الاثنين، 12 أغسطس 2013

القرآن المكي و سجع الكهان

«يمكن أن نلحظ من خلال آيات القرآن التي تنتمي إلى الفترة المكية الأولى تشنجَ النبي المثير، والذي غالباً ما كان يعبر عن نفسه باتقاد شديد. كان يُؤخذ بانفعالاته لدرجة تمنعه من اصطفاء كلماته؛ أو بالأحرى كانت تلك الكلمات تنفجر منه. إن العديد من هذه الآيات يذكرنا بوحي الكهّان الوثنيين القدماء...» 


 ثيودور نولدكه(1)

 تمهيد:

 تقول زبراء: «واللّيل الغاسق/ واللّوح الخافق/ والصباح الشارق/ والنجم الطارق/ والمزن الوادق/...(2)»، ويقول محمّد في القرآن: «والسماء والطارق/ وما أدراك ما الطارق/ النجم الثاقب/...فلينظر الإنسان مما خلق/ خلق من ماء دافق...» [الطارق: 1-3]. بينما نجد أنّ النص الأول ينطلق من موقع "الكهانة" الأنثوي، نجد أنّ النص الثاني ينطلق من موقع "النبوة" الذكري(3). وبغض النظر الآن عن التقاطع في اشتراك النصين في استعمال مفردات محددة ونفسها عند محمّد والكاهنة زبراء، فإنّنا هنا مع هذين النصين أمام مستويين:

 الأول: مستوى الشكل الذي صيغت به مفردات النصين، أي الشكل السجعي.

 أما المستوى الثاني: التداخل بين النصين على مستوى المضمون، أي تداخل النص المحمدي مع النص الكهاني من الناحية الليتوروجية (الشعائرية) والعقائدية: الكاهنة زبراء تبدأ خطابها بالقَسَم باللوح، الليل، النجم الطارق، وكذلك محمد يبدأ خطابه بالقسم بالسماء، النجم الطارق، والذي يوضحه بأنه النجم الثاقب. هذان المستويان، هما ما ستحاول هذه العجالة درسهما: النصّ الكهاني وتقاطعه مع النصّ المحمدي، وخاصة في بواكيره المكّية.

إذا كان الجزء الأول من هذا المقال سيكون انشغاله منصباً على تحديد مفهوم السجع وضرورته، بوصفه العصب الرئيسي لكينونة أسلوب القرآن، ومدى تقاطع هذا مع أساليب الكهان، فإنّ الجزء الثاني سيناقش بعضاً من هذه الأساليب الكهانية السجعية، وتحديداً الأقسام الوثنية (الأيمان الكهانية الوثنية
التي سيطرت على خطاب محمد الباكر في قرآنه المكي، كما هو الحال في خطابات الكهان.

أما الجزء الثالث، فإنه سيُعنى بمناقشة نتائج ما سيُدرس تالياً (السجع والوحي الكهانيّان على وجه الخصوص)، لذا سيبدأ مناقشته بطرح تساؤل: محمد: نبي أم كاهن؟ تأسيساً على ما سندرسه لاحقاً. 

ليس من حاجة إلى تأكيد أنّ القرآن قد تشكل ضمن سياق الثقافة التي كانت سائدة مع مستهل القرن السابع الميلادي. وهكذا، لا بد أن يتسم القرآن بخصوصيات اللغة التي حضنته سواء من حيث الشكل اللغوي أو الوظائف الاجتماعية للغة، زائداً عليها الاستحقاقات التاريخية والاقتصادية والسياسية...الخ.

فلا يمكننا أن نفهم الخطاب المحمدي في بواكيره إلا من خلال "الشيفرة"، أي المستوى اللغوي، الذي تشكل من خلالها الخطاب، وبالتالي النص، والذي سيقوم بدوره بنقل المحددات الليتوروجية والعقائدية للثقافة (الحاضن الرئيسي) التي أولدته للوجود، ككائن يعبر عن نسيج علاقاتي منظم للبراكسيس الاجتماعيّ (ماركس)، وذلك بواسطة الناقل لها، أي محمّد. وإذا كان هذا الكلام يبدو أنه مشروع ضخم في الكشف عن استحقاقاته –وهو كذلك- فإننا سنكتفي تالياً وبنحو سريع بعض الشيء، بالمستوى اللغوي السجعي الكهاني ودرس التقاطعات المفصلية بينه وبين بعض الخطاب المحمديّ.

لم يقف مكر التأسيس للخطاب الإسلامي بإقامة التفاضل بين الموقعين لصالح النص الذكري المحمدي الثاني، بل النص الكهاني الأول ينتمي إلى "الهامش" الجاهلي (الذي توحي به الشياطين)، في حين أن النص الثاني ينتمي إلى "المتن" المحمّدي (والذي توحي به الآلهة)!. إن درس العلاقة بين النصين، أو التشابك الدلالي وقوة التناص يينهما هو ما سيحدد لنا –على الأقل، على مستوى شكل الخطاب- مدى التداخل بين الموقعين، أي تداخل الكهانة مع النبوة، ولكن دائماً في السياق العربي، وهو السياق الذي ألزمت فيه هذه المقالة نفسها الخوض فيه. ولكي أكون أكثر وضوحاً، ستحاول هذه العجالة قدر الإمكان إعادة الاعتبار من الناحية النقدية إلى النص الهامشي، أو بالأحرى النص السجعي، والمخصيّ بفعل سلطة النص الإسلامي ومن ثم درس قوته التي كانت أحد المناهل المحمدية في مكة. وحينما نستخدم كلمة تداخل، نعني بوجه آخر زحزحة أو خلخلة المفهوم الذي استقر في الثيولوجيا الإسلامية بما يخص القطع الإيديولوجي الماكر بين مرحلتين:

المرحلة المحمدية و المرحلة الما قبل محمّديّة (الجاهلية وفق المفهوم القرآني).
إلا أنّ المكر الإسلامي ومعه بعض الخطابات الحديثة لم يقف الأمر عندهم عند هذا الحد في عملية إقصاء النص الماقبل محمدي، فالآن تستخدم بعض الدراسات الحديثة مصطلح "النص التأسيسي" للإشارة إلى القرآن، وذلك في مقابل استخدام مصطلح "النصوص الثانوية" الأخرى التي نمت عبر التاريخ الإسلامي مثل نصوص الفقه والتفسير والحديث...الخ، بينما نجد أن النصوص الأدبية الأخرى وحتى النصوص الليتورجية، وخاصة الكهانية ما زالت عندهم في حكم الغائب والمهمش لصالح النص القرآني، الذي دائماً ما يكون التركيز عليه فقط؛ وهذا يعتبر بحد ذاته إقصاء للاستحقاق التاريخي للنص. لا وبل الأنكى من ذلك، أن يُحاكم النص الكهاني بمعيار الصحة والخطأ، حدوثه أو عدم حدوثه...الخ، الأمر الذي أدى بالنص الكهاني أن يغدو بمثابة النص الممزق، النص الهامشي، النص المخصي، النص الذي أوحت به شياطين العرب! وهذا مع تجاهل شبه تام أنّ كلا النصين يعبر عن وضع مخيالي لثقافة العربي حينها، سواء نطق به النص المحمدي أو غير المحمدي.

 سيجيب محمد شعبَ قريش حينما يتهمونه بالكهانة، بأن خطابه القرآني ليس: «بقول كاهن» [الحاقة69: 42]. حسناً، هل انتهت المشكلة بهذا النفي؟ ما هي القيمة المعرفية والتاريخية لهذا الإنكار؟ بمعنى آخر كيف نتعامل نقدياً مع مثل هكذا نص جدالي (مماحكة بين طرفين)؟ وهل يشكل النص القرآني هنا "وثيقة تاريخية" يمكن الركون إليها والاطمئنان إلى نتائجها بأن محمداً ليس كاهناً؟ هل لمجرد أن ينفي الإنسان عنه تهمة ما، أن يصبح معفياً من استحقاق الاتهام(4)؟ نعم، يعتبر هذا النص وثيقة تاريخية مهمة (ولكن ليس بالمعنى الكامل) في قراءة نفي محمد عنه تهمة الكهانة، ولكن إلى أي مدى يمكن الاطمئنان إلى حجية هذا النفي، وخاصة حينما يتموضع خطابه القرآني بنحو تاريخي؟ هنا تكمن مهمة النقد التاريخي والفيلولوجي في مقاربة وتحليل النصوص.

لا بد أن نعلم أنّ الخطاب يحمل دائماً وجهاً مزيفاً، والنقد التاريخي لا يكتفي بالأوصاف أو النتائج التي يحاول الخطاب أو صاحب الخطاب أن يفرضها على المتلقي. إنَّ من مهمته أن يحفر في هذا الخطاب، ويستجلي أبعاده التاريخية القارة في بنيته من الداخل على ضوء النافذة السوسيولوجية والتاريخية التي مارسها الخطاب داخلها.

ما ينبغي التشديد عليه ونحن نقرأ بواكير الخطاب المحمدي في المراحل المكية الأولى، أنه لم يُشر ولا في أي سورة إلى الأصل الإلهي لقرآنه، بخلاف المنطق الاعتيادي الذي يقتضي أولاً الإشارة إلى أصل الخطاب، ومن ثم الشروع به. وهذه الناحية لم ينتبه إليها إلا القليل من المستتشرقين (ويلش مثلاً). يستمر هذا الوضع تقريباً إلى ما بعد حدث الآيات الإبليسية، فهناك تبدأ الإشارة إلى أن محمداً بدأ يمتلك أو يتخيل رؤى من آلهة ما (انظر أوائل سورة النجم) حوالي سنة /614 أو 615م. وهذا عائد إلى غموض تصور الآلهة عند محمد، أو حتى العالم الماورائي بشكل عام. لن تكون الآلهة هي المتكلم، بل محمد نفسه هو المتكلم، وإذا ما أشير إلى الآلهة، فإنه سيشار إليها لا بصيغة «الله»، وإنما بصيغة الرب(5)، ومن جهة أخرى هذا عائد أيضاً إلى التخبط في تصور الآلهة عند عرب محمد، كما سنلاحظ هذه النقطة في موضوعنا الحالي عند الكهنة وهم يبدعون سجعهم.

 أحب في البداية أن أشير إلى نقطة هامة، وهي أننا لا نملك تاريخاً دقيقاً لبداية الخطاب المحمدي القرآني في مكة. ما نملكه هو مجرد رقم أسطوري، يتبناه إلى الآن الخطاب الإسلامي الأورثوذوكسي (أي: سنّه "أربعون")، وكان محمد قد اقتبسه من اليهود في يثرب. إلى إي مدى يعتبر كلام محمد دقيقاً من الناحية التاريخية حينما يصرح أنه ابتدأ وحيه عندما كان عمره أربعين؟. أعتقد أنه لا بد من نقد هذا الرقم الأسطوري الذي اقتبسه واعتقد به. لقد اتفق معظم الإسلاميين (ومعهم بعض النقاد المعاصرين) أن "الأنبياء يُبعثون على رأس أربعين"، ومحمد ليس استثناء من ذلك، فقد بعث هو الآخر حينما كان عمره أربعين سنة!. وتبدو هذه الفرضية الإسلامية شبه متفق عليها. لكن التمحيص فيها قليلاً، سيثير شكوكاً صريحة بها، فلا يصح بالتالي أخذها كـ حقيقة مطلقة. طبعاً الرقم أربعون مثله مثل الأرقام الأسطورية والخرافية الأخرى التي اكتسبت عند الساميين مرتبة مقدسة كـ الرقم سبعة، سبعين، تسعة وتسعين...الخ (غالباً ما تكون هذه الأرقام مفردة لا زوجية). إذن، لا يمكن إخراج الرقم أربعين من ضمن لائحة الأرقام هذه، والتي تحمل ظلالاً ساميّة مقدسة. يقول الرب في العهد القديم: «لأني بعد سبعة أيام أُمطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة» [التكوين7: الإصحاح السابع]. وكذا: «وكان إسحق ابن أربعين سنة لما اتخذ لنفسه زوجة» [التكوين25: الإصحاح الخامس والعشرون]. ولا يقف الأمر عند هذا، فكما أوحي لموسى وهو ابن أربعين سنة، كذلك سيستعيد محمد الشبق المقدس لهذه الأسطورة. هكذا يكون الناس في حالة من الجاهلية وهم يحملون ذنوبهم إلى أن يظهر الرب لموسى بكلامه:

«تحملون ذنوبكم أربعين سنة فتعرفون ابتعادي، أنا الرب قد تكلمت»! [العدد14: 34-35]. من هنا ندرك دلالة إشارة محمد، إلى أنه قبل أن تظهر له أرواح الرب على الجبل (حراء)، كان العالم أيضاً في جاهلية وضلالة، إلى أن نطق الرب له على لسان الأرواح: إقرأ. وهكذا موسى: «ففي السنة الأربعين كلم موسى بني إسرائيل ... حسب كل ما أوصاه الرب إليهم» [التثنية1: الإصحاح الأول:4]. وهكذا أيضاً سيخرج محمد من مغارته حراء ليبدأ خطابه الإيسكاتولوجي
 وببشارة الرب وبغضبه على أهل مكة، إذا هم لم ينصاعوا له...الخ.

 وإضافة إلى ذلك، يمكن أن نلحظ تخبط الإسلاميين أيضاً بهوية ناقل الوحي إلى محمد، وفي أي سنة؟ الأربعين أم في الثالثة والأربعين؟ ثم ومن هو هذا الوسيط السماوي: إسرافيل أم جبرائيل؟ يقول الإمام الحلبي: "واعترض عليه بعضهم بأن إسرافيل كان سفيراً بين الله وبينه . فعن الشعبي أنه جاءته النبوة وهو ابن أربعين سنة، وقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، وفي لفظ عنه: فلما مضت ثلاث سنين تولى عنه إسرافيل وقرن به جبريل(6)"! هذا الشك والتخبط يمتد إلى الأمام أيضاً: "وقد تقدم أن إسرافيل قرن به قبل النبوة ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه، يعلمه الشيء بعد الشيء إلى آخره، وحينئذ يلزم أن يكون قرن به بعد النبوة ثلاث سنين أيضاً" (الحلبي: مرجع سابق).

 السجع بوصفه أداة الكاهن في إيصال فكرته:

 «قيل لعبد الصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي: لم تؤثر السجع على المنثور، وتلزم نفسك القوافي وإقامة الوزن؟ قال: إن كلامي لو كنت لا آمل فيه إلا سماع الشاهد لقلّ خلافي عليك، ولكني أريد الغائب والحاضر، والراهن والغابر؛ فالحفظ إليه أسرع، والآذان لسماعه أنشط؛ وهو أحق بالتقييد وبقلّة التَّفلُّت، وما تكلمت به العرب مِن جيِّد المنثور، أكثرُ ممّا تكلمت به من جيِّد الموزون، فلم يُحفظْ من المنثور عُشرُه، ولا ضاع من الموزون عُشره(7)». في الواقع ما زال العرب إلى الآن يفضلون الكلام المسجوع على المنثور، ويتنغمون بالمسجع وبسحر الكلمة(8). وإضافة إلى أنّ الموزون من القصائد يُسهّل على الذاكرة تثبيتها (كما أقرت حديثاً نظريات علم النفس)؛ لذلك نرى أنه كان في القديم وحتى إلى أوقاتنا الحالية في الجامعات والمعاهد الدينية، (وخاصة في بلاد المغرب)، يلجؤون من أجل الحفظ في الذاكرة، إلى صياغة المواضيع المبتغاة بشكل مقفى يلتزم نمطاً غنائياً وإنشادياً على قافية واحدة (انظر مثلاً "ألفية السيوطي" في السيرة النبوية و"ألفية ابن مالك" في النحو و"جوهرة التوحيد" في العقيدة....الخ). لكن لا بد أن نعلم إضافة إلى ذلك، أنّ هذا النمط هو بالأساس عنصر من عناصر الثقافة الشفاهية، وهذه الثقافة هي التي تشكل القرآن خلالها. ولا يجب أن يغيب عن ذهننا في ظلّ ثقافة العرب الشفاهيّة عدم اهتمام البدو العرب بالأصل بالكتابة (9)، بل وحتى بعد ظهور الإسلام. فقديماً وبسبب غياب الكتابة كان يُلجأ إلى تقفية النثر وتسجيعه لكي تسهل عملية حفظه، إلا أن هذا أصبح الاتجاه السائد والمسيطر، مما أدى تالياً على ما يبدو إلى احتقار الكتابة، ومن هنا نلمس تسفيه الجاحظ للكتابة: "ولو كانت الكتابة شريفة والخطُّ فضيلة كان أحقّ الخلق بها رسول الله (ص)، وكان أولى الناس ببلوغ الغاية فيها ساداتهم وذووا القدر والشرف فيهم. ولكن الله منع نبيه (ص) ذلك، وجعل الخطَّ فيه دنيَّة (سافلة)، وصدَّ العِلْم به عن النبوة" [كتاب "ذم أخلاق الكتّاب"]، أو ما يروى عن افتخار محمد بنفسه وأمته: "إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب.. (10) "!!

سجع الكهان هو واحد من بين أحد المنتوجات الأربعة للثقافة الشفاهية قبيل الإسلام، إلى جانب الشعر والخُطب والقصّ(11). وإذا شئنا تعريفه بدقة كما يقول ابن الأثير في كتابه "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" «وحده أن يقال: تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد(12)»، أي على قافية واحدة (أو قرينة السجع).

وكلمة سجع لها أصول سومرية شيغو
(في الأكادية والعبرية
["س ج ع" أو "ش ج ع"](13)).
 ويرى المستشرق إيغناس غولدتسير أن السجع هو الشكل الشعري الأقدم عند العرب(14)، وفي رأي آخر لغولدتسير أننا: «إذا درسنا أول الشعر العبراني، أو أوليات الشعر عند الشعوب السامية، وعند الشعوب الآريّة، أنه نمط من أنماط هذا الكلام الذي نسميه "السجع". وهو لا زال يعد شعراً عند كثير من شعوب هذا اليوم(15)»، وهذا ما يعبر عنه غالباً بالرجز، والذي من المحتمل كما أكد البعض أنه يعتبر شكل الخطاب الأقدم، ليس عند العرب فقط، بل في الكتابات الأوغاريتية والعبرية أو السامية بشكل عام. لكن ثمة أيضاً إشارة مهمة قد أشار إليها أيضاً "توفيق فهد" بارتباط الرجز والسجع قديماً بالحالة التي كنا قد أتينا عليها سابقاً بدخول محمد بحالات إغماء ورعدة أثناء الوحي، وكذلك أيضاً: «كان الرجز والسجع بالأصل ينطلقان تقريباً من نفس الفكرة من حالة الانخطاف أو النشوة... وتدريجياً بدأ الرجز يأخذ مكانة خاصة، كما هو الكلام الذي ينشد في الحروب. وهكذا بدأ الرجز تدريجياً ينفصل من وظائف الكاهن ويقترب من الشاعر... وفي هذا المعنى يمكن القول أن الرجز هو الأصل الدنيوي للشعر، بينما بقي السجع أسلوب تعبير الرائي أو الكاهن(16)».

والجمل تكون في السجع: «مصاغة بنحو قصير، بمصطلحات مسجوعة (مقفاة) وإيقاعات موزونة Rhythmical Cadences
 مع استخدام مفردات مبهمة ومهملة ومحيرة وأسطورية(17)». ونحن نعلم ارتباط السجع بالكهان منذ القدم، والتي توحي به القوى الإلهية. فالسجع إذن هو من إنتاج الآلهة وقواها.

 كان العربي، والشرقي بشكل عام وخاصة إذا كان شاعراً أو كاهناً، لا يستطيع الاعتقاد أنّ كلماته التي ينطق بها تأتيه من نفسه. لا بد أنه هناك قوى توحي له بها. وقد أشار مرة بحق المستشرق "ماكدونالد" لهذا، حيث يقول: "إن الشاعر الشرقي لا يستطيع أن يخلص نفسه من اعتقاد أن كلماته تأتيه من لا شيء، فتعبيره هو موحى به، وليس من عمل كتاب(18)". وحتى الشاعر "جرير" لا يستطيع أن يتكلم الشعر بدون الاستعانة بالجنّ، حيث كان مرة -كما يروي الأصفهاني في الأغاني- ملزماً بالإجابة على إحدى القصائد، فمكث ليلته يجتهد لقول الشعر ولكن دون جدوى، وإذ بـ أحد الجن يهتف له من زاوية البيت ويقول له (والكلام على لسان الجني لجرير): "أزعمت أنك تقول الشعر؟ ما هو إلا أن غبت عنك ليلة حتى لم تحسن أن تقول شيئاً". طبعاً هذا الاعتقاد كما ذكرت لا يستطيع الشاعر في شعره أو الكاهن في سجعه أن يتخلص منه (19). وهذا هو في الواقع الاعتقاد نفسه الذي لم يستطع محمد التخلص منه، فليس القرآن فقط من قول الآلهة ووحيها، بل أيضاً كل أحاديثه التي نطق بها هي وحي، كما شدد على ذلك الشافعي في "الرسالة".

ويشترط بالسجع أمور كثيرة حتى يؤدي مقصوده في أذن السامع، منها أن يكون قوياً في سبك جمله، الإيقاع الغنائي متجانس، ومقفى بشكل قوي، وغالباً ما تكون المفردات كما أشرنا غامضة، وهذا له دور كبير في سحر السامع وإيقاعه في إبهام في حلّ غموض الكاهن، (وهذه الحالة ستتكرر كثيراً في القرآن كما سيأتي) أو كما يقول الحوفي: «قد يلجأ السجاعون إلى نوع من الغموض فيحملون الكلمة أو الجملة عدة معان، ليذهب السامعون في فهمها كل مذهب(20)»، أو مثلاً لجوء الكاهن إلى تركيب الجملة بشكل يوقع المستمع في التلعثم بالجملة وصعوبة حلّ لغزها، كما أورد الجاحظ مثلاً نقلاً عن لسان الجن: «قالوا: وقالت الجن:

 وقَبْرُ حَرْبٍ بمكانٍ قفر ... وليس قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ

 قالوا: ومن الدَّليل على ذلك، وعلى أنَّ هذين البيتين(21) من أشعار الجن، أن أحداً لا يستطيع أن ينشدَهما ثلاث مراتٍ متصلة، لا يَتتَعْتع فيها، وهو يستطيع أن يُنشد أثْقل شعر في الأرض وأشقَّه عشْر مرّات ولا يَتَعْتَعُ. (22)». 

لا بد من الإشارة قبل أن نكمل، إلى القول أن المجتمع العربي في الأصل مجتمع فوضوي غير منظم (وما زال)، وإن اتخذ أشكال تجمعات اجتماعية (مثل القبيلة والعشيرة)، لكن تبقى هذه التجمعات في إطار مشتت غير موحد، وهذا ما سينعكس على وجود معابد أيضاً مشتتة، وبالتالي تشتت تواجد كهنة لهذه المعابد. أقول هذا الكلام لأنه إذا كان الكاهن في المجتمعات القديمة المنظمة "دولتياً" (كما كان الحال عند مجتمعات الإغريق، فهد) لا يستطيع أن ينطق بوحي السجع خارج البانثيون، فإن الكاهن في البلاد العربية إضافة إلى تشتت المعابد، كان حرّا غير مرتبط بمعبد مخصوص (إلا في حالات نادرة جداً كما يروى عن سكن بعض الكهنة في المعبد المكي- بيت إيل [الذي تحول إلى بيت الله مع محمد اليثربي]). فالكاهن يستطيع أن يستنطق سجع السماء، متى حلت فيه قواها، وفي أي مكان كان.

هذا الوضع امتد مع محمّد في الإسلام، فهو أيضاً يستطيع أن يستنطق السماء في أي مكان أو زمان، وإن اشتهر عليه بأن وحيه كان أكثره في الليل كما أكد على ذلك نولدكه. فلا يشترط استنطاق السماء بمكان مقدس كما كان في السابق وفي مناطق أخرى؛ كيف لا، وقد حول محمد الأرض كلها إلى مسجد وطهور!. ومن جهة أخرى، إننا سنلحظ أن محمداً كان يدرك ارتباط السجع بالكهان وتنكره لهم. فمرة ردد أمامه النابغة الهذلي جملة مسجوعة في حادثة الدية: "كَيْفَ أَغْرَمُ من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا اسْتَهَلَّ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ" فرد عليه محمد: «"إنما هذا من إخوان الكهان"، من أجل سجعه الذي سجع (23)». أما ماذا عن محمد ذاته؟ ماذا عن خطابه القرآني؟ هذا ما سنأتي عليه الآن. 

السجع: هو العمود الفقري لأسلوب القرآن. لماذا يتنكر الإسلاميون له؟

إلى أي مدى يمكن أن نقرّ بنتائج الدراسات الحديثة التي تذهب إلى أن القرآن قد تشكل في معظمه تقريباً على نحو سجعي؟. الدراسات الحديثة ترى أنه تقريباً 86% (24) من آيات القرآن قد أتى مسجوعاً. وفي الواقع لقد غلب على الخطاب القرآني التشكل من ناحية أسلوبية من حيث شكل الجملة وبنائها وسردها بنحو سجعي، وهذا الوضع ليس ملفتاً بحد ذاته لأي قارئ من بعيد لخطاب محمد، لكن تصل الدرجة ببعض الإسلاميين أن يكفّر إذا قال أحدنا أن أسلوبه استعار من أسلوب البشر (وخاصة مع أساليب الكهان) والحجة في هذا التخبط أن أصل الخطاب -وهو الله- لا يمكن أن يشابه بأسلوبه أحد. لكن، إنَّ قراءة مدققة للخطاب القرآني المكي ستكشف أن هذه الإدعاءات إنْ هي إلا تهويمات لاهوتية، هدفها الدفاع عن نبوءة أو نبوة محمد وإن كان ذلك على حساب النقدي العلمي والتاريخي. 

يسيطر السجع بنحو شديد على الخطاب القرآني المكي، حتى تكاد لا تخلو سورة منه إلا وقد صيغت بنحو سجعي وخاصة في بداية السور المكية مع استخدام محمد الأقسام الوثنية الكهانية (سيبحث الجزء الثاني موضوع القَسَم القرآني الوثني): «وَالصَّافَّاتِ صَفًّا/ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ» [الصافات: 1-4]. وأيضاً ما اشتهر على لسان مسيلمة: «والمبذرات زرعاً/ والحاصدات حصداً/ والذاريات قمحاً/..(25)»، وهذا ما سيذكر بسورة النازعات في القرآن على لسان محمد هذه المرة: «والنازعات غرقاً/ والناشطات نشطاً/ والسابحات سبحاً...» [النازعات: 1-3، وانظر السجع القوي في بقية السورة حتى آية 14]. وبنفس هذا السجع نقرأ أيضاً: «وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا/ فالحاملات وِقْرًا/ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا/ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا/ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ/ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [الذاريات: 1-6]. وكذا نقرأ سجعاً قريباً من هذا في سورة المرسلات: « وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا/ فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا/ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا/ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا/ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا/ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا» [المرسلات: 1-7] (26).

سندرك لاحقاً أنه ثمة في الواقع اتجاهات نقدية في التراث لم تستطع الهرب من الإقرار بوجود السجع في القرآن كما يقول ابن الأثير: «فإنه قد أتى [أي القرآن] منه بالكثير». لكن قبل أن أستعرض هذه الرؤى النقدية، أود أن أشير سريعاً إلى الرأي الإسلامي السائد، والمتفق عليه بين الكل تقريباً حول هذه المسألة.

نحن نعلم أن الاتجاه الإسلامي المسيطر قد أنكر أن القرآن مصوغ بنحو سجعي. وفي الحقيقة هذا هو الرأي الذي استقر عليه الآن الخطاب الديني، وخاصة منه الخطاب السني؛ وليس هذا فقط، بل إنهم يتشددون بأن القرآن لا يحتوي أبداً أيَّ شكل سجعي. وهذا بخلاف الفرق الأخرى كالمعتزلة الذين أقروا بوجود السجع وخاصة إبراهيم بن سيّار النظّام، لا بل: «إنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه [أي العرب في تحدّيه] ضرباً من الصرف(27)». (اشتهر هذا عند المعتزلة بـ "الصرفة"). وأشهر من قال بنفي السجع عن القرآن، الأشعريُّ والباقلاني الذي يقول: «ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز ولو جاز أن يقولوا: هو سجع معجز، لجاز أن يقولوا: شعر معجز(28)». ولا يخفى علينا مثل هذه الأقوال من بساطة نقدية تعبر عن المستوى المتهافت الذي استقرت عليه كتب التراث. فمثل كتب الإعجاز (سواء للباقلاني أو للجرجاني...) لم تكتب أصلاً من أجل درس القرآن من ناحية نقدية، بقدر ما كان الهدف منها أولاً وأخيراً الدفاع عن إعجاز القرآن المسلّم به سلفاً. إن همّ الباقلاني الرئيسي هو الدفاع عن القرآن، وهنا في سياقنا:

إبعاد القرآن عن تهمة السجع، وبالتالي عن تهمة الكهانة، وبالتالي إبعاد نبوة محمد عن هذه الميادين، ولو كان ذلك بنحو متعسف ومبتذل، كما يقول-أي الباقلاني- مثلاً: «وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر؟ لأن الكهانة تنافى النبوات(29)». إذن المسألة هنا هي مسألة كهانة وسجع الكهان، وليس درس الخطاب القرآني نقدياً. وحتى إذا أرادوا معالجة المسألة ولو بنحو بسيط سيصلون إلى هذه النتيجة في نفي السجع عن القرآن: «لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدّي السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع، لأن اللفظ يقع فيه تاليا للمعنى» (مرجع سابق: ص84). وهذا في الواقع –كما عبرنا عن ذلك- هو نفسه التهافت المتهالك الذي ما زال عليه الخطاب الديني المعاصر إلى الآن؛ وليس هذا فقط، بل بشكل رجعي ومتخلف ومجمع عليه من أقصى الخطاب السني الأورثوذوكسي الحالي إلى أقصاه. لماذا أقول هذا الكلام؟ لأننا إذا بحثنا عميقاً هذه المسألة عند التراثيين نجد أنهم في الحقيقة لم يتفقوا فيما بينهم على احتواء القرآن على السجع أم لا(30). وهذا ما يعمي عليه الخطاب الديني. وسأستعرض سريعاً بعضاً من هذه الأمثلة (وهي سنية في الواقع) والتي أقرت بسجع القرآن أو بتواجده فيه.

ثمة مثالان في هذا السياق، هما ضياء الدين بن الأثير (558-637هـ / 1239م) في كتابه "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، ومن ثم أحمد بن علي القلقشندي (756-821 هـ / 1418م) في كتابه المشهور: "صبح الأعشى في صناعة الإنشا". حيث يتهم ابن الأثير بداية، بالعجز لمن يتنكر للسجع أو يذمه، لذلك يذمه لأنه لا يستطيع أن يقوم به، يقول ابن الأثير: «ولا أرى ذلك وجهاً سوى عجزهم أن يأتوا به». لماذا؟ يكمل ابن الأثير: «وإلا فلو كان مذموماً لما ورد في القرآن الكريم، فإنه قد أتى منه بالكثير». وليس هذا فقط، بل ربما من المحتمل أن تأتي سورة القرآن كلها مسجوعة، كما هو الحال مع سورة الرحمن المسجوعة في معظم آياتها (فان.. تكذبان..يبغيان.. ريحان..الخ)، أو في سورة القمر المسجوعة على الراء: (مذّكر.. نذر.. مستمر..منقعر...الخ) وهذا بالضبط ما أكد عليه ابن الأثير بنظرة نقدية تحسب له، خلافاً للاتجاهات التراثية السائدة، حيث يقول هو: «حتى إنه ليؤتى بالسورة جميعها مسجوعة، كسورة الرحمن، وسورة القمر، وغيرهما». 

النقطة الأخرى، ربّما، لا تأتي سورة القرآن مسجوعة كلها على حرف واحد، بل من المحتمل أن تختلط فيها أجناس أدبية متعددة. لكن من المهم أن نعلم أنه لم تخلُ سورة من القرآن إلا وفيها أشكال سجعية متعددة. وقد انتبه إلى هذا ابن الأثير: «وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور، فمن ذلك قوله تعالى: "إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً .... وكذلك قوله تعالى في سورة ق: "بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمرٍ مريج/ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج/ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوجٍ بهيج». طبعاً لا نستطيع أن نأتي بالأمثلة كلها التي يوردها ابن الأثير على سجع القرآن. لذلك سيغدو كلام الجاحظ حينما يتنكر للسجع ووروده في القرآن، هو من قبيل الدكتاتورية السلفية، التي لم يكن همها فقط إلا الدفاع عن القرآن والقفز فوق المنطق، وخاصة حينما يقرّ أن القرآن خالف: «جميعَ الكلام الموزونِ والمنثور، وهو منثور غير مقفّى على مخارج الأشعار والأسجاع.. صار نظمُه من أعظم البرهان، وتأليفه من أكبر الحجج(31)».

طبعاً السجع ليس موجوداً في القرآن فقط، بل حتى في أحاديث محمد نفسه: «وقد ورد على هذا الأسلوب من كلام النبي (ص) شيء كثير أيضاً:».

إنّ محمداً على ما يبدو لم يكن يجد حرجاً في تغيير شكل الكلمة وبنيتها الصرفية. لماذا؟ لكي تتناسب مع قرينة السجع، كما يورد ابن الأثير نقلاً عن لسان محمد في سجعه: « قد نطق به [أي محمد] في كثير من كلامه، حتى إنه غيَّر الكلمة عن وجهها إتباعاً لها بأخواتها من أجل السجع، فقال لابن ابنته عليهما السلام أعيذه من الهامة والسامة وكل عينٍ لامة " وإنما أراد ملمة، لأن الأصل فيها من ألم فهو ملم، وكذلك قوله "ارجعن مأزوراتٍ غير مأجورات" وإنما أراد موزورات من الوزر، فقال: " مأزورات " لمكان مأجورات، طلباً للتوازن والسجع، وهذا مما يدلك على فضيلة السجع(32)». وفي الحقيقة روي الكثير عن أسجاع محمد كما هو قوله هذا:«أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»...الخ.

أما القلقشندي فإنه يقترب من ابن الأثير في إثبات السجع في القرآن، وإن كان ابن الأثير أكثر عمقاً في الحديث عن ذلك. يقول القلقشندي: «ربما وقع السجع في فواصل جميع السورة كما في سورة النجم واقتربت (يقصد سورة اقتربت الساعة وانشق القمر المسجوعة على الراء) والرحمن وغيرها من السور». ومن المحتمل أن يقع السجع أيضاً في أواسط الآيات، وإن كانت السورة غير منتظمة على روي واحد: «ربما وقع في أوساط الآيات كقوله تعالى (الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور) وقوله (لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم)». وقل الأمر نفسه في تغيير محمد للكلمات في حديثه لكي تتناسب مع السجع(33). 

للأسف ما زال الإسلاميون يعتقدون بالتهالك الذي قدمه الخطاب التراثي في نفيهم السجع عن القرآن، مستدلين بالحجة التي يعتقدون أنها قوية، وهي أنه في السجع: المعنى يتبع فيه اللفظ، بخلاف القرآن الذي يكون فيه اللفظ تابعاً للمعنى. طبعاً ربما ندرك تماماً قدرة التراثيين في اختراع القواعد لكي تتناسب مع نظريتهم في إعجاز القرآن. لا بد أن نعلم أن المسألة لم تكن تتعلق بالدرس اللغوي النقدي وما شابه، بل تتعلق فقط وفقط بحماية القرآن، فما بالنا أنّ كل هذه العلوم (من بلاغة ونحو وصرف..) قد نمت على تخوم القرآن، وهذا بحد ذاته له استحقاقات خطيرة في استمرار هذه القواعد إلى اليوم. لكن أياً يكن، إنه بالرغم من كون التراثيين اخترعوا تلك القاعدة لكي يدافعوا عن القرآن، إلا أن قراءة دقيقة في القرآن ذاته ستفشل مزاعمهم (قاعدة اللفظ والمعنى)، كما انتبه إليها بعض المتنورين التراثيين كابن الأثير، وخالف التناقضات الإسلامية.

بمعنى آخر، هناك الكثير من القرآن المكي تكون فيها السيطرة للزخرفة اللفظية فقط، أي الزخرفة السجعية، ولو كان ذلك على حساب المعنى القرآني الذي يريد محمد أن يقوله. ولتدليل على غلبة زخرفة الأسلوب وسيطرته السجعية على حساب المعنى في القرآن يمكن أن نأخذ ثلاثة أمثلة:

 - يتفق معظم التراثيون والإسلاميون على أفضلية موسى على هارون، لذلك فقد غلب على الأسلوب القرآني تقديمه عليه دائماً، وقد ورد تقريباً سبع مرات، ولنلاحظ أن السور كلها مكية: [الأعراف:122]، [الشعراء:48] وهنا السياق في السورة مسجوع على الياء والنون،[يونس:75]، [الأنعام:84]، [الصافات:114و 120]، السياق مسجوع على النون مع الياء والواو (يـن، ـون)، [الأنبياء:48].

في موضع واحد فقط في القرآن نجد أن محمداً يخالف الأسلوب في تقديم موسى على هارون! ففي سورة طه نجده قد قدم هارون على موسى، وذلك لأن سجع السورة هو على الألف، ولا يناسب هنا السياق تقديم موسى على هارون! نقرأ: «فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى»[طه:70]. وهذه السورة تأخذ الترتيب الكرونولوجي الرقم 42، بحسب رواية ابن عباس.

 - وردت لفظة إلياس (هو نبي بحسب القرآن) مرتين في سورتين مكّيتين هي الأنعام [85] والصافات[123]، لكن في الحقيقة ورد اسم هذا النبي ثلاث مرّات، أمّا المرّة الثالثة، فتمَّ تحريف اسمه لكي يناسب سجع سورة الصافات (يـن، ون)؛ هكذا نقرأ أن اسمه تبدل من "إلياس" إلى "إل ياسين": «سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِين»[الصافات:130]، لذلك لن نستغرب أن يخالف البعض هذه القراءة ليقرأوا اللفظ (قراءة مكة والبصرة والكوفة) ليس "إل ياسين" بل "إلياسين" وهو النبي إلياس(34)، لكن أضيفت الياء والنون لضرورة السجع.

- ورد تعبير "طور سيناء" في سورة المؤمنون «وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء» [المؤمنون:20]، وبغض النظر الآن عن اشتقاق لفظ الطور من الأصل العبري أو الأثيوبي كما حكى البعض، وبغض النظر عن معنى وموضع سيناء والذي فسر بأنه جبل بالشام؛ إلا أن اسم "سيناء" قد حُرِّف أيضاً ليناسب سجع السورة إلى "سينين" كما نقرأ: «وطور سينين» [التين: 2] وهذا التحريف أو التبديل لاسم سيناء أتى ليناسب سجع السورة على الياء والنون، وخاصة كما يقر كثير من المفسرين (منهم قتادة كما يرى في الآية الثانية) أن سينين هو نفسه سيناء. والأمثلة على هذه التحريفات في الخطاب المحمدي القرآني كثيرة لأغراض الأسلوب أو الزخرفة السجعية.

لذلك لا معنى أبداً لأقوال علماء القرآن (المسيطرة على الذهنية الإسلاموية إلى الآن) حينما اخترعوا قاعدة أن المعنى في القرآن يتبعه اللّفظ، وذلك لإبعاد القرآن عن ميادين سجع الكهّان، والحطّ من الأخير وحصره في ميادين الشعوذة والسحر لكونه متّصلا بالتقاليد الوثنية(35).
مهما يكن، تبقى هذه الادعاءات تنتمي إلى ميادين ثقافيّة، إلاّ أنّه لا بدّ من إخضاعها للدرس النقديّ والتاريخيّ.
بقلم: حمود حمود

عاش فريدا ومات فريدا.

عاش فريدا ومات فريدا. اختار توقيت موته وطريقة موته. رتّب كلّ شيء مسبقا. ولكنّ صراعه مع المرض تواصل بعد اختياره الانتحار الرّحيم. وقد علمنا الآن أنّه لفظ أنفاسه هذا الصّباح. تزامن موته مع مقتل محمّد البراهمي، ثالث شهيد في تونس يموت برصاص الذين أمضى العفيف الأخضر جزءا كبيرا من حياته وهو يفكّك فكرهم ويقاومه، ويفضح نواة العنف والإرهاب فيه. سنظلّ أوفياء إلى العفيف وفكره. وسنواصل مقاومة قوى تدمير (...)
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية


الهوامش:
1- Theodor Noldeke, "Sketches From Eastern History", (article, Quran)Translated By John Sutherland Black, M.A. And Revised By The Author (Noldeke), London And Edinburgh Adam And Charles .Black,1892, P.42. 
this article is Originally published in the Encyclopedia Britannica, 9th ed., vol. xvi. p. 597 sqq.
ويشار إلى أن نولدكه قد قسم المرحلة المكية المحمدية إلى ثلاث فترات رئيسية، كان قد رتب القرآن كرونولوجياً أثنائها؛ أما الفترة الأولى التي أشرنا إليها، فإنها تضم نحو أربعين سورة من القرآن، ستكون في جزء كبير منها محط بحثنا من ناحية السجع.
 2- الألوسي: "بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب" تحقيق محمد بهجت الأثيري، دار الكتب العلمية، ط1، 2009، ج3 ص 286- 287.
 3- الفضاء الكهاني فضاء ثقافي رحب، يستوعب الناطقين باسمه من كلا الجنسين الذكري والأنثوي؛ بينما حوّلت الثيولوجيا الإسلامية عند العرب النبوةَ إلى فضاء ذكري محض، لا يستوعب إلا فحول الذكور! لذا لا نستغرب من تحديد اللاهوتيين لشروط النبوة بأن ذكورة النبي هي إحدى قوام اختيار الرب للأنبياء. طبعاً سندرك لاحقاً أن هذه المعايير هي مجرد تهويمات لاهوتية ذكورية فارغة، وخاصة حينما يوضع كلا الفضاءين –النبوي والكهّاني- أمام النقد التاريخي.
 4- إن استخدام كلمة "تهمة" هنا في هذا السياق لتوصيف الكهانة، لا تعني أنها تهمة بما تشير إليها من استحقاق دلالي أو ما هو متعارف عليها إسلامياً؛ ذلك أن الكهانة بحد ذاتها ليست تهمة، وإنما هي ظاهرة دينية، لا تقل أهمية عن النبوة، إلا أن العرب قاموا بتشويهها والحط من شأنها، وذلك بهدف إعلاء المكانة النبوية التي قال محمد أنه ينتسب إليها. وهذا سنفصل فيه لاحقاً.
 5- لقد أشرنا سابقاً (بحث وحي محمد ج2) مثلاً، أنه أثناء ثمانية عشر سورة التي يبتدأ فيها محمد القرآن، بحسب التقسيم الكرونولوجي لموير، فقد تحاشى محمد -وبشكل مطلق تقريباً- استخدام كلمة الله والاستعاضة عنها بلفظ غامض هو: الرب- ربك- ربي-ربهم...الخ.
 6- السيرة الحلبية: ج1 ص326. 
 7- الجاحظ (150-255هـ): "كتاب البيان والتبيين"، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط7، 1998. ج1 ص287.
8- T. Fahd, " Divination", Article In The "Encyclopedia Of The Quran". General Editor: Jane Dammen McAuliffe. Brill, Leiden–Boston–Koln, Vol.1, P. 543.
9- Alan Jones, "Orality and Writing in Arabia ", article in the "Encyclopedia of the Quran". 2003, vol. 3, p.588.
 10- صحيح البخاري: رقم: 1913.
11- Alan Jones, "Orality And Writing In Arabia ", Vol. 3, P.587.
 12- ضياء الدين بن الأثير: "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، ص114.
13- T. Fahd: "Sadj", As Magical Utterances In Pre-Islamic Arabian Usage, In "Encyclopedia Of Islam", New Ed. Leiden 1954 , Viii, P.733.
14- Devin J. Stewart, " Rhymed Prose", Article In The "Encyclopedia Of The Quran". Vol.4, p. 477.
وانظر كلام أحمد محمد الحوفي حول نشأة القافية الشعرية: «الحياة العربية من الشعر الجاهلي». ط4، مكتبة نهضة مصر. ص 195. وانظر أيضاً: بروكلمان: "تاريخ الأدب العربي"، ج1، ص51.
15- جواد علي: "المفصل في تاريخ العرب" نشر بمساعدة جامعة بغداد. ط2 ، 1993 ج8 ص746. 
16- T. Fahd: ibid.
17- T. Fahd: "Sadj", P.732.
18- Macdonald, Duncan Black, "The Religious Attitude And Life In Islam". The University Of Chicago Press, 1909.P.25. 
19- انظر أيضاً مقالة نولدكه المهمة:
Theodor Noldeke, "Arabs (Ancient)" In Encyclopedia Of Religion And Ethics, Edited Byjames Hastings, M.A, D.D. Vol. 1, P.661. 
 20- أحمد محمد الحوفي: «الحياة العربية من الشعر الجاهلي». ط4، مكتبة نهضة مصر، ص182.
 21- البيت الثاني الذي يشير إليه الجاحظ (150-255هـ) هو للكاهن شق الذي يقول:
عَبيت لك عَبيتُ لك ... كيما أُتِيحَ مَقْتلك
فاصبر لما قَدْ حُمَّ لَكْ.
 22- الجاحظ: "كتاب الحيوان" تحقيق عبد السلام محمد هارون. مطبعة مصطفى الحلبي بمصر، ط2 سنة 1967. ج6 ص207-208. 
 23- صحيح مسلم: رقم: 4485.
24- Devin J. Stewart, " Rhymed Prose", "Encyclopedia Of The Quran", Vol.4, Pp. 478.
25- ابن الجوزي: "المنتظم في تاريخ الأمم والملوك" دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عطا، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان ط1 سنة 1992 ج4 ص21.
 26- وقد أشار ديفين ستيوارات إلى بعض الأقسام (الأيمان) السجعية الكهانية في بواكير الخطاب المحمدي في السور المكية (وهذه سنأتي عليها في الجزء الثاني):
37:1-3; 51:1-4; 52:1-6; 53:1; 74:32-34; 77:1-6; 79:1-5; 81:15-18; 84:16-18; 85:1-3; 86:1; 89:1-4; 90:1-3; 91:1-7; 92:1-3; 93:1-2; 95:1-3; 100:1-5; 103:1. Devin J. Stewart, " Soothsayer ", Article In The "Encyclopedia Of The Quran". 2006, Vol.5, P. 80
 27- الباقلاني: محمد بن الطيب (ت 403هـ)، "إعجاز القرآن" تحقيق عماد الدين حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية ط4، 1999، ص91.
 28- الباقلاني: مرجع سابق ص84.
 29- الباقلاني: مرجع سابق ص84.
 30- ينقل ديفين ستيوارت موقفاً ثالثاً لجلال الدين السيوطي، وهو في الواقع يحتاج إلى تدقيق، حيث يقول بأن السيوطي: 
«Holds That While To Term The Quran Saj_ Is Unacceptable Or Disrespectful, It Nevertheless Exhibits Many Formal Features Of Saj Style », Devin J. Stewart, "Rhymed Prose", Article In The "Encyclopedia Of The Quran". 2004, Vol.4, P. 477-478..
 31-الجاحظ: "البيان والتبيين"، ج1 ص383.
 32- ضياء الدين بن الأثير: "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، ص114- 115-116.
 33- أحمد بن علي القلقشندي: "صبح الأعشى في صناعة الإنشا"، دار الفكر – دمشق، ط1، 1987، تحقيق : د.يوسف علي طويل، ج2، ص303 وما بعدها.
 34- تفسير الطبري: (على هامشه للنيسابوري) المطبعة الأميرية ببولاق ط1 سنة 1329هـ (أعادت طباعته دار المعرفة- بيروت 1992) ج23 ص61.
 35- انظر: 
Devin J. Stewart, " Soothsayer ", In The "Encyclopedia Of The Quran". 2006, Vol.5, P. 79.


الجمعة، 9 أغسطس 2013

هل يمكن إنقاذ الإسلام ؟ آخر فتوى للإمام الجليل النبيل الطاهر



قبل أيام شاهدت برنامج تلفزيوني شارك فيه "عالمان" من الأزهر استماتا في المرواغة والتهرب من الإقرار بأن الأسلام قد أجاز العبودية. وبما أننا قد أعتدنا على مثل هذة المغالطات من مشائخ الإسلام ليلاً ونهاراً فهي ليست بغريبة علينا ولم تعد تلفت نظر الكثير منا. ولكن, وأثناء البرنامج التلفزيوني, قال احد الشيخين كلاماً استوقفني ودفعني الى التفكير ملياً فتوصلت إلى حلاً جذرياً لكل المشاكل التي يعاني منها الإسلام ويعاني منها العالم بسبب الإسلام.

دعونا أولاً ننظر إلى ماقاله الشيخ:
في معرض حديثة عن العبودية وعن سلوك الرسول حول هذة المسألة تطرق الشيخ الى وضع مارية القبطية ثم, تحدث عن زيجات الرسول وذكر أنه كان للرسول إحدى عشر زوجة. وفجأة قرر الشيخ ان يتوقف وينظر إلى الكاميرا مخاطباً المشاهد قائلأ: "نعم تزوج بإحدى عشر إمرأة واللي مش عاجبه يخبط رأسه في الحيط".
كلام الشيخ دفعني إلى التساؤل عن الذي كان سيقوله عن العبودية إذا قدر له أن يناقشها في الماضي, قبل ثلاثة قرون مثلاً, عندما كانت العبودية ماتزال مقبولة إجتماعياً وأخلاقياً. لا بد أن الشيخ لم يكن ليتحرج من تشريعها في الإسلام بل سيمتدح الإسلام وربما كان سيتشدق بعدد الأيات التي ذكرت ملك اليمين ونظمت عملية إستعباد الإنسان لإخيه الأنسان ولا أشك ان الشيخ كان سيذهب إلى القول بأن الأديان الأخرى ليست وافية ولا شاملة كما هو حال الإسلام مذكراً بأن الأديان الأخرى "تركتها سايبة" ولم تعطِ مسألة جوهرية مثل العبودية الإهتمام الذي تستحقه. ثم واصلت مخيلتي رحتلها الشيقة داخل الزمن فتخيلت مشهد الشيخين في المستقبل بعد مائة عام من الآن مثلاً. عندها بالتأكيد ستُصبح مسألة تعدد الزوجات والمعاملة الدونية للمرأة مسألة مثيرة للحرج لعلماء الدين وسينظر لها حتى المسلمون بنفس المنظور الذي تنظر به البشرية اليوم لمسألة الرق. بعد مائة عام, لا أعتقد أن الشيخ سيلتفت إلى الكاميرا ويقول بكل بجاحة للذين يتسآلون حول تزوج صلعم لقطيع من النساء " واللي مش عاجبه يخبط رأسه في الحيط".

لقد ثبت أن للإسلام قابلية رهيبة للطرق والسحب ليتلائم مع العصور والظروف المختلفة. ووظيفة "علماء" الإسلام لاتختلف عملياً عن وظيفة أخصائيي الدعاية والتسويق أو المتحدثين بإسم وزارة الخارجية أو وزارة الدفاع. فهم يلوون الأمور أو يمارسون ال "spin" كما يقولون في الغرب ويلفون مساوئ هذا الدين وفعلات نبيه المزيف ويظهروها وكأنها من حكم الله المبينة ومن نعمه على العباد. ولكن البشرية والمفاهيم الأنسانية تتقدم بسرعة أعظم بكثير من سرعة تأقلم علماء الدين, ولهذا نجدهم يلهثون تكاد تنقطع انفاسهم وهم يدافعون عن الإسلام. ولهذا بدأت الشقوق في صخرة الإسلام المتصدعة بالتعمق وبدأت الروائح الكريهة تنتشر كلما رمينا حجراً في بركة الإسلام المتعفنة منذ الف عام وكلما أحدثنا ولو خدشاً بسيطاً في وجه الصنم الأكبر والنبي المزيف. والحقيقة أن الإسلام يدفع ثمناً لربطه بالدولة من قبل مشايخ وعلماء الدين والمنتفعين من الدين, أي الحكام. لو كان الدين الإسلامي يؤدي وظيفة "دينية" روحانية فقط لما أعترضنا عليه ولما أضعنا أوقاتنا ونحن نقرأ كل ما يتعلق بحياة محمد حتى عندما كان يحك خصيتيه.

والسؤال هو: طالما أن الإسلام يقبل ان تلوى عُنقه بطرق مختلفة وتحت ظروف متنوعة, لماذا لا يتصرف "علماء" الدين بذكاء فيخدمون أمتهم بفصل الدين عن الدولة. لماذا لايخلصون الشعوب الإسلامية من قبضة الديكتاتوريات المتخلفة الفاسدة ومن حبال التعاليم الإسلامية العتيقة التي تكبل المجتمع الإسلامي وتلتف حول عنقه. إن ذلك لن يعني سقوط الإسلام بل سيعني إستراحة الإسلام من التعب والجري الذي يفرضه عليه علمائه. لماذا لا يريحون ويرتاحون, كما يقول المثل الشعبي؟

وإنطلاقاً من حرصي على الإسلام وعلى سمعة نبيه صلعم الله عليه وسلهم, ولكي أبين للأمة الإسلامية الطريق الحق الذي ينفعهم في دنياهم ويشفعهم في أخرتهم, فقد قررت أن أصدر فتوى في هذا الأمر والتي كما قلت في مقدمة الموضوع ستكون أن شاء الله حلاً لكل مشاكل الإسلام وبالتالي مشاكل العالم أجمع.

قبل أن أبدأ أود أن أحمد آلهة الجوجل والمايكروسوفت على نعمة العولمة وأصلعم وأسلم على محمد عبدلله هاشم..أما بعد:
فقد تبين لنا أن ديننا الإسلامي الحنيف يمر بمحنة بالغة الشدة وأن سمعة رسولنا محمد صلعم قد ساءت بين العالمين وأن وضع الأمة بالغ الخطورة لم يعد يحتمل الإنتظار أو المغالطة. وكل ذلك للأسف بسبب تشدد إخواننا العلماء الذين يأبون إلا أن يربطوا الإسلام بإدارة شؤون الدولة وذلك حتى ينتفعون هم وأولياءهم من سلاطين الفساد وملوك السرقات. والحقيقة أن ربط الدين بالدولة ليس فرضاً في الإسلام وليس من أساسيات ديننا الحنيف. فالإسلام قد حرص كل الحرص على فصل الدين ولم يقترن اسم الدين بالحكم في أي آية في القرآن. والله سبحانه وتعالى قال في محكم كتابه: وما بعثناك إلا مبشراً ونذيرا ولم يقل "وما بعثناك إلا مبشراً وحاكماً أو ملكاً". كما أن الله سبحانه قال "إنما الدين عند الله الإسلام" ولم يقل" الدين وشؤون الحكم عند الله الإسلام" وسبحانه أيضاً يقول " اليوم اكملت لكم دينكم" ولم يقل "دينكم ودولتكم". ولعل الحكمة من أن الله لم يرزق محمد صلعم بصبي حرصاً منه على أن لايقوم الصحابة من بعد وفاة الرسول صلعم بتتويج إبنه ملكاً من بعده وإنشاء دولة.

وقد يقول قائل: وماذا عن التشريعات والأحكام الإجتماعية التي جاءت في القرآن والحديث؟ ونحن نقول يإخواني بأن تلك الأحكام جاءت تعالج حالات حدثت في ذلك الوقت فقد كان لابد لرسول الله صلعم ان يرد على استفسارات الناس ويحكم بينهم ويدير شؤون الدولة وذلك من منطلق المفاهيم السائدة آنذاك. ولكن هذا لا يعني أبداً أن الله سبحانه وتعالى قد اراد منا ان نطبق تلك التعاليم الى أبد الآبدين, فهذا غير مقبول للعقل. بل العكس, إن ذلك يدل على أن الإسلام تعامل مع الواقع ولم يحاول الإتيان بأدوات من ثقافات أو حضارات أخرى. فإذا كان رسول الله نفسه قد غير من أحكام وتعاملات كثيرة خلال عشرين سنة فقط من الدعوة فكيف لنا ان نتقيد بها بعد اربعة عشر قرناً. إنظر مثلاً كيف قال "وجادلهم بالتي هي أحسن" عندما كان ضعيفاً في مكة ثم قال "وقاتلوهم حيث ثقفتموهم" عندما قوت شوكته وأصبح له جيشاً. إذا كان الله سبحانه وتعالى قد اراد لتلك الأحكام أن تكون صالحة لكل زمان ومكان لكان قد أتى بأحكام لها تلك الصفات وليس بإحكام مفصلة طبقاً للظروف السياسية والإجتماعية وحتى الجغرافية التي اتسمت بها مرحلة حياة محمد. أنظر مثلاً إلى دور الإبل في القرآن وفي أحكام الدية والتي من المستحيل تطبيقها. وأنظر كيف فُرض الوقوف في جبل عرفة الذي أصبح لايتسع ولو لنسبة بسيطة من المسلمين الذين فرض عليهم الحج. هل كان الله جاهلاً بعدد المسلمين اليوم؟ إننا بهذا السلوك ننتقص من علم الله تعالى وحكمته ونببرر قصور الأحكام الشرعية بمبررات لايمكن أن يقبلها عقل طفل صغير.

لابد من التفريق بين الدين الإسلامي وبين الإحكام الإسلامية. فالدين الإسلامي بالطبع صالح لكل زمان وكل مكان ولكن التعاليم الإسلامية ليست لها هذة الصفة. إن إعتقاد غير هذا يكون من قبيل الجهل بحكمة الله وعلمه وقصر نظر عن مفهوم الرسالة المحمدية التي اساسها التوحيد وفروعها المرونة والتعامل مع الواقع المعاش عملاً بقوله صلعم "أنتم أدرى بشؤون دنياكم". ثم أن الذين يصممون على أن الأحكام الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان يضعون الإسلام موضع الحرج والسخرية ويضعفون الأمة ويشتتون طاقاتها ويتسببون بتخلفها. ويضعون رسول الله صلعم وما مارسه طبقاً للثقافة والأخلاق السائدة في عصره في ميزان أخلاقي لايتناسب مع تلك الأخلاق وهذا ليس عدلاً. فأصبحنا في موقف دفاع وأصابنا الحرج والخزي من تصرفات الرسول صلعم, وذلك بدلاً من ان يكون لنا الفخر بأن الأسلام هو دين التوحيد والتعامل مع الواقع.

وبناءً على ماجاء وبعد التوكل على الله سبحانه وتعالى نُقرّ التالي:
أولاً: ربط الدين بالشأن العام ليس فرضاً في الأسلام وليس من أساسيات الدين أو مكوناته في شيئ.
ثانياً : إنه من الواضح أن الأحكام والأيات المتعلقة بأمور الدنيا قد أتت لتعالج مرحلتها فقط وإن أي محاولة لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية اليوم لايصب في مصلحة الإسلام أو الأمة الإسلامية أو الرسول صلعم.
ثالثاً: لابد من إسعاف هذة الأمة وإنتشالها من الوحل وذلك بفصل كامل وأبدي لإحكام الشريعة عن الشأن العام وعن حياة الناس. لابد من وضع القوانين والتشريعات التي تتفق مع حياتنا المعاصرة
رابعاً: لا بد من محاسبة علماء الدين الذين يرفضون هذا التغيير حسب قوانين مناسبة توضع لذلك لإنهم عندما يربطون الدين بالدولة لايفيدون بذلك إلا حكام الجهل والفساد الذين ينهبون المال العام.

هذا والله من وراء القصد

تحياتي ومودتي
نبيل طاهر

الجمعة، 26 يوليو 2013

الإسلام منظومة سياسية لا يمكن إصلاحها ــ د.كامل النجار




الإسلام منظومة سياسية لا يمكن إصلاحها 1-2
المسيحية سبقت الإسلام بحوالي ستمائة عام تقريباً. ورغم أن المسيحية بدأت كمنظومة دينية متسامحة مع نفسها ومع الغير، ولم تتطرق إلى السياسة أو الحكم في تشريعاتها بخلاف "اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، نجد أن البابوات وكهنوت الكنيسة الكاثوليكية استطاعوا أن يسيطروا على السياسة في أوربا من وراء الكواليس وجعلوا الملوك والأمراء واجهةً لحكمهم. واستمر هذا الوضع حتى جاء عصر التنوير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فتلاشت سلطة الكنيسة السياسية. ومما ساعد على تقلص سلطة الكنيسة هو وجود منظومة تركز السلطة الدينية في شخص البابا الذي يخضع لكلمته كل الأشخاص الكاثوليك بما فيهم الكهنوت. ومما لا شك فيه أن كل الأديان تدخلت في السياسة لتضمن عائداً مادياً مريحاً لرجال الكهنوت.
أنبياء بني إسرائيل على كثرتهم كان لهم دور سياسي واضح، كما يقول البروفسور السوداني محمد محمود، أستاذ علم الأديان المقارنة، في كتابه ’نبوة محمد، التاريخ والصناعة‘ : "ويظهر دورهم [أنبياء إسرائيل] السياسي بجلاء في علاقتهم الوثيقة بالبلاط ومشاركتهم في إلهاب الشعور القومي. هؤلاء الأنبياء كانوا أنبياء "شعبيين" وينتمون لطور النبوة السابق على النبوة الكلاسيكية." (ص 14).
بالنسبة للإسلام، فإن محمداً ترعرع في بيئة يعبد أغلب أهلها الأصنام كوسيلة لتقريبهم إلى الله، وقد كانت بيئتهم تعرف التوحيد، والصلاة، والصيام والزكاة من اليهودية والمسيحية والأحناف، وعرفت الحج من ماضيها الوثني. وبالتالي لم يكن هناك أي جديد يستطيع محمد أن يأتي به ليقنع الوثنيين أنه جاءهم برسالة دينية جديدة. فكانت رسالته منذ البداية رسالة سياسية أراد بها أن يسيطر على العرب والعجم. ويظهر هذا جلياً في المقولة المنسوبة له عندما اجتمع مع أعيان مكة في بيت عمه أبي طالب، قال وقتها مخاطباً عمه أبا طالب: "أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم." (جامع البيان في تأويل القرآن، للإمام القرطبي، جزء 23، سورة ص). فإذاً رسالته كانت للسيطرة على العرب والعجم وليست لأغراض دينية. الدين هنا كان عبارة عن الوسيلة التي يصل بها إلى هدفه
ولأن الرسالة كانت سياسية منذ البدء، نجد أن محمداً قد دخل في معاهدات عديدة مع القبائل العربية المختلفة ليحيّد بعضها وليثير العداوات بين بعض القبائل مما يصب في مصلحته هو. وبدأ غزواته التي قطعت الطريق وقننت للسلب والنهب والسبي. ثم أبرّم معاهدات مع يهود المدينة ليضمن عدم مساعدتهم القبائل العربية ضده، ولكنه كان طوال الوقت يفكر في أعذار تسمح له بنقض تلك المعاهدات عندما تكون الظروف في صالحه، حتى يتمكن من وضع يده على أموالهم، كما فعل مع يهود بني قريظة وبني قينقاع
ولأن الرسالة كانت سياسية في المقام الأول، جاءت تشريعاتها الدينية متناقضة ومتخبطة وفيها تكريس للعادات الجاهلية من زواج وطلاق وعِدة وغيرها. وكرست كذلك اضطهاد المرأة والعبيد والإماء، مما يجعلنا متيقنين أن مثل هذه التشريعات لا يمكن أن تصدر من إله في السماء خلق هذا الكون. فتفكير محمد كان منصباً في إقامة دولة المدينة وإيجاد المال اللازم لاستمراريتها
فبداية الإسلام، كما يعلم الجميع، بداية ضبابية جُمع قرآنها بعد موت نبيهم بعشرات السنين، ولغتها الكتابية كانت في طور التكوين مما جعل القرآن المكتوب بها قابلاً للتأويل والتغيير، وكانت روح البداوة هي المسيطرة على أتباع الرسالة الجديدة حتى جاء الخليفة العباسي المأمون وتبنى منظومة المعتزلة وأقام بيت الحكمة لترجمة التراث الهليني من فلسفة وعلم الكلام والعلوم الطبيعية إلى اللغة العربية.
ولكن لسوء حظ أمة الإسلام، التي يفترض أن تكون خير أمةٍ أُخرجت للناس، ظهر عرابون في تلك الأمة قبل وبعد موت المأمون بقليل. وكلمة عرّاب تعني الشخص الذي يعمل العَرْبَات، واحدتها عَرَابة، وهي شمل ضروع الغنم، أي لف شريط رفيع حول حلماتها، لمنع البهم من الرضاع (لسان العرب لابن منظور). كان هدف هؤلاء العرابين هو حرمان الأمة من رضاعة ذلك الثدي الهليني الذي يدر العلم والمعرفة. ولما كانت الأمة الإسلامية في بداية تكوينها ويسيطر عليها الجهل والأمية، فقد وجد هؤلاء العرابون رحماً دافئاً احتضنهم حتى نموا وترعرعوا ومن ثم أحكموا خناقهم حول عنق أمة إقرأ، التي لا تقرأ
أبوالحسن الأشعري (ت 941م) كان أول وأشهر هؤلاء العرابين، إذ أن الرجل كان معتزلياً يؤمن بالعقل والمنطق والفلسفة وعلم الكلام، حتى بلغ الأربعين من عمره، ثم رأى محمداً في حُلمٍ وطلب منه محمد أن يدافع عن أحاديثه وسنته، فانقلب الرجل وأشهر العداء للمعتزلة. وفي دفاعه عن الأحاديث والسنة تخلى الأشعري عن العقل واتخذ موقفاً معاكساً للمعتزلة في كل شيئ لدرجة أنه قال بالتجسيم ودافع عن أن لله أيدي وأرجلاُ وجسماً، وانه يجلس على العرش. ولما وجد صعوبة في شرح كيف يمكن أن يجلس الله على العرش والقرآن يقول (وسع كرسيه السموات والأرض)، قال إنه يجب على المسلم أن يؤمن أن الله يجلس على العرش بدون السؤال عن "كيف" (
Karen Armstrong, A History of God, p 195).
وذهب الأشعري إلى أن كل عمل يقوم به الإنسان، أو أي ظاهرة طبيعية نراها لا تصدر من الطبيعة أو الإنسان إنما هي إرادة الله. وذهب الأشعري إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف الخير من الشر بدون أن يخبره الله عن طريق الوحي الذي يأتي للأنبياء والرسل. وفي محاولته الإجابة عن سؤال أرسطو: هل الآلهة تحب الأشياء الخيرة لأنها خيرة، أم أن الأشياء أصبحت خيرة لأن الآلهة أحبتها؟ يقول الأشعري إن الله لا يفرض علينا عمل أي شيء لأنه خيّر، وإنما يصبح الشيء خيّراً لأن الله أمر به. وكمثال على ذلك يقول "إن الكذب شر لأن الله حرّمه، ولكن لو حلله الله فسوف يصبح الكذب خيّراً. (
Robert Reilly, The Closing of the Muslim Mind, p 70)
ولأن المعتزلة قالوا إن الله خيّرٌ ولا يقدّر إلا الخير لمخلوقاته، رد عليهم الأشعري بالمثال المشهور عن الإخوان الثلاثة: أكبرهم كان شريراً ولما مات أدخله الله النار، والثاني كان خيراً ولما مات أدخله الله الجنة. والثالث مات في طفولته قبل سن التكليف، فأنتهى في البرزخ بين الجنة والنار. وسأل الأشعري: لماذا لم يطل الله عمر الطفل حتى يعمل صالحاً عندما يكبر فيدخل الجنة، لأن الله لا يفعل إلا الخير لمخلوقاته؟ فكان رد الحاضرين أن الله لم يطل عمره لأنه علم أنه لن يفعل خيراً لو كبر. وهنا سأل الأشعري: لماذا أطال الله عمر الأخ الأكبر حتى يرتكب كل المعاصي ويدخله النار؟ لماذا لم يمته وهو صغير عندما علم أنه سيرتكب المعاصي؟ وبهذه الحجة أقنع الأشعري الناس بأن الله ليس ملزماً أن يقدر الخير لمخلوقاته، وأنه يفعل ما يريد لأنه لا يُسأل عما يفعل؟ وللأسف فقد سيطر الفكر الأشعري على الساحة الإسلامية وأقصى الفكر المعتزلي العقلاني.
أما أخطر العرابين وأكثرهم ضرراً للأمة الإسلامية هو بلا شك أبو حامد الغزالي (ت 1111م). ولد الغزالي في خراسان عام 1058م ودرس علم الكلام تحت أستاذه أبو المعالي الجويني الذي كان قطباً من أقطاب الأشعرية. وفي سن ثلاثة وثلاثين أصبح الغزالي معلماً بالمدرسة النظامية ببغداد، وكانت مهمته الدفاع عن المذاهب السنية في وجه المذاهب الشيعية. وقد درس الفلسفة ثم انقلب عليها وهاجم الفلاسفة وقتل الفلسفة في كتابه – تهافت الفلاسفة – ثم أصابته حالة نفسية كادت أن تودي بحياته، نتيجة تفاعلات ما يمليه عليه عقله الفلسفي وما ينطق به من عقله الأشعري. وبسبب هذه الحالة النفسية لم يتمكن من البلع أو الكلام لعدة أسابيع. وأخيراً هداه الله، كما يقول، إلى التصوف فساح في الأرض مع المتصوفين وسكن في دمشق وفلسطين وفارس، قبل أن يرجع إلى بغداد. وأخطر ما ذهب إليه الغزالي أنه نفى السببية، وقال إنه لا توجد علاقة أو سببية بين النار وحريق القطن الذي يوضع على النار لأن الله هو الذي جعل النار تلمس القطن ويغير لون القطن إلى الأسود، ثم يجعله رماداً بواسطة الملائكة أو بدون واسطة. وبإمكان الله أن يفعل غير ذلك ويجعل النار تمس القطن دون أن تحرقه. ثم ما هو الدليل أن النار هي التي تحرق الأشياء؟ الفلاسفة لا يملكون أي دليل على ذلك غير ملاحظة تغيير لون القطن عندما تمسه النار. ولكن الملاحظات تبرهن فقط توأمة الأشياء مع بعضها البعض ولا تثبت السببية. فليس هناك أي سبب غير الله. ويقول كذلك ما معناه: الربط بين ما يعتقد البعض أنه السبب، وبين ما يعتقدون أنه النتيجة، ليس ضرورياً في رأينا. فليس هناك أي علاقة بين إطفاء الظمأ وشرب الماء، أو بين الشعور بالشبع وأكل الطعام، أو بين شروق الشمس وسطوع الضياء، أو بين قطع الرأس والموت. العلاقة الظاهرة بين هذه الأشياء ناتجة عن إرادة الله المسبقة التي خلقت هذه الأشياء ملتصقة ببعضها، ولكن هذا لا يعني أنها لا يمكن فصلها عن بعض، فبإمكان الله أن يخلق في الإنسان الشعور بالشبع دون أن يأكل طعاماً، أو يستمر الإنسان في الحياة بعد أن يُقطع رأسه. (نفس المصدر أعلاه، ص 63). ويستمر الغزالي فيقول إنه ليس من الضروري أن يُخلق الحصان من الحيوان المنوي، ولا الشجرة من الحبة. يمكن أن يُخلق الحصان والشجرة من لا شيء.
لأن العقل يحفّزنا إلى أن نسأل ونكتشف الأشياء غير الملموسة، اعتبره الغزالي عدو الإسلام الأول لأن الإسلام يطلب من المسلم الرضوخ الكامل والامتثال لأوامر الله بدون أي تفكير في الأسباب. وبسبب شهرة الغزالي وتعاليم الأشعرية، وصل الجمود الفكري إلى الأندلس. فنجد مفكراً ظاهرياً مثل أحمد بن حزم يرفض القياس لأنه يعتمد على العقل، ويقول "لا شيء خيّر في ذاته ولكن الله جعله خيراَ، ولا شيء شرٌ في ذاته ولكن الله جعله شراً. فالعمل الذي نعتبره خيّراً قد يصبح شراً إذا أراد الله له ذلك، والعكس صحيح." ويستمر ابن حزم فيقول "فإذا أخبرنا الله تعالى بأنه سوف يعاقبنا بأفعال غيرنا، أو بسبب طاعتنا له، فإن ذلك يصبح عدلاً من الله وعلينا القبول به." ويقول الفخري الرازي (ت 1209) من أتباع المدرسة الأشعرية "إنه من المقبول في معتقدنا أن الله تعالى يمكنه أن يُدخل المذنبين إلى الجنة والمحسنين إلى النار، لأن ملكية القرار له وحده ولا يستطيع أحد أن يمنعه." ويظهر جلياً من
والسبب في أن الغزالي والأشعرية عموماً رفضوا فكرة السببية هو شعورهم أنه لو كانت المسببات تؤدي إلى النتائج المعروفة، يصبح فعل الله ناتجاً عن ضرورة وليس عن إرادة حرة يمكنها تغيير النتيجة في كل مرة يريد الله ذلك. وبسبب هذه الآراء، وبمساعدة أستاذه أبي المعالي الجويني الذي كان علماً من أعلام الأشعرية، وتعاليم الإمام أحمد بن حنبل الذي كان يعتقد أن علم الكلام مضر بالدين لأن الله قد تكلم مع الإنسان عن طريق الوحي وبالتالي ليس الإنسان في حاجة لأن يفكر بطريقة جدية، وأن الوحي حل محل العقل، وأن العلماء لا يعترفون بالقياس ولا بالرأي لأن كلاهما لا قيمة له، تربعت المدرسة الأشعرية على مسرح الأحداث في أمة الإسلام وغاب العقل نهائياً. (نفس المصدر أعلاه، ص 47). وكذلك ساعدته أفكار الإمام الشافي ذي الميول الأشعرية، الذي قال: "حديثٌ ضعيف أفضل من القياس." بفضل هذه الآراء أصبح الغزالي أشهر من علمٍ في رأسه نارٌ وحاز على لقب "حُجة الإسلام".
وقد تخلى الغزالي عن عقله تماماً عندما تحدث عن الحج وقال إنّ ما يقوم به الحاج من ركض بين الصفا والمروة، وبقية الطقوس، لا يقبلها العقل ولا يستسيغها، ولكن القيام بها يُثبت عبودية الفرد لله: " ولذلك وظف عليهم فيها أعمالا لا تأنس بها النفوس ولا تهتدي إلى معانيها العقول كرمي الجمار بالأحجار والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية فإن الزكاة إرفاق ووجهها مفهوم وللعقل إليه ميل والصوم كسر للشهوة التي هي آلة عدو الله وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل والركوع والسجود في الصلاة تواضع لله عز وجل بأفعال هي هيئة التواضع وللنفوس أنس بتعظيم الله عز وجل فأما ترددات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس ولا أنس فيها ولا اهتداء للعقل إلى معانيها فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد وقصد الامتثال للأمر من حيث إنه أمر واجب الإتباع فقط وفيه عزل للعقل عن تصرفه وصرف النفس والطبع عن محل أنسه فإن كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما فيكون ذلك الميل معينا للأمر وباعثا معه على الفعل فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد." (إحياء علوم الدين، ربع العبادات، الجزء 7، ص 19)؟ رحم العقل أمة الإسلام التي تقتدي بأمثال الغزالي.
وهناك عرابون آخرون ساعدوا على انتشار الفكر الأشعري والتعتيم على العقل المسلم، من أمثال ابن تيمية، وأبي الأعلى المودودي، ومحمد بن عبد الوهاب، وبعض "علماء" الأزهر السابقين والمعاصرين. فمثلاً نجد الشيخ أحمد بن نجيب المصري، شافعي المذهب، يقول في كتابه – عمدة السالك وعدة الناسك – ما معناه: علوم الماديين تعتمد في المقام الأول على اعتقاد الماديين أن الأشياء في ذاتها تحتوي على مسببات غير الله. الذين يعتقدون ذلك قد خرجوا من ملة الإسلام.
لقد كان صلاح الدين الأيوبي وكبير قضاته، صدر الدين بن عيسى الدرباس، السبب الرئيسي في انتشار المدرسة الأشعرية في مصر. فقد حفظ صلاح الدين الأيوبي عن ظهر قلب ما كتبه قطب الدين أبوالمعالي مسعود النيسابوري، من أقطاب المدرسة الأشعرية، وحفّظه صلاح الدين لأبنائه وبقية أفراد الأسرة الأيوبية (
The Closing of the Muslim Mind, p 9). انتشار المذهب الأشعري أدى إلى إغلاق العقل المسلم ومنع الاجتهاد منذ القرن الثاني عشر الميلادي، وكنتيجة لهذا الموقف نجد أن البلاد الإسلامية سيطر على مناهج تعليمها "علماء" الأمة الذين خرّبوا التعليم وخرّجوا لنا علماء شريعة لا يقدمون للمجتمع أي خدمات. ويُظهر تقرير انتجته جامعة ماليزيا الإسلامية أن البلاد الإسلامية بها في المتوسط 8.5 مهندسين وفنيين في كل 1000 مواطن، بينما بقية دول العالم بها في المتوسط 40.7. وإذا نظرنا إلى المنشورات العلمية في تلك البلاد نجد أن كوريا الجنوبية تنتج 144 دراسة علمية في كل مليون من سكانها، بينما تنتج البلاد العربية 26 دراسة فقط عن كل مليون شخص (نفس المصدر أعلاه، ص 162). أما عن حقوق الإنسان والديمقراطية التي يعتبرها أغلب "علماء" الأمة كفراً، فحدث ولا حرج. وقد انشغل "علماء الأمة بتوافه الأمور مثل حساب درجة حرارة نار جهنم، أو تحديد المواد الكيمائية في أجسام الشياطين.
فهل هناك أي أمل في إصلاح هذا الدين السياسي الذي دمر حياة الملايين من البشر فعلياً عن طريق الذبح والتفجيرات، أو عن طريق إلغاء عقولهم؟ هناك من بعتقد ذلك ولكني أقول بغير ذلك

لا يخامرني أدنى شك أن الإسلام منظومة سياسية تقمصت لبوس الدين، والدين منها براء. الأديان يمكن إصلاحها كما حدث مع المسيحية واليهودية دون التعرض للنص المقدس لأتباع تلك الديانات. الإصلاح يكون عن طريق تغيير الخطاب الديني الذي ينطق به رجالات الدين أو بغض الطرف عن بعض الآيات التي تحدث إشكالاً مع متطلبات العصر. فهاهي المسيحية اضطرت للخضوع لمجاراة العصر وسمحت بتعميد النساء والقساوسة المثليين بعد أن نفضت يدها عن السياسة مجبرةً. أما اليهودية فقد حاول حاخاماتها الاحتفاظ بنصوصها كما هي وتطبيقها على أرض الواقع. ورغم أن بعض الحاخامات المتشددين في إسرائيل ما زالوا يطبقون نفس النصوص الجامدة التي تحدد ما يمكن أن يفعله اليهودي يوم السبت، وما يجب أن يتحقق منه الرجل أو المرأة قبل الزواج، فإن غالبية الشعب الإسرائيلي قد اضطرهم المجتمع الحديث للعمل يوم السبت والزواج من الزميلة الموظفة ذات الدخل الكبير حتى وإن لم تكن يهودية. و في الولايات المتحدة وأوربا قد تخلى اليهود وحاخاماتهم عن أشياء كثيرة وقبلوا بتعميد النساء وبزواج اليهودي بغير اليهودية وتخلوا تماماً عن الخوض في السياسة. فانتشار التعليم والضغوط الاقتصادية والمجتمعية حملت الأديان على التأقلم أو الانقراض.
ولكن للأسف نفس الضغوط لا تؤثر على الأيدولوجيات السياسية لتتأقلم معها. المنظومات السياسية مثل الفاشية الموسولينية ومثل النازية الهتلرية لم يكن من الممكن أصلاحهما لأنهما بُنيا على استعلاء جنس معيّن من البشر على بقية الأجناس، وسعيا للسيطرة على بقية الأجناس ليس بالعلم أو المقدرة الفكرية، وإنما بوراثة جينات جنس معيّن من البشر كالجنس الآري مثلاً. وما زال شباب النازية الجديدة في أوربا يلبسون نفس القمصان الهتلرية أو الموسولينية ويؤدون نفس التحية العسكرية ويستعلون على المهاجرين ويقتلونهم إذا تمكنوا منهم لأنهم لا يستحقون الحياة في نظرهم. مثل هذه الأديدولوجيات السياسية يكون إصلاحها في الخلاص منها نهائياً لأن تعاليم الأيدولوجية لا تسمح بالتأقلم مع الزمن
وفي اعتقادي نفس الشيء ينطبق على المنظومة الشيوعية التي بُنيت على سيطرة الطبقة العاملة على مفاصل الانتاج، أي على ديكتاتورية البروليتاريا. فلا يمكننا أن نتخيل منظومة شيوعية تتأقلم مع سيطرة الإقطاع الصناعي أو الزراعي على مفاصل الدولة وتسخير الطبقة العاملة كعملية إصلاح للأيدولوجية الشيوعية. فالمنظومة الشيوعية أمامها خيران لا ثالث لهما: إما أن تُطبق عملياً وتبلغ شأوها، وإما أن تنهار نهائياً، فالاشتراكية ليست هي الشيوعية. وأرجو أن يصوبني صديقي فؤاد النمري إن كنتُ مخطئاً في طرحي هذا.
نأتي الآن إلى الإسلام، وهناك الكثيرون الذين يعتقدون أنه بالإمكان إصلاحه. وقد شاركت في ندوة في روما عن إصلاح الإسلام قبل عدة أشهر مع الصديق الدكتور عبدالخالق حسين وبعض الكتاب العرب وبعض المستشرقين. وكان مركز "المصلح" http://www.almuslih.org قد دعا لهذه الندوة. كل المشاركين الذين قدموا أوراقاً في هذه الندوة قالوا بإمكانية إصلاح الإسلام، وكنتُ أنا الصوت النشاز الوحيد لإيماني المطلق أن الإسلام أيدولوجية سياسية إما أن تُطبق بكاملها أو تنقرض.
استحالة إصلاح الإسلام ترجع إلى عدة عوامل سوف أركز على بعضها وأذكر الأخريات بدون نقاش. العامل الأول هو نظرية المسلمين الدونية لغير المسلم. فهم يتبعون قدوتهم الأولى محمد الذي لا يرى بأساً في قتل عصماء بنت مروان التي كانت ترضع وليدها على صدرها، ويقول: لا ينتطح فيها عنزان لأنها لم تسلم وبالتالي هي أقل شأناً من أن تنتطح فيها عنزان ناهيك عن رجال مسلمين هم فوقها درجات . وهم كذلك يتبعون قدوتهم الحديثة هتلر لأنه اضطهد اليهود وقتلهم، فبعثوا إليه مفتي القدس الشيخ الحسيني للتهنئة. وما دام المسلم أعلى مرتبةً من غير المسلم، فلن يتنازل المسلم طواعية عن هذا الموضع ويقبل بإصلاح الإسلام فيصبح مساوياً للكافر
السبب الثاني هو جهل "علماء" الإسلام بالعلوم الطبيعية والعلوم السياسية والاجتماعية. كل ما يعرفونه هو القرآن والسنة والفقه والسيرة. هؤلاء الجهلاء هم المتحكمون في رقاب الأمة، وهم المسؤولون عن مناهج التعليم وبالتالي يزرعون نفس البذرة في أجيال المستقبل. وهذا الوضع المريح قد جعلهم نجوم فضائيات عديدة يحصدون منها ملايين الريالات ويبنون القصور الشامخة. فهل يمكن أن يقبلوا طواعيةً بإصلاح الإسلام وتنوير العامة؟
كلما شذ عالم دين أو فلسفة عن إجماع جهلاء الإسلام كان الجلد والسجن وحرق كتبه عقاباً جاهزاً متفق عليه. فمثلاً الفيلسوف العربي المسلم أبو يعقوب الكندي (ت 873م) عندما قال إن النبوة تعلو على الفلسفة في بعض الأشياء ولكن محتوى الاثنين لا يختلف كثيراً، تواطأ عليه رجالات الدين فطرده الخليفة المتوكل من بغداد وصادر مكتبته العامرة (
The Closing of the Muslim Mind, p 41). فهل يجرؤ رجل دين آخر على نقد الإسلام والمطالبة بإصلاحه؟
تأصيل الخرافة الإسلامية حتى في عقول المتعلمين منا. فمثلاً نجد ابن خلدون، الذي كان من اتباع المدرسة الأشعرية، يقول عن دراسة الفيزياء في كتابه – المقدمة –"يجب أن نمتنع عن دراسة هذه الأشياء لأن مثل هذا الامتناع من صميم واجبات المسلم التي تحتم عليه عدم الخوض فيما لا يعنيه. مسائل الفيزياء لا تهمنا في أمور ديننا أو دنيانا، وعليه يجب أن نتركها جانباً." (نفس المصدر أعلاه، ص 43).
قفل باب الاجتهاد، وقد ظل مقفلاً منذ القرن الثاني عشر، وليس هناك من رجل دين معاصر أو هيئة دينية تستطيع فتحه. يظهر هذا جلياً عندما حاول الشيخ محمد على السنوسي (ت 1859م)، والذي كان معروفاً بالسنوسي الأكبر، فتح باب الاجتهاد فرد عليه مفتي مصر بفتوى تقول "لا ينكر أحد أن فضل الاجتهاد قد اختفى منذ أمد طويل، وليس في زماننا الحاضر أي رجل وصل في العلم إلى درجة فتح باب الاجتهاد." وعليه سوف يظل باب الاجتهاد مغلقاً إلى الأبد لأن فقهاء السلف لم يتركوا مسألة في الدين إلا وقتلوها بحثاً، وليس هناك ما يمكن إضافته لما قالوه. ورغم أن باب الاجتهاد ظل مفتوحاً في المذهب الشيعي، فإن "علماء" الشيعة لم يأتوا بأي اجتهاد في العصور الحديثة. وهكذا كُتب علينا الجهل وترديد مقولة محمد "كل جديد بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؟"
جهل "العلماء" وإيمانهم بنفي السببية لأن الله هو السبب في كل شيء. وقد حمل هذا الموقف "علماء" باكستان بالمطالبة بأسلمة كتب الفيزياء والكيمياء، فنجدهم مثلاً يقولون "عندما يؤلف المختصون كتاباً للفصل الثالث الإعدادي، يجب ألا يسأل المعلم: ماذا سوف يحدث إذا لم يتناول الحيوان طعاماً؟ بل يجب أن يكون السؤال: ماذا سوف يحدث إذا لم يرزق الله الحيوان بأي طعام؟" وبالنسبة للفيزياء، يقول الشيوخ "العلماء" "إن جملة (الطاقة تسبب التغيير) جملة ملغومة لأنها توحي للطفل أن الطاقة هي سبب التغيير بينما الله هو السبب." وهنيئاً لأمتنا بمثل هؤلاء العلماء. هل يمكن أن نُصلح الإسلام وأطفالنا يحشي الجهلاء عقولهم بتعاليم المدرسة الأشعرية؟
وإنكار السببية هذا قد قادنا، وسوف يظل يقودنا إلى متاهات عويصة. فمثلاً العالم كله يعرف أنه إذا تجمع السحاب في مكانٍ ما وابرق ذلك السحاب فهطول المطر يصبح احتمالاً كبيراً. ولكن "علماء" المسلمين يقولون التنبؤ بسقوط الأمطار يقع خارج ما يمكن للمسلم شرعاً معرفته وربما يدخل في علم ما فوق الطبيعة. وكنتيجة حتمية لمثل هذه الفتاوى نجد أن نشرات الأحوال الجوية اختفت من الصحف والراديو والتلفزيون الباكستاني بين العام 1983 و العام 1984 في أيام حكم الجنرال ضياء الدين أو "ضياع الدين" كما سماه بعضهم. وبدل أن نستفيد من العلم الحديث في رصد تحركات السحب ودرجة الحرارة حتى يمكننا التنبؤ بأماكن هطول الأمطار، يطلب منا جهلاء الأمة وساستها أن نصلي صلاة الاستسقاء التي ظل المسلمون يقومون بها منذ ظهور الإسلام وحتى يومنا هذا وما زالت مكة صحراء جرداء لا تعرف المطر.
غياب سلطة دينية مركزية تكون كلمتها ملزمة لجميع المسلمين، كما يحدث في الكنيسة الكاثوليكية. فنحن نجد أن المسلمين قد انقسموا إلى 73 فرقة كما قال رسولهم. فتوى الأزهر ليست ملزمة للشيعة بكل فروعها من فاطميين واثني عشرية وعلويين وغيرهم، وغير ملزمة للإسماعيليين أو الدروز أو حتى الصوفية. و"علماء الأزهر أنفسهم لا يتفقون على رأي واحد في أي مسألة تُعرض عليهم، كما رأينا في فتوى رضاع الكبير. فكيف لنا أن نحمل "علماء" الأزهر على الاتفاق لإصلاح الإسلام وهم يرتعدون خوفاً من تنقيح كتاب البخاري الذي يقول فيه إن الله يمني وينزل المني من عرشه؟ هل يجرؤ مثل هؤلاء "العلماء" على تعليق العمل بآيات القتل والذبح وقطع الأيدي والأرجل؟
خوف أي رجل دين أو مفكر من التصريح بأي رأي قد يكون مخالفاً لإجماع بقية رجال الدين، ولو أنهم نادراً ما يجمعون على شيء. يظهر هذا جلياً في حالة الشيخ الشيعي أحمد القبانجي الذي أجهر برأيه في القرآن فتبرأ منه أخوه الأكبر وبقية عائلته واعتقلته إيران لفترةٍ من الزمن. ناهيك عن الاغتيالات التي طالت المفكرين من أمثال فرج فودة وحسين مروة وغيرهم الكثير. فالخوف من الإرهاب يمنع المتنورين من الكُتاب والفلاسفة من طرح آرائهم في العلن حتى تساعد في تغيير تلك العقول المتحجرة. ففي الهند حاول السيد أحمد خان (1817-1898) فعل ذلك وقال إن القرآن يجب أن يُعاد تفسيره ليتماشى مع العصر الحديث. فقامت عليه قيامة "العلماء" الجهلاء وقاطعوا الجامعة التي كان يُدرّس بها وأخيراً أصبحوا هم الذين يعلمون في الجامعة. وعندما حاول تلميذه سيد أمير علي (1849-1924) نفس الشيء وقال إن أبا الحسن الأشعري، وابن حنبل والغزالي وابن تيمية هم سبب تأخر المسلمين، أصدر متولي الكعبة فتوى بكفره وأباح دمه (نفس المصدر أعلاه، ص 170)
الجهل والأمية المتفشية في ربوع العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى موريتانيا ومن باكستان إلى السودان، تمثل العائق الأكبر لإصلاح الإسلام لأن الإصلاح يحتاج قاعدة عريضة تقف وراء من يدعون للإصلاح. فمثلاً في الولايات الأمريكية الجنوبية في القرن الثامن عشر عندما كان الجهل متفشياً في البيض والسود معاً، ظهرت فجأة حركة الصحوة الدينية المسيحية
Born Again Christians وقاد هذه الحركة خريج من جامعة ييل Yale الشهيرة اسمه جوناثان إدواردس Jonathan Edwards (1703-1758). كان خطيباً موفهاً واستطاع أن يقنع الجهلاء أن الله غاضبٌ عليهم لعدم ممارستهم طقوس دينهم. وفي فترة وجيزة انتشرت الصحوة لكل أنحاء الولايات المتحدة ووصل الناس إلى مرحلة الهستيريا الجماعية فكانوا يبكون في الكنائس بصوت عالٍ ثم بعد دقائق يضحكون ويرددون الأناشيد عندما يخبرهم القسيس أن الرب قد سامحهم (Karen Armstrong, A History of God, p 371). نفس هذا الجهل والهستيريا الجماعية موجودة عندنا في كل أنحاء العالم الإسلامي خاصةً العراق وإيران عندما يضربون أنفسهم بالسلاسل طواعية وينتحبون من أجل شخص قُتل قبل 1400 عام.. وفي مصر والسودان واليمن وغيرها يتكدس آلاف المسلمين في ضرائح الموتى يتبركون بها ويطلبون منها الشفاء من الأمراض ومن العقم. فما هو الدافع لرجالات الدين في مثل هذه الأجواء إلى محاولة إصلاح الإسلام الذي سخّر لهم جمع أموال الخُمس لمليء كروشهم، أو سخر لهم ملايين المشاهدين لقنواتهم الفضائية التي تجلب لهم الملايين؟ لا يمكن أن يأتي الإصلاح من شيوخ الإسلام. فمن الذي يمكن أن يُصلح لنا الإسلام؟ هل يصلحه المتعلمون من غير الشيوخ من أمثال أستاذ القانون في جامعة الكويت، راشد العنزي، الذي يشرف على لجنة المناهج المدرسية، وقال يجب إلغاء المادة 18 من قوانين حقوق الإنسان من الكتب المدرسية لأنها تقول بحرية الاعتقاد، وهذا يخالف شرعنا الإسلامي؟ إذا كان هذا رأي أستاذ القانون فما هو رأي الشيوخ؟
شيوخ الإسلام يستميتون في الدفاع عن الموروث الإسلامي ولا يتورعون عن مناجزة التنويريين الذين يحاولون بعض الإصلاحات الطفيفة، فمثلاً في السودان قال السيد حسن عبد الله الترابي إن الملائكة لم تقاتل مع المؤمنين، ولو قاتلت فكان قتالاً معنوياً، وإن عائشة كان عمرها ثمان عشرة عاماً لما تزوجها محمد، فانبرى له شيخ اسمه الكاروري يؤم مئات المصلين يوم الجمعة وله أتباع بالآلاف، فقال " أما نفيه لفعل القتل مادياً فهذا غير مقبول".. وأكد أن القتل فعلياً قد حدث في معركة بدر الكبرى، وأن هناك من مات هلعاً من المشركين ممن كانوا يراقبون معركة بدر حينما سمعوا أصوات الملائكة في المعركة. وأشار إلى أنه ورد أن من شاركوا في معركة بدر الكبرى قالوا إن (الضرب) وطريقته في جثث المشركين لم يكن بالضرب المعروف والمألوف. (متوكل أبوسن، صحيفة الراكولة السودانية، 5/5/2013). يؤكد الشيخ الكاروري أن الملائكة قتلوا المشركين وينسى أن ربهم عندما قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا له "أتجعل فيها من يسفك الدماء"؟ وهاهم يسفكون الدماء. من مصلحة الشيوخ زيادة جرعة التخدير.
في اعتقادي أن الحقوق لا تُمنح بل تُؤخذ عنوةً، أو كما قال جمال عبد الناصر "ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة". حرياتنا أُخذت منا ومن أسلافنا بالقوة وبالسيف والسبي. ونحن ضربونا عندما كنا أطفالاً لنحفظ خزعبلات الإسلام، وعليه يبقى الطريق الوحيد لتحديث الإسلام أو إلغائه هو القوة التي استعملها الحبيب بورقيبة لتحديث بعض أجزاء الإسلام، أو القوة التي استعملها كمال أتاتورك ليُرجع الإسلام إلى المساجد. وقد تقدمت كلا الدولتين في فترات وجيزة إلى أن استجاب الجهل إلى أصوات الشيوخ مرة أخرى ورجع الإسلام تدريجياً إلى تركيا مع حزب العدالة، وإلى تونس مع ثورة الربيع العربي. وإن قلبي ليتفطر على مصر أم الدنيا وعلى تونس الخضراء وعلى ليبيا والسودان. ولكن الجهل يصنع المعجزات
وفي الخلاصة أقول إنه لا يمكن إصلاح الإسلام بتاتاً ومكانه الطبيعي هو المتحف البريطاني مع هياكل الديناصورات.