقال لي : إجعل قول هذا العيّار إماماً لك ؛ يعني أبا نؤاس
فقلت : و ما هو ؟ قال : قوله
من كــفِّ ساقيةٍ ناهيك ساقيـةً   في حسن قدٍّ و في ظُــرْفٍ و في أدبِ
كــانت لـربّ قيّـان ذي مغالبـة    بالكشـخ محتـرِفٍ بالكشـخ مكتســــب
فقد رأت و ردّت عنهنّ واختلفت       ما بينهــنّ و من يهويـــن بالكتـب
و جُمِّشَتْ بخَفِيّ اللحظ فانجمَشَت       و جرّتِ الوعْدَ بين الصّدق و الكذبِ
تَمَّـتْ فلم يــر إنسان لهــا شبها       فيمن برا الله من عجْمٍ و منْ عــرَبِ
قال
فلا و الله ما قدرت على جارية فيها بعض ذلك
أمّا الكشخ فهو القِوادة و جمّشت تعني غوزلت و دوعبت ، أمّا فعل برا يبري الباري فمرادفه خلق يخلق خالق

حدّث الصّلت ، قال :
كنّا عند سفيان بنَ عُيَيْتة ‘ فذكروا قول مالك بن دينار : و أمّا إبليس و الله لقد عصي فما ضرّه ، و لقد أطيع فما نفع فقال له رجل : إن أذنت يا أبا محمّد أنشدتك لهذا العراقيّ ، يعني أبا نؤاس ، في هذا المعنى شيئا,,قال : هات ، فأنشده
عجِبْت من إبليس في كبْرِهِ          و خبْثِ ما أظْهَرَ من نِيّتِهْ
تـــاه على آدم في سجــدة           و صـار قوّدا لذرِّيَتِــــــه
فاستضحك سفيان و قال :
و أبيك ، لقد ذهب مذهبا ، و ما تنفكّ عن مُلْحَةٍ تأْتينا من هذا الشّاعر

قال أبو منصور الثعالبي
و من أحسن ما سمعت في قوّاد قول السرّيّ الموصليّ في رجل اسمه إدريس
من ذمّ إبليس في قيا        دته فإنّني شاكر لإدريس
كلّم لي عاصيا فصار        له أطوع من آدم لإبليس
و كان في سرعة المجيء به    آصف في حمل عرش بلقيس
و آصف هو كاتب النبي سليمان و هو الذي دعا الله بالاسم الأعظم فرآى سليمان العرش مستقرا عنده

أمّا المأمون فيؤثر عنه

بعثتـك مرتــاداً ففُـــــزْتَ بنظــرة       و أخلفْتَني حتّى أسأت بك الظّنّا
و ناجيْتَ منْ أهوى و كنت مقرّبا       ليت شعري عن دُنُوِّكَ ما أغنى
و ردّدت طرفا من محاسن و جهها       و متّعت باستسماع نغمتها أذنا
أرى أثــرا منهــا بعينيك لم يكن       لقد سرَقَتْ عيناك من وجْهها حسنا

و من هؤلاء الأرسال من يميل للمعشوقة و يميل إليه فيتآلفان و يتركان العاشق 

حدّث الرّياشيّ قال

كان أبو ذؤيب يبعث ابن عمّ له ، يقال له خالد بن زهير ، إلى امرأة كان يختلف إليها، يقال لها أمّ عمرو ، و هي التي كان يشبب بها ، فراودت الغلام على نفسه فأبى ذلك حينا و قال : أكره أن يبلغ أبا ذؤيب. ثمّ طاوعها ، فقالت :ما يراك إلا الكواكب !!
 فلمّا رجع إلى أبي ذؤيب قال :قال و الله إني لأجد ريح أم عمرو فيك !!فقال فيهما

تريدين كيما تجمعيني و خالدا        و هل يجمع السيفان ، ويحك ، في غِمْدِ
أخالد ما راعيت منّي قرابة       فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي
 فردّ عليه خالد

فإنّ التي فينا زعمتَ و مُلَها       لفيكَ ، و لكنّي أراك تجوزها
ألم تنتقِذْها من يد ابن عويمر       و أنت صفيّ نفسه و وزيرها
فلا تجْزعنْ من سنّة أنت سرتها       فأوّل راضي سنّة من يسيرها
شرح أشعار الهذليين للسّكّري ، ج 1 ، تحقيق عبد الستار أحمد فراج ، بيروت

أبو قثم

السطو على الله


مما لا مراء فيه و لا شك أن محمدا كان شغوفا بالشيطان أيما شغف، و مما لا جدال فيه و لا نقاش أن محمدا كانت تستهويه شخصية إبليس المشاكسة على الأخص من دون سائر الشياطين أيما استهواء، إبليس الذي من جرأته استطاع تحدي رب موسى و امتنع بإبائه و أنفته عن السجود لدميته آدم، إبليس الذي استغفل الله و دخل جنته من حيث لا يدري رغم أنه قد وسع كل شيء علما، ثم أغوى آدم و زوجه و أخرجهما مما كانا فيه رغم مشيئة الله الذي من شدة حرصه عليهما علمهما الأسماء كلها. إبليس هذا كان أمنية محمد الكبرى و قرة عينه اليمنى.أما إبليس اللعين فمنذ أن فتن دمية الله آدم و أخرجه من الجنة و هو متربص بنور النبي، يراقبه في كل لحظة و حين و يتبعه من هذه النطفة إلى تلك و من هذه العلقة إلى تلك و من هذه السلالة البشرية إلى تلك السلالة و من هذا الرجل إلى ذاك إلى أن لاحظه الراهب اليمني في خياشيم عبد المطلب و أنبأه به فكان فرح إبليس عظيما لأنه أدرك أن الساعة قد أزفت و أن لحظة نهاية الانتظار قد أدنت.و ما إن سطع نور النبي من فرج آمنة و أضاء إيوان كسرى و العراق حتى انقض إبليس على محمد و مسه المسة الأولى. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ،‏ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ،‏ إِلاَّ مَرْيَم وَابْنَهَا.البخاري باب تفسير ال عمران حديث رقم 4548. و ما لبث لعنه الله أن تسرب إلى داخل محمد الصبي حيث عشش و سكن فصار منه بمثابة الجوهر و الأنا الباطني الذي لا يفارقه و لا يسهو عنه، حاضر في ذهنه ماثل في أهوائه ظاهر في فعاله جلي في أقواله.فبدأ يشب معه و يترعرع.رضع معه من ثدي حليمة السعدية و رعى معه الماعز و الجمال و رغم أن جبريل قد شق صدره و أخرج فؤاده ثلاث مرات و غسله في طست إلهي من ذهب إلا أن الشيطان بقي مستبدا بداخل محمد عالقا بأحشائه مستحوذا عليه.و إن دل هذا على شيء فإنما يدل على قصر حيل الله أمام إبليس اللعين و انهزامه المستمر أمامه.و حتى محمد لما بلغ (ص) أشده، فقد مرت عليه نوبات تمنى فيها الخلاص من إبليس و من خبطه و نزغه و همزه له في كل وقت و حين، و ادعائه الوصاية عليه.لذا نجده و قد ربطه مرة إلى سارية المسجد و خنقه مرة أخرى إلى أن بقي برد لسانه على كفه الطاهرة و نجده يحث أصحابه و بلهاءه على لعن إبليس و سبه و التعوذ منه، و إذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم يعني كلما قرأت قول محمد فقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، و مثله إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم يعني كلما أنهيتم الصلاة إلى الشيطان فتوضئوا من نجاسة فِعلكم قبل أن تخالطوا الناس،لأن الناس أطهر من أن تخالطوهم بنجاسة صلاتكم الشيطانية.فمحمد رغم فرحه باقترانه بإبليس إلا أنه قد حاول أن يفرض عليه نفسه و رأيه.فليس محمد بالدمية التي سيستغفلها إبليس و يسيرها حسب هواه. لكنه بالمقابل قد يقبل بأن يكون ذلك الداهية الذي قد يحقق لإبليس و لغيره ما يصبو إليه، و لكن شريطة أن تلتقي المصالح.فكلنا يعلم مدى ما أصاب إبليس من المهانة و الغبن إثر أمر الله له بالسجود لآدم و استعباده من دون الله.و كلنا يدرك المرارة التي أحسها إبليس و هو يطرد دليلا حقيرا من الجنة بعدما كان فيها حرا طليقا عزيز النفس موفور الكرامة.فإبليس لم يستسغ لحد الآن الحكمة من أمر الله له بالتخلي عن كرامته و عزته و هو الذي في نفس الوقت يأمر الناس بألا يشركوا به أحدا و ألا يُعبد في السماوات و الأرض غيره و ألا يٌسجد إلا له.فكيف به يرضى لإبليس بهذا الموقف المهين لهذه الدرجة؟؟فأسرّها إبليس في نفسه و لم يقسم على إغواء الناس أجمعين و القعود لهم بكل صراط مستقيم فحسب، بل لقد أقسم بأغلظ أيمانه على تحطيم الله و القضاء عليه.و تلك كانت هي مصلحته العليا التي بات يسعى في تحقيقها منذ أن حادّ الله و خرج عن طاعته. و لم يكن ليقف أبدا مكتوف الأيدي بل كان دائم التربص بالله و الكيد له و استفزاز رسله و أنبيائه وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم. الحج 52. أما محمد فمن خلال سعة دراسته و قوة ملاحظته فقد تبين له مدى تفاهة الله.هذا الإله المتزلف للعباد الذي رضي لنفسه الاقتران بفرعون لمّا كان يقول للناس أنا ربكم الأعلى حتى جاءهم موسى فنصح الله بالرحيل عن الأرض و وضّح له أنه لا يليق بالإله مثله أن يعيش في الحضيض بين الناس و أن الأجدر به أن يكون له عرش يستوي عليه في السماء بعيدا عن أهواء بني البشر و إغواءاتهم، لكن الله ما لبث أن عاد و تقمص جسم المسيح بن مريم و ركب معه الحمار و سار حافي الرجل مكشوف الأست في الأسواق حتى انقض عليه الأعداء فقتلوه و صلبوه.هذا الإله تبين لمحمد أنه يستحق الحِجر عليه و تجريده من كل صلاحياته الإلهية و السطو على وظائفه و سلطاته. فالتقت المصالح بين إبليس و محمد و قامت الهدنة و حل بينهما التفاهم. و بدآ في حياكة خطتهما الجهنمية التي بمقتضاها خرج محمد في بادئ الأمر في قريته بثياب الزاهد الورع الذي يعظ الناس و ينصحهم و يبشرهم و ينذرهم، ثم، في غفلة عنهم، بدأ ينفث سموم العداء و الكراهية و التفريق بين الأهل و الخلان. فتبين لهم أن الذي بمنازل بني عبد مناف شيطان مريد فدحروه و أخرجوه و من تبعه من الأرذلين: قالوا أنومن لك و من اتبعك الأرذلون قال و ما علمي بما كانوا يعملون، 111/112 الشعراء. فخرج يتربص بالقبائل يغريهم بأموال الناس و أعراضهم و يفتنهم بنسائهم وأملاكهم فيتولون عنه إلا رهط الأوس و الخزرج الذين وافق أمره هواهم فآجروه عندهم و آووه و حموه مما يحمون منه نساءهم و دراريهم ثم صيروه عليهم مليكا يأمرهم بالمنكرات و ينهاهم عن المعروف.فاغتنمها فرصة محمدً، فنصّب نفسه رئيس حكومة الله و وزيره الأول و الناطق الرسمي باسمه.فغدا يأمر بأولوية طاعته و الإذعان لأوامره مساويا في ذلك بين الله ونفسه :ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم النساء : 59 .و من يطع الله و رسوله يدخله جنات من تحتها الأنهار، و من يعص الله و رسوله و يتعدّ حدوده يدخله نارا خالدا فيها و له عذاب مهين النساء 13/14. وفي الصحيح عن النبي ، أنه قال : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني.ثم ما لبث أن اشترط ذكر اسمه كلما ذكر اسم الله ،فنجد في تفسير الآية الرابعة من سورة الشرح، و رفعنا لك ذكرك، أن المفسرين قد أجمعوا على أن رفع الذكر هنا هو أنه إذا ذكر الله ذكر معه محمد. فصار اسم محمد موازيا لاسم الله في كل شيء .و كلما استثب له الأمر أكثر زاد في تجرُّئه على اختصاصات الله التي أناطته بها الأديان الأخرى. فأصبح يأمر و ينهى ويحلل و يحرم: و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و اتقوا الله الحشر 7. قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرّمون ما حرّم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون التوبة 29. و لم يكتف بذلك بل تعداه إلى السطو على مكانة الله فأصبح كل ما يهمّ محمدا يهمّ الله فطاعة محمد هي طاعة الله و عصيانه هو عصيان الله، كذلك أصبحت الهجرة إلى محمد هي الهجرة إلى الله وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً النساء100، و إرضاء محمد و القنوت له هو إرضاء لله و قنوت له، وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ التوبة62 ، وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً الأحزاب31 .بل و أكثر من هذا و ذاك، فقد أصبح العداء لمحمد هو العداء لله و محبة محمد هي محبة الله: إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ التوبة24 ، و في صحيح البخاري والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده . هكذا تفتحت شهية محمد على الألوهية و اطمأن إبليس على مصيره و سارا في خطتهما الجهنمية إلى أن حلت موقعة الحديبية التي سيستغلها محمد أيما استغلال ليعزل الله عن مهامه و يقيله من منصبه ثم يعتلي عرشه بكل هدوء و طمأنينة ، فتنتقل إليه السلطة الإلهية بكل سلاسة و يسر، و يصبح من ثمة هو الله المطلق الذي لا شريك له.فأنزل في هذا الأمر آية العزل التي يقول فيها : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم. هكذا عُزل الله عن مهامه و حل محله الإله الجديد. فالذين بايعوا محمدا تحت الشجرة و رضي الله عنهم لم يبايعوا في الحقيقية محمدا إنما هم بايعوا الله ،فمحمد إذا هو الله هو الأكبر الذي لا إله إلا هو. ثم أنزل بعد ذلك الآية 70 من سورة الإسراء: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا.أخرج القرطبي في الجامع لأحكام القرآن مَا حَكَاهُ الطَّبَرِيّ عَنْ فِرْقَة , مِنْهَا مُجَاهِد , أَنَّهَا قَالَتْ : الْمَقَام الْمَحْمُود هُوَ أَنْ يُجْلِس اللَّه تَعَالَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ عَلَى كُرْسِيّه .و يضيف القرطبي عن أبي وائل عن عبدالله عن النبي أنه قال: إن الله عزّ وجلّ اتخذ إبراهيم خليلاً، وإن صاحبكم حبيب الله وأكرم الخلق على الله ، ثم قرأ: عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا قال: يقعد على العرش.هكذا تولى محمد عرش الله و كتب عليه اسمه و استولى على حكمه: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ النور48، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً الأحزاب36. فما كان من إبليس إلا أن كان أول المبايعين و الساجدين لمحمد و لسان حاله يقول أنت يا محمد أحق من آدم و من ربه بالسجود. و لم يكتف محمد بالسطو على الله و على ملكوته و حكمه، فقد تبين له أن ذلك وحده غير كاف ليروي غليله و يشفي صدره و يضمن له طاعة إبليس إلى يوم الدين،لدا بادر إلى إهانة الله بأن جعله خادما يهرول بينه و بين الناس و يسهر على خدمته و تلبية رغباته، مما اضطر أم المؤمنين عائشة إلى النطق بشهادتها المشهورة المذكورة في صحيح مسلم و غيره : عن عائشة أنها قالت، ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك،صحيح مسلم كتاب الرضاع باب الزواج هبة نوبتها لضرتها. فأصبح الله يوصل الصلوات من المسلمين إلى محمد و يزوجه و يطلقه من فوق أرقعه و يبدل له القبلة و يفرض له الحج و يحرم الخمر و يفرض الحجاب و ينسخ الآيات و ينصره و يجاهد في سبيله: إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار التوبة 40
هكذا يسطو محمد على الله في لعبة مكشوفة تحت إشراف إبليس ،فيصبح محمد قرين الشيطان هو اللهَ العظيم.و تصبح الثلاثية المقدسة الله إبليس محمد هي أقانيم الإسلام الثلاثة التي تجتمع لتكون شخص رسول الإسلام.


شيخ النار أبو قثم

السبت، 30 يونيو 2012

إبليس و الرسول


قال ابن مالك فيما أخرجه عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق أن رسول الله (ص) قال: إياك و قرين السوء فإنك به تعرف. ضعفه ابن عساكر و الألباني و صنفاه ضمن الأحاديث الموضوعة عن رسول الله. و لا عجب في ذلك كون موضوع الحديث غدا من المستهلكات في الأمثال و الحكم و المأثورات الشعبية قبل و بعد الرسول.فهذا شاعر الصعاليك طرفة بن العبد نجده قبل الرسول يقول : عن المرء لا تسل و اسأل عن قرينه فكل قرين بالقرين يقتدي.
أما القرين في اللغة فصفة مشبهة باسم الفاعل من فعل قرِن يقرِن قِرنا أو قَرنا أوقرانا .قرن الولد صار له أقران من سنّه.و قرنتُ الشيء بالشيء يعني صاحبته به و لازمته له فهو له قرين كقوله قرنت القول بالعمل فالعمل إذًا قرين القول أي مصاحب و ملازم له و شاهد عليه..و قرنت بين الشيء و نظيره يعني ماثلت و ساويت بينهما فالحديد مثلا قرين النحاس في الشدة و الصلابة،كما هو أحمد قرين إبراهيم في الدهاء و المكر.و قرنت الشيء بالشيء وصلته و جمعته به كقوله مقرنين في الأصفاد أي مجموعين و موصولين بالسلاسل و الأغلال.و قرنت الشيء بالشيء كذلك طابقته عليه كقوله قرِن الصورةَ بالنسخة أي طابقهما و منه قارن بينهما مقارنة فهو مقارِن.فالقرين إذا هو المقارَن و المطابق و التابع و الصاحب الملازم و الشبيه المماثل و المطابق في الذات و الأفعال و الأقوال و الصفات و الهيئة و السن و السلوك.
و الرسول في حديثه الشريف هنا ينهانا بصريح العبارة عكس طرفة الصعلوك عن معاشرة أهل السوء و الاقتران بهم.إذ بينما يطالبنا طرفة بالتجسس على أهل و أصحاب المرء قبل الاقتران به ـ و لأن أصحاب المرء أفراد عديدون، لكل منهم أقران آخرون، فهذا يعني أنه يلزمنا معرفة أمة من البشر حتى نصاحب أو نقترن بأحدهم. ويعني كذلك أن قيمة الإنسان لا تكمن في أفعاله و أقواله و سلوكه و معاملاته إنما هي تكمن في الجماعة التي ينتمي إليها.ـ إلا أن الرسول يكتفي بالنهي عن معاشرة قرين السوء بغض النظر عن أهله و صحبه.و لكن دونما تحديد لماهية هذا القرين و لا لمعنى هذا السوء.فلو سألنا مثلا بلطجيا صعلوكا متضلعا في فنون الإرهاب و الإجرام عن قرين السوء فلا غرو أنه سيعتبر كل من ليس له سوابق و من لم يزر سجنا و لا اقترف سابقة ، قرينَ سوء.عكس الرجل الصالح المتشبع بالمثل الإنسانية العليا الذي سوف يعتبر كل مجرم مخرب مفسد قرينَ سوء؛ و عكس المتدين المتزمت كذلك الذي يرى كل مخالف له في العقيدة و المذهب قرين سوء. فخلفية القائل ب ـ قرين السوء ـ هي التي تحدد معناه الحقيقي. و عندما نسمع رسول الإسلام ينادي بضرورة عدم الاختلاط بقرناء السوء فإن التساؤل حول قرين السوء هذا يصبح أمرا مشروعا وملحا. فإذا كان المسلم يجيز لنفسه قتل المخالف و سبي البريء و نهب الضعيف و نكح الميتة و البهيمة و الصبية، و رسول الإسلام يصرح بأن ربه قد جعل رزقه تحت ظل سيفه و رمحه، و نصره بالرعب و أحل له المفاسد ما ظهر منها و ما بطن و جعل في ظهره قوة أربعين في النكح و البضع ،فمن الطبيعي أن نتساءل عن معنى السوء المقصود في الحديث و ماهية القرين. و ما أظن القتل بغير حق و السلب و السبي و النهب و العداوة و الكراهية و البغضاء إلا أعمال سوء ينفر منها الطبع الإنساني و تأنفها النفس البشرية، و مع ذلك فإن المسلم يتخذها شمائل و خصائل و مثلا عليا يمدح بها نفسه و يمجد بها نبيه و يشكر عليها ربه الذي شرعها له.
فمن هو قرين السوء يا ترى حسب المفهوم النبوي الشريف
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ليس منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يا رسول الله قال نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم - أحمد 2209
عن عائشة قالت: قال النبي _ص) ما منكم من أحد إلا ومعه شيطان قالوا وأنت يا رسول الله قال وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، صحيح مسلم باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وان مع كل انسان قرينا من حديث عائشة.
عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن عبد الله قال قال رسول الله ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بحق . أحمد 3466
و روى مسلم عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (ص): ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن. قالوا: وإياك؟ يا رسول الله!! قال: وإياي. إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني الا بخير. مسلم4/2167 كتاب صفات المنافقين باب تحريش الشيطان. وأحمد1/3


من خلال هذه الأحاديث الشريفة يتبين لنا أن الرسول الذي ينصحنا و يعظنا و يحثنا على عدم مرافقة أهل السوء يتخذ لنفسه قرينا من الشياطين!!.فأيهما أعوص و أكبر نكرا أ الاقتران برفقاء السوء من البشر أم الاقتران بالشياطين!!!؟ أما قران الرسول بالشياطين فلا يقتصر على مجرد الصحبة و المخالطة فقط، بل هو يمتد إلى أبعد من ذلك، إذ الشيطان لا يفارق الرسول قيد أنملة،فهو حسب أحاديثه (ص) يعشش في خيشوم المؤمن و يتبول في أذنيه و يسكن في شعر دبره، كما أنه كان دائم التواجد في الحياة اليومية الخاصة لنبي المدمنين، تارة ينسيه القرآن وينسيه فروض شريعته ، كالصلاة ، والطهور ، حتى ليلة القدر الذي انزل فيها القران الكريم، استطاع الشيطان أن ينسيها له :و إمّا يُنسيَنَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ، الأنعام 68، سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى الأعلى8. و طورا يلقي في أمانيه و أماني الأنبياء و المسلمين، وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم. الحج 52.و تارة يقطع عليه الصلاة هو و المرأةُ المنقبةُ و الكلب الأسود و تارة يعاركه و قد يخنقه حتى يجد برد لسانه على يديه الطاهرتين. روى الطبراني عن جابر عن النبي (ص) قال: دخلت البيت فإذا شيطان خلف الباب فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي، فلولا دعوة العبد الصالح لأصبح مربوطاً يراه الناس. راجع: مجمع الزوائد7/229. ما أحلمك يا سيدي يا حبيب الله و ما أطهرك!!صلوا على قرين الشيطان و على آل قرين الشيطان.و لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه ليصل إلى مقعدته (ص)، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال النبي (ص) إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته حتى يفتح مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريح ذلك بنفسه. منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للشيخ العلامة عليّ المتقي الهندي باب الشيطان ووسوسته. فالشيطان إذا، كان لا يفارق محمدا أبدا حتى بشهادة القرآن ،لقد كان يسكن في عقله و خياشيمه و قلبه و كبده و حتى في طيزه الكريم.فتراه يبصر بعين النبي و ينطق بلسان النبي و يعشق بقلبه و ينكح بمذاكيره المقدسة.و هذه الأدواركانت متبادلة بينهما، لكون النبي كان متلبسا بالشيطان و الشيطان متلبس به.فتارة تجد الشيطان و بداخله محمد، و تارة تجد محمدا و داخلََه الشيطانُ. فمحمد و الشيطان كائنان متطابقان لا ينفصلان، يبصران بنفس العين و ينطقان بنفس اللسان و يعتقدان بنفس القلب و يفكران بالتالي بنفس العقل. لدا جاز القول بأن محمد و الشيطان كانا كائنا واحدا هو الرسول.و لهذا يقول له القرآن وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم، فصّلت 25، ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، الزخرف 36، فإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم، الأعراف 200. و يضيف قائلا: و قل رب أعوذ بك من همزات الشياطين و أعوذ بك رب أن يحضرون، المؤمنون 96/97. فالشيطان كان لا يغفل عن الرسول رمشة عين ، كان ينزغه في كل وقت و حين و يهمزه كالحمار و يوحي إليه ما يوحي و يلقي على لسانه ما يلقي.و هذا ما يفسر كثيرا من زلقات و نزوات سيد الأنبياء.فلولا نزغ الشيطان و همزه ما ترك محمد لما أبصر تلك المرأة جماعته من الصحابة و ذهب إلى زينب ليقضي وطره.و لولا نزغ الشيطان و همزه ما ضاجع محمد فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب في قبرها، عن ابن عباس(ض) قال: إن النبي (ص) قال إني ألبستها قميصي لتلبس ثياب الجنة أضجعت معها في قبرها لأخفف من ضغطة القبر إنها كانت أحسن خلق الله صنيعا إليّ بعد أبي طالب، منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للشيخ العلامة على المتقي الهندي باب فاطمة بنت أسد أم علىّ.و لولا نزغ الشيطان و همزه ما تزوج محمد طفلة أصغر من بنته و عشق أمّها رغم أنها زوجة صديقه و خليله، فلقد كانت أم رومان تضنيه عشقا لم يستطع محمد كتمانه حتى بعد موتها . توفت أم رمان (زوجة أبي بكر وأم عائشة) في ذي الحجة سنة أربع أو سنة خمس فنزل (ص) في قبرها واستغفر لها وقال اللهم لم يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك وقال (ص) من سرَّهُ أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان، نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري ذكر نبذة من أخباره (أبي بكر) وأحواله ومناقبه رضي الله عنه . ولولا نزغ الشيطان و همزه ما همّ محمد سوءا ببنت عمته زينب فزوجها عبدَه ثم طلقهما لتحِلّ له من بعده.و لولا نزغ الشيطان كذلك و همزه ما قبل أبو بكر مصاهرة صديقه و خليله.أي صداقة هذه التي تنهي بالمصاهرة؟؟!!. عن الحسن البصري قال: لما بويع أبو بكر قام خطيبا فقال أما بعد فإني وليت هذا الأمر وأنا له كاره. . . وإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني زغت فقوموني واعلموا أن لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أؤثر أشعاركم وأبشاركم. تاريخ الخلفاء للسيوطي باب أبو بكر الصديق رضي الله عنه. كما أنه لولا نزغ الشيطان و همزه ما جاء محمدا ما يأتيه و يعتريه عند نزول الوحي. أخبرنا مالك بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيُفصَم عني (يذهب عني ما يغشاني) وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيُفصم عنه وإن جبينه ليفصد (يقطر) منه العرق. البخاري ج 1 ص 4.
إن علاقة محمد بالشيطان علاقة غاية في التعقيد و التشابك لغاية انك لا تستطيع أبدا أن تميز بين الواحد و الآخر، و ذلك راجع لكونهما مخلوق واحد هو محمد الشيطان الذي يأمر بالفتنة و الغواية و العداوة و المكر و التربص ناهيك عن السلب و النهب و التخريب و السبي و الاغتصاب.
أبو قرين الشيطان

الأحد، 17 يونيو 2012

من خواطر النبي نبيل الطاهر


هو الدكتور النبيل الطاهر الملقب بابن سلول القرن الواحد و العشرين، أحد فطاحلة الإلحاد الذي افتقدناه من مدة غير قصيرة أيما افتقاد. و إذ أداري الأيام و أعدها تحرّقا على فراقه و تشوقا لبهاء طلعته و تطلعا لمعرفة أخباره و أحواله فإني أهيب بالأحبة الكرام مقاسمتي لوعة الحنين و مشاركتي في إحياء ذكراه بما يليق بمقامه الجلي.و بهذه المناسبة فقد قررت أن أنشر أمام أنظاركم الموقرة و على صفحات هذا المنتدى الأغر أجود و أبهى ما جادت به قريحة نبينا و إمامنا النبيل متعنا العقل بهديه و إرشاداته

 ماذا لو استنسخنا صلعم او صلعمين؟

 رأيت في منامي قبل أيام أن فرقة كوماندوز قامت بتدمير الكعبة وقبر صلعم وقبة الصخرة ومحتهم جميعاً من وجه الأرض. وقد كان ذلك الحلم كابوساً رهيبا, ً مع أني حقيقةً اتمني ان اغمض عيني يوماً ما وأفيق وهذه الثلاثة (العقارات) قد مُحيت فعلاً من هذه الارض ومن حياتنا. أعتقد ان هذا راجع الى طبيعتي الإلحادية فأنا لا ارضى الأذى لإحد, حتى المؤمنين الذين لن يتترددوا بقطع اطرافي ولساني إن قدروا على ذلك.

 وبما أني اتوقع أن أول سؤال سيتبادر إلى ذهنك عزيزي القارئ هو عن هوية المهاجمين, احب ان ابادر بالإعتذار لإنه لم يتسنى لي التحقق من بطائقهم. وبصراحة لم يكن إهتمامي اثناء الحلم ما إذا كان المهاجمون كوماندوز إسراييليين, ام كانوا مجموعة من الظباط الأمريكيين المتطرفين الذين ارادوا الإنتقام لمركز التجارة العالمي بتدمير ايقونات أسلامية مقدسة. ام كانو شباب سعوديين ضاق ذرعهم ببني وهاب وبهيئة الفضيلة وبحالة الكبت وبالمجاعة الجنسية المفروضة عليهم. لم اتسآل إذا كانت الهجمة سيناريو مدبر من بني سعود ليشغلوا العالم الإسلامي بالصراع مع الغرب بدلاً من الإلتفات لفسادهم ولم يذهب عقلي الى فرضية الشيعة وإيران الذين سيستفيدون من تأجيج الصراع الإسلامي الغربي ويتحينون الفرصة ليصنعوا قنبلتهم النووية. كل نظريات المؤامرة هذه لم تشغل بالي اثناء الحلم. كنت اركز وارتجف خوفاً وتأملاَ ان تتم العملية دون وقوع أي ضحايا من المصلين الابرياء. وعلى كلٍ, اعدكم إذا عاد الحلم مرة ثانية ( second run) فسأطل من نافذة كابوسي واتحقق من اشكال المنفذين وأسلحتهم واعود إليكم بتقرير مفصل حتى نستطيع التحري والوصول إلى هويتهم.

 وقد اثار هذا الحلم مسألة التخلص من هذة الأماكن حتى نساعد المؤمنين على التخلص من قيودهم. ماذا لو افاق المؤمنون يوماً والكعبة وقبر صلعم والصخرة وحائط المبكى ليس لها وجود؟ ( أعتذر إن كنت قد نسيت صخرة اخرى). ماذا لو اثبتنا لهم أنه بالإمكان التخلص من اصنام الله وحجارته وجدرانه ودهاليزه المظلمة دون ان يستطيع ان يحرك ساكناً؟ ماذا لو أثبتنا للمؤمنين ان الله يحتمي بالأنسان وخصوصاً الإنسان المتعلم الذي يصنع له وسائل الدفاع العسكريه وغير العسكرية؟ حتى الكلمة الحرة في منتديات الإنترنت الذي صنعه الكفار تسبب القلق لمعالي السيد ارحم الراحمين فيحتمي ببرامج الكفار انفسهم ليحجبها عن مواطنين بلاد صلعمستان. طبعاً, ربما يكون هناك رد فعل عنيف من شعوب الإيمان في حال دُمّرت هذه الأصنام, وسيخرجون للمظاهرات نصرة لربهم العاجز, لكنهم في النهاية سيزهقون من الدفاع عنه. ولربما طلبوا منه ان يتوقف عن التمترس خلف السراويل والحجابات الواسعة للمسلمات وخلف اللحي الطويلة للمسملين, او حتى خلف العلوم المتقدمة للكفار . لقد سئمتُ انا من هذا الأله الجبار"الفتوة" الكسّار ابو شوارب يقف عليها الفأر الذي يقبل الذل على نفسه وعلى اتباعه, فكيف بالمسلمين وهم يدعونه ويتضرعون إليه أن يقوم ولو ب"خبطة" صغيرة تساعدهم على إخراج رؤوسهم المدفونة في الرمال.

 وقبل ان تحمكوا بأنني شخص غير واقعي احب ان أبلغكم أنني قد صحوت من حلمي في اليقظه وحلمي في المنام أيضاً. وتنبهت إلى أن حدثاً جلل كتدمير اصنام الله والإعتداء على قبر الرسول محمد صلعم سيأتي بالعواقب الوخيمة. تذكرت ماذا حدث عندما رسم بنو الأصفر في الدنمارك صورة كبير الأصنام. تذكرت الدماء التي سالت والأعلام التي اُحرقت وقمصان المؤمنين التي قُطعت وقررت التخلي عن كابوسي وعن حُلمي معاً.

 ولكني في الأيام الأخيرة قرأت تعليقاً في مدونتي الجديدة – مدونة ابن سلول -- لواحدا من إخوتي في الإلحاد اسمه راوندي. اخونا راوندي من المملكة الهمجية السعودية وهو يعاني الأمرّين من حجب مدونات الفكر الحر. فاستقر الحال بالصديق راوندي في مدونتي التي لم تحجب بعد! وللعلم لايسعني الإ ان اشكرهم لإنني لولاهم لما تشرفت بالتعرف على العزيز راوندي. كان التعليق يتحدث عن إعتقاد المؤمنين بأن اجسام الأنبياء لاتتحلل. قلتُ في نفسي عندما قرأت التعليق: معنى هذا ان بقايا صلعم لازال فيها انسجة وخلايا فلماذا لانأخذ عينة من الخلايا ونستخلص مادة الحمض النووي ونستنسخ صلعم آخر ولماذا لانستنسخ صلعمين؟!! صلعم رقم واحد أو صلعم الرمال وصلعم رقم اثين أو صلعم المدنية.

 خليكم معي: انا لا اقترح ان تكون العملية عشوائية بل منظّمة. اقترح ان تتم تحت إشراف هيئة مكونة من علماء في البيولوجي ومن أخصائيين في القانون ومن فقهاء في الدين ومن شخصيات إجتماعية وسياسية وآخرون ممن يتم الإتفاق حولهم.

 بالنسبة لصلعم رقم واحد أقترح ان نخلق بيئة مشابهة تماماً للبيئة التي نشأ فيها صلعم النسخة الأصلية وأن يتم إنشاء قرية في الأردن أو أي مكان آخر. ثم نبني الكعبة و بئر زمزم والأصنام والحجر الأسود وغيرها. ثم يقوم ممثلون قديرون بلعب دور الأشخاص الذين لعبوا دوراً في حياة صلعم مثل امه بنت وهب وراضعته حليمة السعدية وعبد المطلب وابو طالب وابى الحكم واليهود وورقة ابن نوفل – اهم المؤثرين في حياة صلعم— والأوس والخزرج وغيرهم. وأنا شخصياً على إستعداد لدراسة فنون التمثيل والقيام بدور ابن سلول. ومن المهم جداً ان تكون حياة صلعم مغطاة تغطية كاملة بالكاميرات الخفية حتى نتابع كل تحركاته على غرار فيلم (The Truman Show) للمثل جيم كيري.

 طبعاً, ستكون امامنا إشكاليات كبيرة. فمثلأ, من أين سنأتي بطفلة عمرها ست سنوات لتتزوج من رجل في الخمسينات و"يبني بها" وهي في التاسعة؟ لكن انا متأكد ان العلم الحديث سيساعدنا على تخطي جميع الأشكاليات. على سبيل المثال ربما يستطيع الماكياج ان يحل مشكلة الممثلة التي ستقوم بدور عائشة!

 بالنسبة لصلعم رقم إثنين, أقترح ان ندعه يتربى في بيئة ليبرالية حديثة ومحايدة, في سويسرا مثلاً. ونراقب انماط سلوكه الاخلاقية وميوله الروحانية وهل تختلف عن سلوكيات صلعم الأصلي أو عن صلعم رقم واحد. وما هي مواقفة من مشاكل الأمم الحالية؟ هل هو مع الإرهاب أم ضده؟ هل هو مع تحرير المرأه ام ان له ميول ذكورية؟ هل يكره الأقليات؟ هل هو من المعاديين للسامية؟ ماذا عن حقوق المثليين؟ هل هو نفسه مثلي ام لا؟

 قد يقول قائل: وما فائدة كل هذا؟
 وأنا أقول ان هناك ثلاثة سيناريوهات وكلها تصب في صالح المسلمين :
 أولاً : في حالة غضب الله بسبب الإعتداء على بقايا صلعم ( التي برأيي تحللت تماماً خصوصاً تحت حرارة السعودية) فإنه قد يُستنفر ويغضب ويخسف بالمشرفين على هذه العملية. الن يكون هذا سبباً لدحر كل المشككين والجاحدين ومنهم اخوكم المتواضع ابن سلول هذا العصر؟ الن يكون عملاً كهذا موضع إعتزاز وافتخار للمسلمين الذين يدعون ربهم ويسألونه العزة ليلاً ونهاراً ولا وجود لمن تنادي؟ في هذه الحالة سيخلص المؤمنون من جميع الملحدين والعلمانيين ووجع الرأس الذي يتسببون به. وبالتأكيد سيكون الحدث معجزة كبيرة تُلهم الناس الى الإسلام فيدخلون في دين الله أفواجا.

 السيناريو الثاني أن يتم إستنساخ صلعم بنجاح وإله جهنم ساكت كعادته لم "يتحرك دمه" ولم يخسف بنا الأرض ومع هذا يصرالمؤمنون على الإستمرار في خنوعهم وغبائهم .صلعم الرمال في هذه الحالة سيمثل مادة دسمة جداً لشيوخ الإسلام والمهتمين ب"علم" الفقه. تصوروا معي: سيستطيع "علماء" الدين ان يحسموا كل خلافاتهم. فمثلاً سيكون بأمكاننا مشاهدة الكاميرات عندما يستنجي صلعم وبالتالي سنتيقن من الأصبع التي يستخدمها وفي أي إتجاه يحركها وكم سانطي يولجها. سيكون بأمكاننا أيضاً معرفة ماذا كان يفعل بالظبط عندما يدخل على نسائه, وسيستفيد المسلمون من هذا عظيم الفائدة.

 فهناك مسائل لابد للمسلم معرفتها ليقتدي برسوله فتقبل اعماله عند الله. مثلاً, هل كان الرسول صلعم يطأ زوجته الشيب (الكبيرة في العمر) بنفس الطريقة التي يطأ بها الشابة أو بنفس الطريقة التي يطأ بها الطفلة من أزواجه؟ أم أن هناك "حركات" معينة يفضلها مع نسائه بحسب اعمارهن؟ هل كان يطلب من الجواري ان يقمن بأشياء إضافية؟ هذه امور تهم الفرد المسلم تماماً كما تهمه حركة سبابة الرسول أثناء الصلاة أو كما تهمه مسألة أن الرسول كان يأكل لحمة الكتف أو أنه كان يبدأ باليمنى عندما يلبس الحذاء ويبدأ باليسرى عندما يخلعه. إن هذا السيناريو سيفتح امام المسلمين آفاق رحبة في الفقه والسُنة وسيجعلهم يتبعون نبيهم عن تيقن دون الحاجة إلى الرجوع إلى الأحاديث المختلف عليها والتي ربما حرفها اليهود....ويا دار ما دخلك شر!

 السيناريو الثالث: نستنسخ صلعم ويهتز إيمان المسلمين بهذا النبي وربه المزعوم. ويبدأ المسلمون التساؤل حول دعوته وأخلاقه وسيرته. صدقوني صدقوني صدقوني ( التكرار للتأكيد وقد اقتبست هذا الأسلوب البلاغي من صلعم)..اقول صدقوني عندما يبدأ المسلون, خصوصاً المتعلمون, بالتساؤل سيعني هذا انهم في طريقهم إلى النجاة. سيتسآلون وسيُشككون أولاً في رسالة صلعم وبعدها في شيوخ الدين وبعدها سيأتي دور شيوخ البترول وبعدها معاملة المرأة. باختصار سيفتحون ابواب الحضار الإنسانية التي أغلقوها على مجتمعاتهم لإنهم أسرفوا في ممارسة الإيمان وفشلوا في ممارسة فن التساؤل.

 سلامي ومحبتي
 نبيل طاهر

الاثنين، 11 يونيو 2012

الإسلام الأول



الزرادشتية أو الإسلام الأول ديانة  أسسها النبي زرادشت في زمن غير مؤكد من النصف الأول للألف الأول قبل الميلاد.
 ولد النبي زرادشت في إحدى المناطق الإيرانية النائية عن مركز الحضارة. وعلى ما تقوله النصوص المقدسة الزرادشتية، فإن مظاهر الطبيعة كلها احتفلت بولادته،تماما كما احتفلت بسيد البشر، وحدثت سلسلة من المعجزات التي رافقت هذا الحدث المهم في تاريخ الكون والإنسانية. أما الشيطان فقد هرب واختبأ، ثم ما لبث أن أرسل زبانيته لإهلاك الرضيع، فلما اقتربوا منه تكلم في المهد (أسطورة المسيح في القرآن)، ونطق بصلاة لله التي طردت الشياطين. وعندما شب على الطوق جاء الشيطان ليجربه وعرض عليه أن يعطيه سلطاناً على الأرض كلها مقابل تخليه عن المهمة التي كان يعدّ نفسه لها، ولكن زرادشت نهره وأبعده عنه( أما محمد فقد ذهب إلى حدّ خنقه و ربطه بسارية المسجد لولا دعاء أخيه سليمان).انخرط زرادشت منذ يفاعته في سلك الكهنوت، وصار كاهناً على دين قومه. غير أن هذا الكاهن ما لبث أن انشقّ على المعتقدات التقليدية، وأحدث انقلاباً كان له أعمق الأثر في الحياة الروحية لإيران وللإنسانية على حد سواء، عندما جاءه وحي النبوة وهو في سن الثلاثين.أظن أن التطابق لحدّ الآن واضح و جلي بين نبينا سيد البرية و زراديشت الكذّاب.
فبينما كان الكاهن الشاب يشارك في إحدى المناسبات الطقسية، دعت الحاجة إلى بعض الماء، فتطوع زرادشت لجلبه ومضى إلى النهر القريب؛ وبينما هو يملأ قربته تجلى له على الضفة كائن نوراني(جبريل الأول)، فخاف منه وحاول الفرار، ولكن الكائن طمأنه وكشف له عن هويته قائلاً بأنه ملاك من عند الإله، وأنه واحد من الكائنات الروحانية الستة التي تحيط بالإله الواحد وتعكس مجده. ثم أخذ بيده وعرج به إلى المساء حيث مَثَلَ في حضرة أهورا مزدا، وهو الاسم الذي يطلقه زرادشت على الله، وتلقى منه الرسالة التي يتوجب عليه إبلاغها للناس.فسبحان الذي أسرى بعبده ليلا أول مرة
.العقيدة
يتميز المعتقد الزرادشتي بابتكاره لأكثر التفسيرات منطقية لوجود الشر في العالم. ففي البدء لم يكن سوى الله- أهورا مزدا؛ وجود كامل وتام، وألوهة قائمة بذاتها مكتفية بنفسها. ولكن هذه الألوهة اختارت أن تخرج من كمونها وتُظهر ماعداها إلى الوجود، فكان أول خلقها روحان توأمان هما سبينتا ماينيو( عزرائيل  الذي يعتبر حسب العقيدة اليزيدية رئيس حكومة الله الذي فوض له شؤون العباد ثم استوى على العرش) وأنجرا ماينيو(الشيطان خصم الله و عدوه اللدود). ولكي يكون لهذين الروحين وجود حقيقي مستقل عن خالقهما، فقد منح لها خاصية الحرية. وبداعٍ من هذه الحرية المطلقة فقد اختار سبينتا ماينيو الخيرَ ودُعي بالروح القدس، واختار أنجرا ماينيو الشرّ ودُعي بالروح الخبيث. بعد هذا الخيار الأخلاقي للتوأمين، كان لا بد من تصادمهما ودخولهما في صراع مفتوح. على الرغم من أن الله كان قادراً منذ البداية على سحق أنجرا ماينيو(الشيطان) ومحو الشر في مهده، إلا أنه آثر عدم التناقض مع نفسه بالقضاء على مبدئ الحرية الذي أقره، والسير بخطته التي تقوم على مقاومة الشر استناداً إلى ذات المبدأ الذي أنتج الشر. وهنا عمد بمعونة الروح القدس سبينتا ماينيو(عزرائيل) إلى خلق ستة كائنات روحانية قدسية شكلت بطانته الخاصة التي تحيط به على الدوام، ويُدعَون بالأميشا سبينتا أي الخالدون المقدسون. وقد أوجدهم الله من روحه كمن يشعل الشموع من مشعل متقد. ثم إن هؤلاء أظهروا إلى الوجود بالطريقة نفسها عدداً كبيراً من الكائنات القدسية الطيبة هم الآهوريون، فعهد إليهم الرب بمهمة مكافحة الشر كل في مجاله. وبالمقابل فإن أنجرا ماينيو أظهر إلى الوجود عدداً كبيراً من الكائنات الروحانية المتفوقة هم الديفا، فراحوا يساعدونه في تخريب كل عمل طيب يصدر عن الله. وبذلك تم تشكيل عالم الملائكة وعالم الشياطين قبل خلق العالم المادي.بعد أن تأسس الشر على المستوى الروحاني، عرف أهورا مزدا الله أن القضاء على الشيطان وأتباعه لن يتيسر قبل خلق العالم المادي، لأن عالم المادة سيكون بمثابة المسرح المناسب للصراع بين جند الحق وجند الباطل.و هذا أول الفروقات مع الإسلام حيث أن الله لم يخلق الكون إلا ليتبدد فيه نور النبي و ينتشر بعد أن يخرج من فرج آمنة بنت وهب. ولسوف يعمد الشيطان أنجرا ماينيو إلى مهاجمة خلق الله بكل ما أوتى من قوة، لأنه خلقٌ حسن وطيب وكامل، ولكن هذا الهجوم سوف يفُتُّ في عضد الشيطان تدريجياً حتى يفقد قوته وسلطانه في آخر الأمر، ويُحسم الصراع لصالح الخير عند نهاية التاريخ. ولقد خلق أهورا مزدا العالم على ست مراحل زمنية (تعادل الأيام الستة في المعتقدات المشرقية اللاحقة). في البداية خلق السماء من صخر كريستالي، ثم خلق الماء، فالأرض، فالحياة النباتية، فالحياة الحيوانية، وأخيراً خلق الإنسان الأول أما في الإسلام فقد قال الله لكل شيء كن فكان و هذا يبيّن مدى الفرق بين فكر الكاهن الرزين و فكر البدوي الأمي. بعد انتهاء أهورا الله من خلق الكون انقض عليه أنجرا ماينيو الشيطان بكل قوته، فغطس في البحر ولوثه بالملح، وتوجه إلى الينابيع فجففها، وإلى الخضرة فأذبلها، ونشر الصحارى وبث فيها الأفاعي والعقارب وكل دابة مؤذية، وعمد إلى النار فلوثها بالدخان، ودخل في عقل آدم وحواء المدعوين هنا "ماشيا و "ماشو" وزرع فيه النقائص الأخلاقية أما في الإسلام فقد سكن في عقل و خيشوم و دبر المؤمن كي يفتنه عن الدين القيم.. ولكن الأميشا سبينتا تصدوا له ولجنده، ودخلوا معهم في صراع لا هوادة فيه. هذا الصراع لن يكون له نتائج إيجابية إلا بعون الإنسان، الذي يتوجب عليه أن يعي مسؤولياته الخلقية ويدعم قوى الخير بفكره وقوله وعمله الذين آمنوا و عملوا الصالحات.وعلى هذا، فإن التاريخ يسعى بشكل دينامي إلى نهايته عبر ثلاث مراحل؛ فلقد خلق الله أهورا مزدا العالم في أكمل وأطيب صورة ممكنة، واستمر على هذه الحالة ردحا من الزمن كان الشيطان خلاله نائماً، وهذه هي المرحلة الأولى مرحلة الخلق الكامل التي يسود فيها الخير. في المرحلة الثانية يهاجم الشيطان خلق الله فيمتزج الخير بالشر. في المرحلة الثالثة تبدأ عملية الفصل بين الخير والشر، وتنتهي بدحر الشيطان وعودة العالم إلى ما كان عليه في البداية. ولقد ابتدأت مرحلة الفصل هذه بميلاد زرادشت، وسوف تنتهي بظهور مخلَّص العالم المدعو ساوشيانط (المسيح الدجال، المهدي المنتظر)، الذي سيقود المعركة الأخيرة الفاصلة بين قوى النور وقوى الظلام. سوف يولد المخلِّص من عذراء تحمل به عندما تنزل للاستحمام في بحيرة كانا سافا، حيث تتسرب إلى رحمها بذور زرادشت التي حفظها هناك الملائكة إلى هذا اليوم الموعود.
ويرتبط معتقد نهاية التاريخ ارتباطاً وثيقاً بمعتقد البعث والحساب والحياة الثانية. فبعد أن يودَع الميت في القبر، تمكث روحه عند رأسه ثلاثة أيام تتأمل في حسناتها وسيئاتها. وخلال ذلك يزورها ملائكة الرحمة ويواسونها إذا كانت من الأرواح الصالحة، أو ملائكة العذاب الذين يذيقونها عذاب القبر إذا كانت من الأرواح الشريرة(نكير و منكر). وفي اليوم الرابع تُساق الروح إلى جلسة الحساب، فتمثُل أمام ميترا قاضي العالم الآخر الذي يقف خلف ميزان الحساب، وعن يمينه وشماله مساعداه اللذان يقومان بوزن أعمال الميت، فيضعان حسناته في إحدى الكفتين وسيئاته في الكفة الأخرى، ليتوجه بعد ذلك إلى الفردوس أو إلى الجحيم عبر طريق يدعى بصراط المصير، وهو عبارة عن جسر يتسع أمام الروح الطيبة فتسير عليه الهوينى إلى الجهة الأخرى حيث بوابة الفردوس، ولكنه يضيق أمام الروح الشريرة فتتعثر وتسقط لتتلقفها نار الجحيم.فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية و أما من خفّت موازينه فأمه هاوية و ما أدراك ما هيه نار حامية
يتألف الجحيم من عدة طبقات يقع أسفلها في مركز الأرض، وكل طبقة تستقبل أهلها حسب فداحة ذنوبهم وتقدم لهم من صنوف العذاب ما يوازيها. أما السماء فتتصاعد على ثلاثة درجات تنتهي بالسماء العليا المدعوة نمارو ديمانا، أي مسكن الغناء، وهناك تقيم الروح في بَرَكة وسلام إلى يوم القيامة.مع ظهور المخلص تحل الأيام الأخيرة وتقترب الساعة. يوم تلفظ الأرض ما اُتخمت به من عظام الموتى، ويُفرغ الجحيم والفردوس من سكانهما ليعودوا إلى الحشر العظيم، حيث يلتقي من مات منذ آلاف السنين بمن بقي حياً إلى يوم الدينونة. عند ذلك يسلط الملائكة ناراً على الأرض تذيب معادن الجبال وتشكل نهراً من السائل الناري يرِده الجميع، فأما الأخيار فيعبرونه كمن يخوض في نهر حليب دافيء، وأما الأشرار فينجرفون في التيار الذي يفنيهم ويمحو عن الأرض أثرهم بعد عذاب أليم. وفي ذلك الوقت يكون جند الظلام قد اندحروا في المعركة الفاصلة مع جند النور واستؤصلت شأفتهم، فيغوص نهر النار إلى أعماق الجحيم حيث لجأ الشيطان أنجرا ماينيو ومن بقي معه، فيلتهمهم جميعاً ويتم التخلص من آخر بقايا الشر. كما أن الجحيم نفسه يتطهر مثلما تطهرت بقية أجزاء الكون، ويغدو إقليماً من أقاليم الأرض الزاهرة، التي تحولت إلى جنة يسكنها الصالحون خالدين فيها أبداً.
العبادات
كانت الديانة الأصلية التي أسس لها رزادشت ديانة بسيطة ولا تعتمد إلا القليل من الطقوس. فلقد دعا زرادشت أتباعه إلى خمس صلوات في اليوم، تقام عند الفجر والظهيرة والعصر والمغرب ومنتصف الليل. وتتخذ صلاتا الظهيرة ومنتصف الليل أهمية خاصة، لأن منتصف النهار هو الوقت الذي تكون فيه قوى النور في ذروة سيطرتها على العالم، أما منتصف الليل فهو الوقت الذي تكون فيه قوى الظلام في ذروة فعالياتها، فيقوم المؤمنون لإيقاد النار دعماً لقوى النور. ولترتيل الصلوات. وتسبق الصلاة عملية الوضوء التي تتضمن غسل الوجه واليدين والقدمين. بعد ذلك يقف المصلي منتصباً مسبل الذراعين في حضرة الله أهورا مزدا، ويتلو في صلاته مقاطع خاصة من أناشيد الغاثا القديمة المنسوبة إلى زرادشت.تتجلى بساطة الديانة الأصلية في غياب المعابد والهياكل والمذابح. وزرادشت نفسه لم يعنَ بتشييد أماكن خاصة للعبادة، لأن الله موجود في كل مكان ويمكن التوجه إليه في أي مكان طاهر. كما منع النبي صنع الصور والمنحوتات لأهورا مزدا الله وبقية الكائنات القدسية؛ لذا فقد خلت المراكز الحضرية للمملكة الأخمينية من المعابد الضخمة، وكانت الصلوات تقام في البيوت أو في أماكن مفرزة للعبادة في الهواء الطلق مزودة بموقد للنار المقدسة. ولكن الملك أردشير الثاني الذي حكم من عام 485- 425 ق.م، خرج على هذه التقاليد وكان أول من بنى المعابد الضخمة على الطريقة البابلية وزينها بصور للكائنات السماوية. ولكن فريقاً من الكهنة عارضوا هذا الإجراء وردوا عليه بإقامة معابد تتصدرها شعلة النار المقدسة بدلاً من تماثيل الآلهة، وبذلك ظهرت لأول مرة معابد النار في إيران، وأخذ أهل الديانات الأخرى يصفون الزرادشتيين بأنهم عبدة النار، في الوقت الذي لم تكن النار بالنسبة إليهم إلا رمزاً للألوهة المطلقة الخافية. ومع ظهور معابد النار نشأت طبقة جديدة من الكهان المتفرغين لطقوس النار عُرفت تاريخياً باسم ماجي، وباللغة اليونانية ماجوس التي استمدت منها التسمية العربية مجوس.
الواجب الخلقي
 على الإنسان أن يُعنى بأخيه الإنسان وببقية مخلوقات الأرض، لأنهم جميعاً صنعة الله الواحد. وعليه أن يرعى جسده وروحه في آنٍ معاً؛ وتتحقق رعاية الجسد من اتباع الفرد لقواعد النظافة والصحة العامة، والاعتدال في المأكل والمشرب وتجنب الإفراط في كل شيء؛ أما رعاية الروح فتتحقق من اتباع النظام الأخلاقي السليم الذي يتلخص في ثلاثة عناصر هي: 1- الفكر الحسن، فلا يتداول الفرد في عقله إلا الأفكار الطيبة ويُبعد عنه الأفكار الخبيثة. 2- القول الحسن، فلا يصدر عنه سوى الكلام الطيب. 3- العمل الحسن الذي يفيد به نفسه وأسرته ومجتمعه، ولا يبادر إلى أذية أي مخلوق.
 من خلال هذه الأخلاق يستطيع الإنسان أن يكافح الشر ويساعد القوى الإلهية الخيرة على دحر الشيطان ورهطه
.طقوس الموت:
تقوم طقوس الموت في الزرادشتية على نظرة النبي إلى الموت باعتباره ناتجاً من نواتج فعاليات الشيطان في العالم. فأجساد الأحياء تنتمي إلى الله أهورا مزدا، بينما تنتمي جثث الموتى إلى الشيطان. إن لمس أي جثة هو مصدر للنجاسة، وعلى من احتك بها أن يطهر نفسه بالماء كما في الإسلام؛ كما أن أي جزء مقتطع من الجسم الحي مثل قصاصات الأظافر أو قصاصات الشعر هو جزء ميت ويجب عدم الاحتكاك به. وجميع الحيوانات التي تتغذى على الجثث من النمل والذباب والكلاب والضباع وما إليها، هي حيوانات نجسة يجب قتلها أينما وجدت. من هنا فقد خضعت عملية دفن الموتى إلى طقوس خاصة يقوم بها اختصاصيون يعرفون كيف يطهرون أنفسهم بعدها. فقد كانت جثة الميت تسجى على مصطبة حجرية في منطقة نائية أو في سفح جبل، ولا يسمح لها بالاحتكاك بتربة الأرض كيلا تلوثها، وهناك تترك مكشوفة حتى تتحلل بالعوامل الطبيعية أو انقضاض الجوارح عليها. وبعد فترة كافية لتحلل الجسد تدفن العظام تحت التراب انتظاراً لبعثها في يوم القيامة.
قواعد الطهارة:
لم تضاه الزرادشتية قبلها أو بعدها ملَّة في الحفاظ على طهارة الجسم والمأكل والمشرب. ويأتي حرص الزرادشتي المبالغ به على النظافة من اعتقاده بأن الفساد والتحلل والعفونة وكل أنواع القذارة هي من عمل الشيطان. من هنا فإن النظافة والبُعد عن الاحتكاك بكل ما هو قذر وملوث هو شأن يعادل الصلاة والعمل الطيب، لأن في التزام قواعد الطهارة محاربة لقوى الشيطان. وبذلك يستطيع الإنسان المساهمة في محاربة الشر الكوني من خلال أدائه لأصغر واجباته اليومية.
التطور التاريخي:
بقيت تعاليم زرادشت التي بثها في أناشيد الغاثا لفترة طويلة بمثابة الإنجيل الذي يحفظ جوهر الدين ويجمع المؤمنين حول العقيدة. ولكن لغة هذه الأناشيد صارت قديمة بمرور الزمن، ودعا أسلوبها البليغ المختصر الكهنة إلى التوسط من أجل تبسيط أفكارها وشرحها للناس. وقد تراكمت هذه الشروحات تدريجياً حتى شكلت مصدراً آخر من مصادر الديانة الزرادشتية، وجُمعت تحت اسم الأفيستا؛ ثم تطلبت هذه المجموعة من الشروحات بدورها الشرح والتفسير فنشأ على هامشها كتاب الزند (القرآن) أفيستا، أي شرح وتعليق على الأفيستا. وقد لعب المجوس دوراً مهماً في تحرير وتطوير الأفيستا، ولكنهم أدخلوا تعديلات مهمة على أفكار زرادشت الأصلية، فبنوا لاهوتاً متكاملاً عن مجمع الملائكة ومجمع الشياطين، فصارت الملائكة التي تعمل تحت إمرة سبينتا ماينيوالروح القدس تُعد بالآلاف، وكذلك الشياطين التي تعمل تحت إمرة أنجرا ماينيو. كما تحول الأميشا سبينتا من قوى مجردة وغير مشخصة إلى كائنات إلهية لكل منها وظيفة محددة في نظام الكون والطبيعة، وصارت فروض العبادة والتقديس تقدم إليها بما هي كذلك.
 كما أدخل المجوس على العقيدة الأصلية تعديلاً جذرياً انحرف بها عن فكر زرادشت، عندما جعلوا أنجرا ماينيو الشيطان يقف على قدم المساواة مع الله أهورا مزدا، ونظروا إليهما كخصمين متصارعين منذ البدء؛ وبذلك تحول أهورا مزدا من إله يسمو فوق الروحين البدئيين المتنافسين إلى طرف مباشر في الثنوية الكونية.وفي عقيدة الزورفانية التي طورها فريق من المجوس، صار أهورا مزدا وأنجرا ماينيو (الذي يتخذ هنا اسم أهريمان) ابنين توأمين للإله الأعلى المدعو زورفان(الله أكبر)، أي الزمن. وقد عهد زورفان إلى أهورا مزدا بمهمة خلق العالم ليغدو مسرحاً للصراع المكشوف بين قوى الخير وقوى الشر، وحدد لصراعهما ردحاً معيناً من الزمن ينتهي بغلبة أهورا مزدا على خصمه أهريمان؛ وبقي بمثابة العلة الأولى والإطار الذي تجري ضمنه أحداث الكون. وقد تحولت هذه العقيدة من هرطقة تعيش على هامش زرادشتية الأفيستا إلى دين رسمي للدولة في عهد الأسرة الساسانية، حيث تحولت الزرادشتية في المراحل المتأخرة للتاريخ الإيراني القديم من ديانة عالمية تتوجه إلى جميع بني البشر إلى ديانة قومية خاصة بإيران. وهذا ما أضعف موقف الزرادشتية تجاه الديانات العالمية اللاحقة وهي المانوية والمسيحية والإسلام
اقتباس عن فارس السواح بتصرف

الخميس، 3 مايو 2012

سماحة الإسلام و نصارى نجران



حدثني بكر بن الهيثم قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن يونس بن يزيد الأيلى، عن الزهري قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم السيد والعاقب وافدا أهل نجران اليمن فسألاه الصلح. فصالحهما عن أهل نجران على ألفى حلة في صفر وألف حلة في رجب، ثمن كل حلة أوقية، والأوقية وزن أربعين درهما. فإن أدوا حلة بما فوق الأوقية حسب لهم فضل ذلك، وإن أدوها بما دون الأوقية أخذ منهم النقصان، وعلى أن يؤخذ منهم ما أعطوا من سلاحٍٍ أو خيلٍ أو ركابٍ أو عرضٍ من العروض بقيمته قصاصاً من الحلل، وعلى أن يضيفوا رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً فما دونه ولا يحبسوهم فوق شهر، وعلى أن عليهم عارية ثلاثين درعاً وثلاثين فرساً وثلاثين بعيراً إن كان باليمن كيد، وأن ما هلك من تلك العارية فالرسل ضامنون له حتى يردوه، وجعل لهم ذمة الله وعهده، وأن لا يفتنوا عن دينهم ومراتبهم فيه، ولا يحشروا ولا يعسروا. واشترط عليهم أن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به.

حدثني الحسين بن السود حدثنا وكيع قال: حدثنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن قال: جاء راهبا نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهما الاسلام فقالا: إنا قد أسلمنا قبلك. فقال كذبتما. يمنعكما من الاسلام ثلاث: أكلكما الخنزير، وعبادتكما الصليب، وقولكما لله ولد. قالا: فمن أبو عيسى؟ - قال الحسن: وكان صلى الله عليه وسلم لا يعجل حتى يأمره ربه - فأنزل الله تعالى: "ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم. إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. - إلى قوله - الكازبين". فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما، ثم دعاهما إلى المباهلة وأخذ بيد فاطمة والحسن والحسين. فقال أحدهما لصاحبه: اصعد الجبل ولا تباهله، فإنك إن باهلته بوءت باللعنة. قال: فما ترى؟ قال: أرى أن نعطيه الخراج ولا نباهله.

حدثني الحسين قال: حدثني يحيى بن آدم قال: أخذت نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجران من كتاب رجل عن الحسن بن صالح رحمه الله وهي: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب النبي رسول الله محمد لنجران إذ كان له عليهم حكمة في كل ثمرة وصفراء وبيضاء وسوداء ورقيق، فافضل عليهم وترك ذلك ألفى حلة حلل الأواقي. في كل رجب ألف حلة وفي كل صفر الف حلة. كل حلة أوقية، وما زادت حلل الخراج أو نقصت عن الأواقي فبالحساب، وما قضوا من درع أو خيل أو ركاب أو عرض أخذ منهم بالحساب، وعلى نجران مثواة رسلى شهراً فدونه، ولا يحبس رسلى فوق شهر، وعليهم عارية ثلاثين درعاً وثلاثين فرساً وثلاثين بعيراً، إ1ا كان كيد باليمن ذو مغدرة - أي إذا كان كيد بغدرٍ منهم - وما هلك مما أعاروا رسلى من خيل أو ركاب فهم ضمنٌ حتى يردوه إليهم. ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة. محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وغيرهم، وبعثهم، وأمثلتهم ، لا يغير ما كانوا عليه ولا يغير حق من حقوقهم وأمثلتهم، لا يفتن أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا واقهٌ من وقاهيته، على ماتحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم رهقٌ ولا دم جاهلية، ولا يحشرون ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيشٌ، من سأل منهم حقاً فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين بنجران، ومن أكل منهم رباً من ذى قبل فذمتى منه بريئة، ولا يؤخذ منهم رجلُ بظلم آخر ، ولهم على ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبي أبداً حتى يأتي أمر الله، ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم، غير مكلفين شيئاً بظلم". شهد أبو سفيان ابن حرب وغيلان بن عمرو ومالك بن عوف من بنى نصر والأقرع ابن حابس الحنظلي والمغيرة وكتب.

وقال يخيى بن آدم: وقد رأيت كتاباً في أيي النجرانيين كانت نسخته شبيه بهذه النسخة وفي أسفله " وكتب علي بن أوب طالب" ولا أدري ما أقول فيه.

قالوا: ولما استخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه حملهم على ذلك. فكتب لهم كتاباً على نحو كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصابوا الربا وكثروا. فخافهم على الإسلام فأجلاهم وكتب لهم: "أما بعد فمن وقعوا به من أهل السام والعراق فليوسعهم من حرث الأرض، وما اعتملوا من شيء فهو لهم مكان أرضهم باليمن".

فتفرقوا. فنزل بعضهم الشام، ونزل بعضهم النجرانية بناحية الكوفة، وبهم سميث.ودخل يهود نجران مع النصارى في الصلح، وكانوا كالأتباع لهم. فلما استخلف عثمان بن عفان كتب إلى الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو عامله على الكوفة: "أما بعد فإن العاقب والأسقف وسارة نجران أتوني بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأروني شرط عمر. وقد سالت عثمان بن حنيف عن ذلك فأنباني أنه كان بحث عن أمرهم فوجده ضاراً للدهاقين لردعهم عن ارضهم. وإني قد وضعت عنهم من جزيتهم مائتي حلة لوجه الله، وعقبى لهم من أرضهم. وإني أوصيك بهم فإنهم قوم لهم ذمة".

وسمعت بعض العلماء يذكر أن عمر كتب لهم: "أما بعد، فمن وقعوا به من أهل الشام والعراق فليوسعهم من حرث الأرض. وسمعت بعضهم يقول: من جريب الأرض"، وحدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي اقل: حدثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن اسماعيل بن حكيم، عن عمر بن عبد العزيز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: لا يبقين دينان في ارض العرب.فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجلى أهل نجران إلى النجرانية، واشترى عقاراتهم وأموالهم.

وحدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه، عن جده قال: سميت نجران اليمن بنجران بن زيد بن سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان.

وحدثني الحسين بن ألسود قال: حدثنا وكيع بن الجراح قال: حدثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: كان أهل نجران قد بلغوا أربعين ألفاً، فتحاسدوا بينهم، فأتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: أجلنا. وكان عمر قد خافهم على المسلمين، فاغتنمها فأجلاهم. فندموا بعد ذلك وأتوه فقالوا: أقلنا. فأبى ذلك. فلما قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتوه فقالوا: ننشدك خطك بيمينك، وشفاعتك لنا عند نبيك، إلا أقلتنا، فقال: إن عمر كان رشيد الأمر وأنا أكره خلافه.

وحدثني أبو مسعود الكوفي قال: حدثني محمد بن مروان والهيثم بن عدة، عن الكلبي أن صاحب النجرانية بالكوفة كان يبعث رسله إلى جميع من بالشام والنواحي من أهل نجران فيجبونهم مالاً يقسمه عليهم لإقامة الحلل. فلما ولى معاوية أو يزيد بن معاوية شكوا إليه تفرقهم وموت من مات وإسلام من أسلم منهم، وأحضروه كتاب عثمان بن عفان بما حطهم من الحلل، وقالوا: إنما ازددنا تقصاناً وضعفاً. فوضع عنهم مائتي حلة تتمة أربع مئة حلة.
فلما ولى الحجاج بن يوسف العراق وخرج ابن الاشعث عليه اتهم الدهاقين بموالاته واتهمهم معهم، فردهم إلى ألف وثمان مئة حلة، وأخذهم بحلل وشيٍ.

فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكوا إليه فناءهم ونقصانهم، وإلحاح الأعراب بالغارة عليهم، وتحميلهم إياهم المؤن المجحفة بهم، وظلم الحجاج إياهم. فأمر جزيةً على رؤوسهم وليس هو بصلح عن أرضيهم، وجزية الميت والمسلم ساقطة. فألزمهم مائتي حلة قيمتها ثمانية آلاف درهم.

فلما ولي يوسف بن عمر العراق في أيام الوليد بن يزيد ردهم إلى أمرهم الأول عصبيةً للحجاجز فلما استخلف أمير المؤمنين أبو العباس رحمه الله عمدوا إلى طريقه يوم ظهرٍ بالموفة، فألقوا فيه الريحان ونثروا عليه وهو منصرف إلى منزله من المسجد. فأعجبه ذلك من فعلهم، ثم إنهم رفعوا إليه في أمرهم وأعلموه قلتهم وما كان من عمر بن عبد العزيز ويوسف بن عمر، وقالوا: إن لنا نسباً في أخوالك بني الحارث بن كعب، وتكلم فيهم عبد الله بن الربيع الحارثي، وصدقهم الحجاج بن أرطاة فيما ادعوا، فردهم أبو العباس، صلوات الله عليه، إلى مائتي حلة قيمتها ثمانية آلاف درهم.
قال أبو مسعود: فلما استخلف الرشيد هارون أمير المؤمنين وشخص إلى الكوفة يريد الحج، رفعوا إليه في أمرهم، وشكوا تعنت العمال إياهم. فأمر فكتب لهم كتابٌ بالمائتي حلة قد رأيته. وأمر أن يعفوا من معاملة العمال، وأن يكون مؤداهم بيت المال بالحضرة.

حدثنا عمرو الناقد قال: أخبرنا عبد الله بن وهب المصري عن يوني بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري اقل: أنزلت في كفار قريش والعرب "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين لله" وأنزلت في أهل الكتاب "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، إلى قوله صاغرون" فكان أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران فيما علمنا، ومانو نصارى، ثم أعطى أهل أيلة وأذرح وأهل أذرعات الجزية في غزوة تبوك.