الجمعة، 12 أغسطس 2011

أبطال مهزلة بدر الكبرى


هديتي إلى الطيب ابن الطيبين البابلي العظيم بمناسبة شهر الجوع الكريم
قال ابن الراوندي :
إنّ الملائكة الذين أنزلهم الله تعالى في يوم بدر لنصرة النبي بزعمكم.كانوا مغلولي الشوكة قليلي البطشة على كثرة عددهم و اجتماع أيديهم و أيدي المسلمين، فلم يقدروا أن يقتلوا زيادة على سبعين رجلا. أين كانت الملائكة يوم أحد؟ لما توارى النبي ما بين القتلى فزعا و ما بالهم لم ينصروه في ذلك المقام؟ (من تاريخ الإلحاد 93)
فعلا، إنها أكبر مهزلة أن تجتمع يد الله و أيدي المسلمين و أيدي الملائكة فلا يقتلون إلا سبعين و لا يأسرون إلا سبعين في الوقت الذي تتحفنا فيه السير بأن عنثرة بن شداد كان  لوحده يقتل مئة عن اليمين بضربة واحدة، و مئة عن الشمال؛ مما يفيد أن يد عنثرة كانت أقوى و أشد بطشا من يد الله و ملائكته و مستحمَريه جميعا. إنها فعلا لأكبر مهزلة.
فقد أجمعت السير على أن يوم بدر كان يوما مشهودا في تاريخ البشرية، فيه أعلنت حالة الطوارئ لأول مرة في السماء و استنفر الله أجناده و جواسيسه، و تواصلت الاتصالات بالأرض التي أدنت لربها و حقّّت، وساد الوجوم و شاهت الوجوه إلى أن قضى الله أمرا كان مفعولا. فماذا جرى يا ترى في ذلك اليوم الرهيب؟ و من الذي انتصر و من الذي انهزم؟ و ما محل الملائكة من الإعراب؟و هل استدعى وجودهم تواجد الشياطين؟ و من هم أبطال هذه المسرحية الهزلية الحقيقين في ضوء قوله: (فأنزل اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيّدَهُ بِجُنُودٍ لّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الّذِينَ كَفَرُواْ السّفْلَىَ وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة:40] ؟فمن هم هؤلاء الجنود الربانيون الذين لا يعلمهم إلا هو؟ هل هم ملائكة أم شياطين ؟ أم هم خليط من هؤلاء و أولئك؟ هذا ما سنحاول استجلاءه في هذه الأسطر إن كنتم من الصابرين.
إن التنقيب الجدي عن هؤلاء الجند الأبطال الذين صنعوا ذاك النصر الموهوم ليقتضي منا العودة إلى ما قبل الهجرة ، و بالظبط إلى بيعة العقبة الثانية حيث نجد العباس عم النبي و ابن خالته يفاوض، وهو الكافر، الأوس و الخزرج باسم محمد.فهذا الموقف لا بد و أن يسترعي الانتباه و يضع على الملاحظ الكثير من علامات الاستفهام ، منها مثلا كيف للعباس الكافر المشرك أن يقوم بهذه المبادرة دون سائر أعمام النبي الذين لا يقلون كفرا عنه ؟و كيف لمحمد أن يقبل من كافر به أن يفاوض باسمه؟. و الحق الحق أن العباس كانت له صحبة قديمة و كبيرة مع النبي.فإلى جانب أواصر القرابة التي تجمع بين الإثنين، فإنهما قد تربيا في نفس المنزل عند عبد المطلب، و تعلما كليهما على يد نفس الكاهن القس ورقة و في نفس الصومعة بحراء. ثم باشرا كليهما التجارة إلى اليمن و الشام قبل و بعد الرحلتين المشهورتين بالراهب بحيرا و خوارقه.و لا بد أن يكون للعباس يد في زواج محمد و لو أن السير تضرب عن ذلك صفحا. أما بعد نزول الوحي فإن العباس سيعتزل التجارة مثله في ذلك مثل محمد و سيصبح الملازم الأول له الذي لا يفارقه في حلّه و ترحاله.فالعباس إذن، لم يكن مسلما فحسب، إنما كان هو أول من آمن بمحمد، حتى قبل نزول الوحي.ففي السيرة الحلبية عن عكرمة مولى ابن العباس قال قال أبو رافع مولى رسول الله: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، و كان العباس أسلم و أسلمت زوجته و أسلمت أنا و كنا نكتم الإسلام، فلما جاء الخبر عن مصاب قريش ببدر سرّنا ذلك..إلى آخر الحديث(الحلبية 2/188 ، سيرة ابن هشام 2/646) وأمّا دحلان فقد أخرج في سيرته ما هو أدهى و أمرّ،قال: و كان العباس فيما قاله أهل العلم بالتاريخ قد أسلم قديما، و كان يكتم إسلامه، و كان يسرّه ما يفتح الله على المسلمين و كان النبي يطلعه على أسراره حين كان بمكة، و كان يحضر مع النبي حين كان يعرض نفسه على القبائل، و كان يحثهم و يحرضهم على ما قال،فهذا كله يدل على إسلامه، و كان النبي أمره بالمقام بمكة ليكتب له أسرار قريش و أخبارها، ثم قال: فكان العباس يخفي إسلامه بإذن من النبي، قال: و للنبي غرض في إخفاء إسلامه ليكون له عينا ينقل أخبار القوم ( سيرة دحلان:هامش السيرة الحلبية ، 1/402 ـ 403).فبمجرد ما انفضت بيعة العقبة و انتهى خبرها إلى أهل مكة الذين ثارت ثائرتهم و اشطط غضبهم و همّوا الانتقام من محمد و أجمعوا على الحيلولة دونه و دون الالتحاق بالخزرج،و بدأ الصحابة فعليا في الهجرة إلى المدينة، حتى استطاع العباس أن يجنّد أول جاسوس في الإسلام تذكره السير باسم حركي هو الشيخ النجدي الذي اخترق مجلس الملإ الأعلى في دار الندوة حيث اجتمعوا للمشورة في أمر محمد.قال ابن هشام في سيرته ، قال ابن اسحاق:فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبير أبي الحجاج، و غيره ممن لا أتهم، عن عبد الله بن عباس قال: لمّا أجمعوا لذلك، و اتّعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله، غدوا في اليوم الذي اتّعدوا له، و كان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس لعنه الله في هيئة شيخ جليل،عليه بتلة،فوقف على باب الدار، فلمّا رأوه واقفا على بابها، قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتّعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، و عسى أن لا يعدمكم منه رأيا و نصحا. قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم لعنه الله.(سيرة ابن هشام 2/ 480). فكان الشيخ النجدي هذا هو أول إبليس سنقابله في هذا البحث.لقد استطاع هذا الشيخ حسب حديث ابن إسحاق الطويل أن ينخرط في الاجتماع أيما انخراط بذكاء و ألمعية متظاهرا بالعداوة لمحمد، و يتدخل بعدة اعتراضات و انتقادات دون أن يدلي بأي رأي من عنده، مفسحا المجال للمجتمعين في البحث في عدة خيارات إلى أن أجمعوا على رأي أبي الحكم (جهل) بن هشام الذي قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه،فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منّا بالعقل فعقلناه لهم. قال ابن إسحاق: فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا رأي غيره.فتفرق القوم على ذلك و هم مجمعون له.(نفس المصدر السابق). و بعد انفضاض المجلس انتقل الشيخ الإبليس توا إلى العباس الذي راح من فوره هو الآخر إلى محمد لينقل إليه ما جرى في دار الندوة مما جعل محمدا يعجّل في هجرته في نفس ذلك اليوم.إلا أن ابن اسحاق نجده يقول في هذا الصدد: فأتى جبريلُ عليه السلام رسولَ الله فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.(نفس المصدر).فكان العباس هو جبريل عند الرواة في هذا الحديث الذي يحلو أن نسميه حديث الشيخ النجدي. و بعد أن أفلت محمد من أهل مكة و مكث في غاره ثلاث ليال بمعية أبي بكر و هم يبحثون عنه جعلوا فيه دية مائة ناقة لمن ألقى عليه القبض أو قتله. فلما ذاع الخبر إذ بسراقة بن مالك المدلجي أحد الطامعين في الدية يسترق خبر محمد فخرج في طلبه إلى أن عثر عليه فقال له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية لمن قتلك أو أسرك...قال و في رواية أنه لما لحق بهم، قال رسول الله: اللهم اصرعه، فصرع عن فرسه، فقال: يا نبي الله، مرني بما شئت، قال: تقف مكانك لا تتركن أحدا يلحق بنا.قال سراقة: فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، لأنه وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول الله، قال ابن هشام قال ابن اسحاق و في السبعيات (اسم كتاب) قال سراقة: يا محمد، إني لأعلم أنه سيظهر أمرك في العالم و تملك رقاب الناس، فعاهدني إني إذا أتيتك يوم ملكك فأكرمني.فأمر عامر بن فهيرة( مولى أبي بكر)و قيل أمر أبا بكر فكتب لي في رقعة من أدم، و قيل في قطعة من عظم و قيل في خرقة.قال: و لما أراد الانصراف قال له رسول الله: كيف بك يا سراقة إذا تسوّرت بسواري كسرى!!قال: كسرى بن هرمز؟!،قال: نعم.و لمّا رجع سراقة صار يردّ عنهم الطلب، لا يلقى أحدا إلاّ ردّه،يقول سبرت الطريق فلم أر أحدا.و في لفظ قال لجماعة من قريش قد خرجوا يطلبون رسول الله: قد عرفتم بصري بالطريق، و قد سرت فلم أر شيئا فرجعوا.قال: فكان سراقة أول النهار جاهدا على رسول الله و آخر النهار سلحة أي سلاحا له.و في رواية: قال سراقة خرجت و أنا أحبّ الناس في تحصيلهما، و رجعت و أنا أحب الناس في أن لا يعلم بهما |أحد.(السيرة الحلبية 2/44 ـ 46).هذا هو حديث سراقة الطويل و الذي نستشف منه أن سراقة قد حصّل القوم و أنهم ساوموه و أرشوه و أعطوه ما أنساه المائة ناقة.فالكتاب الذي كتبوه له تقول الروايات بأنه كتاب أمن و في بعضها كتاب أمان.و نحن نشك في ذلك، لأن الذي كان في تلك اللحظة محتاجا للأمن و الأمان هو محمد المتسلل خيفة من قومه و ليس سراقة المغامر المسلح من رأسه إلى أخماص قدميه.إن الكتاب الذي كتبه ابن فهيرة أو ابن أبي قحافة يفترض فيه أن يكون متضمّنا لما هو أغلى من مائة ناقة، لقد كان كتاب وعد بعطاء جزيل جعل سراقة يضرب صفحا عن قريش و دية قريش.و دليلنا على ذلك ما تدل عليه قصة إسلامه، فإنه أسلم بعد فتح مكة، حيث قدم على الرسول و هو بالجعرانة (موضع بين الطائف و مكة) بعدما فرغ من حنين و الطائف. قال سراقة: خرجت و معي الكتاب لألقاه، فلقيته بالجعرانة، فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعونني بالرماح، و يقولون: إليك ما تريد؟قال: فدنوت من رسول الله و هو على ناقته، فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت: يا رسول الله، هذا كتابي، و أنا سراقة، فقال رسول الله:مرحبا بك، يوم وفاء و بر، اُدنه، فدنوت منه و أسلمت(و نعم الإسلام).(الحلبية 2/45). هكذا يتضح أن الكتاب لم يكن كتاب أمن بقدر ما كان صكا مؤجل التنفيذ أو شيكا على بياض كما نقول اليوم و الدليل عليه قوله يوم وفاء و بر. ثم طلب سراقة من النبي أن يأمره بما ي.شاء و تفيدنا الروايات أن النبي أمره بأن يرد عنه الطلب أو قال له: تقف مكانك لا تتركن أحدا يلحق بنا. و نحن لا اعتراض لنا على هذا الأمر إنما نرى أنه ناقص فالرسول لم يأمر سراقة باعتراض عيون قريش فحسب، و إنما أمره كذلك بأن يلتحق بالعباس و أن يضع نفسه رهن إشارته. و ذاك ما كان.التحق سراقة بالعباس و هاجر محمد للمدينة و استقر بها و طاب له المقام.و لما أمن على نفسه و اطمأن لمقامه عند الأنصار بدأ يستفز قريشا الذين ما فتئوا يتحاشون حربه و يتهربون من أي مواجهة ضده، ليس خوفا منه أو من الأنصار و لكن ليقينهم التام بأن أي حرب ضده لن تعود نتائجها إلا لصالحه، سواء أ انتصروا عليه أم انهزموا أمامه.أما محمد فقد كان يتحرق لأي صدام مع قريش لإيمانه العميق بأن مشروعه لن يتم بدون حرب و أن الدولة لا تقوم بدون قوة و أن الطاعة و الانقياد لا يكونان بدون غلبة. فكانت الاتصالات مع العباس جارية على قدم و ساق و ما لبث هذا الأخير أن أعلمه بأمر قافلة أبي سفيان . قال ابن إسحاق - رحمه الله - بعد ذكره سرية عبد الله بن جحش: ثم إن رسول الله  سمع بأبي سفيان صخر بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة، وفيها ثلاثون رجلا - أو أربعون - منهم: مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن ابن عباس، كل قد حدثني بعض الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر.
قالوا: لما سمع رسول الله  بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم وقال: «هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها»، فانتدب الناس فخفف بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله  يلقى حربا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس من لقي من الركبان تخوفا على أموال الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك.
فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة.( البداية والنهاية/الجزء الثالث/غزوة بدر العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان).لكن العباس لم ينتظر وصول ضمضم إنما بادر قبل ذلك إلى تحريض قريش و حثها على الخروج إلى حماية عيرها إذ بث فيهم رؤيا ادعاها لأخته عاتكة بنت عبد المطلب  قال ابن اسحاق :فحدثني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس و يزيد بن رومان قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم عليّ ما أحدثك، قال لها: وما رأيت؟
قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلا صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه.
ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: إلا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث.
ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة.
قال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها لا تذكريها لأحد، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة - وكان له صديقا - فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لابنه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش في أنديتها(نفس المصدر السابق).فالعباس إذن،نراه تعمد إفشاء هذه الرؤيا و ذلك قبل مجيء رسول أبي سفيان بثلاثة أيام ليشحذ همم أهل مكة و يوغل صدورهم و يهيئهم نفسيا لاستقبال الخبر. و لما جاء ضمضم كانت حمية أهل مكة متقدة متوهجة فما أن سمعوا حديث العير حتى هاجت هائجتهم و ثارت أعصابهم و أجمعوا جمعهم على الخروج، فتذاكروا الأمر بينهم قال صاحب البداية و النهاية في المصدر السابق: قال ابن إسحاق: (فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أن أبا لهب ابن عبد المطلب بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه قد أفلس بها). و كان بينهم مترددون و رافضون للحرب كأمية بن خلف، إلا أن تحريض أبي الحكم نجح في تعبئة القوم،و كان من بين ما احتج به القوم الرافضون ماكان بين قريش و كنانة من ثأر و ذحول و دماء لأن القبيلتين كانتا في حالة حرب .فلما تجهزت قريش و أرادت الخروج تذكروا ما بينهم و بين كنانة من دماء فكاد ذلك أن يصرفهم عن الخروج خوفا من كنانة أن يأتوهم من خلفهم أو أن يخلفوهم على ديارهم. هنا تدخل سراقة و بدأ دوره الحاسم.يقول صاحب الحلبية: فجاء إليهم سراقة و كان من أشراف بني كنانة، و قال لهم أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه(الحلبية 2/ 146) و يستطرد صاحب الحلبية قائلا : إلا أن الرواة يقولون : جاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي ـ ثم يضيفون فقال سراقة لقريش و لم يقولوا فقال إبليس لقريش ليثبتوا أن سراقة هو القائل الحقيقي و أن إبليس كان موضع شك عندهم. و ماذا قال قريش ـ قال لا تخافواأنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، و وعدهم أن بني كنانة مقبلون لنصرهم، و حسّن إليهم الأمر و قربه لهم و هوّنه عليهم( نفس المصدر السابق). و الظاهر أن الرواة معذورون لقولهم أن إبليس قد جاء في صورة سراقة لأنهم لا يمكنهم أن يناقضوا ما قاله محمد في الآيتين 47 و 48 من سورة الأنفال: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (يصف قريشا عند خروجهم لبدر)وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ. فإبليس الذي زين لهم أعمالهم نجده في الآية يقول ما قاله سراقه في مكة ما يدل على أن محمدا كان يعرف بما جرى في مكة ، و لرفع الإشكال عمد الرواة إلى الجمع بين الإثنين فقالوا إن إبليس تقمص شخصية سراقة.هكذا يصبح سراقة الذي أنقذ محمدا من الأسر أو القتل شيطانا مريدا على لسان محمد نفسه. ثم خرج القوم و فيهم سراقة و معه بنو كنانة الذين ستصفهم الروايات بجند الشيطان ـ قال صاحب  البداية و النهاية في الفصل السابق ذكره:فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وجاء إبليس في جند الشياطين ومعه ذريته وهم في صورة رجال من بني مدلج والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم ـ . و فيهم العباس بنفسه و ماله ـ فقد ذكروا أن الذين كانوا يطعمون جيش قريش لما خرجوا إلى بدر كانوا اثني عشر رجلا، و ذكروا منهم العباس بن عبد المطلب( الحلبية 2/152 ـ 153) و جاء في الحلبية كذلك أن العباس خرج لبدر  و معه عشرون أوقية من ذهب ليطعم بها المشركين فأخذت منه في الحرب، فكلّم النبي أن يحسب العشربن أوقية من فدائه، فأبى و قال:أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا نتركه لك(الحلبية 2/198).و كان في من خرجوا مع القوم شخصية أخرى كان لها باع كبير في ما آلت إليه نتيجة الحرب ألا و هو الصحابي الجليل حكيم بن حزام قرين رسول الله و صديقه الحميم قبل البعثة و ابن أخ زوجته خديجة، لم يسلم أو لم يظهر إسلامه هو الآخر إلا بعد فتح مكة و كان يقول: لا و الذي أنجاني يوم بدر و أحد ـ فقد ذكر ابن اسحاق أنه
لما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله  فيهم حكيم بن حزام
فقال رسول الله : «دعوهم»، فما شرب منه رجل يومئذٍ إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجاني يوم بدر(البداية و النهاية ،ج3،  باب: غزوة بدر العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان).و كان حكيم رجلا ثريا تاجرا آلت إليه الرفادة في قومه فكان يطعم الحجاج من ماله الخاص وذكر من بين المطعمين يوم بدر.و كان صديقا مقربا بطبيعة الحال من العباس و من أصحابهما في صومعة حراء فلا يستبعد أن يكون هو الآخر مؤمنا بمحمد من قبل أن يأتي الوحي و لا يستبعد أن يكون مشاركا للعباس في التجسس مطلعا على مأموريته الاستخباراتية و ذاك ما ستدلنا على أحداث موقعة بدر.
و في هذه الأثناء كان محمد يجوب الطرقات مع أصحابه مدعيا اقتفاء أثر قافلة أبي سفيان في حين تفيدنا الروايات أنه كان علم تام بكل حركاتها و سكناتها،قال أبو هريرة:بعث رسول الله(ص) عشرة عينا في غزوة بدر يتجسسون له ( البخاري شرح فتح الباري 8/382) و عن أنس بن مالك قال بعث رسول الله بسيسا عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان(مسند أحمد 3/136 ، سنن أبي داود2/27) و أما الطبري فيورد في تاريخه أنه: عندما دنا أبو سفيان بالقافلة قادما من الشام، و أراد أن يعرف الرسول أين وصلت القافلة، بعث قبل أن يخرج من المدينة طلحة بن عبيد الله و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار عن العير ثم رجعا إلى المدينة فقدما يوم وقعة بدر فاستقبلا رسول الله بتربان و هو منحدر من بدر يريد المدينة المنورة بعد انتهاء الغزوة و لم يحضرا القتال فأسهم لكل منهما( تاريخ الطبري2/296).و عليه فهذه الروايات تفيدنا بأن محمدا كان  على إلمام تام بالقافلة و أنه كان يتتبع حركات العير أولا بأول إلى أن انتهت الحرب. و إنما كان يجوب بأصحابه الطرقات قصد اقتناص فرصة اقناعهم بالحرب.لأن القوم لم تكن لهم رغبة في حرب بقدر ما كان غرضهم النهب. فالأنصار لم يتفقوا معه في العقبة على حرب إلا من اعتدى عليه في ديارهم، كما أن أصحابه المهاجرين لم يكونوا على استعداد لمحاربة أهلهم من قريش. و قد روى ابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه - واللفظ له - من طريق عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم عن أبي عمران أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول
قال رسول الله  ونحن بالمدينة: «إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله يغنمناها؟».
فقلنا: نعم!
فخرج وخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: «ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟».
فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم ولكنا أردنا العير
ثم قال: «ما ترون في قتال القوم؟».
فقلنا مثل ذلك.
فقام المقداد بن عمرو فقال: إنا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون(البداية و النهاية). آنذاك اطمأن محمد و اتجه توا إلى ماء بدر حيث تقتضي خطته حصر قريش. أما أبو سفيان لما تيقن أنه في مأمن من محمد فقد بعث إلى قريش يطمئنهم على عيرهم و أموالهم و يطالبهم بالرجوع، فما كان من قبيلة بني زهرة إلا عادوا جميعهم. قال ابن إسحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: أنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا.
فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا.
وقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي - وكان حليفا لبني زهرة - وهم بالجحفة: يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بها جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا(  يعني به أبا الحكم).
قال: فرجعوا فلم يشهدها زهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعا ولم يكن بقي بطن من قريش إلا وقد نفر منهم ناس إلا بني عدي لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد(البداية و النهاية). فكانت هذه أول ضرية قصمت ظهر جيش قريش الذين كان عددهم عند خروجهم من مكة يناهز الألف رجل. و لما التقى الجمعان و اصطف الفريقان يتناوشان و يستطلعان بعضهما البعض بادر حكيم بن حزام إلى بث الفرقة بين القوم و فت عضدهم و النيل من شوكتهم بأن مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟
قال: وما ذاك يا حكيم؟
قال: ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي.
قال: قد فعلت.
أنت عليَّ بذلك، إنما هو حليفي فعليَّ عقله وما أصيب من ماله.
فأت ابن الحنطلية - يعني: أبا جهل - فإني لا أخشى أن يسجر أمر الناس غيره(البداية و النهاية ،ج3،  باب: غزوة بدر العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان).لكن أبا الحكم استطاع بدهائه  أن يعيد عتبة إلى الصف و يدفع به إلى مبارزة أصحاب محمد فيقتل هو و ابنه و أخوه على يد عبيدة بن الحارث و حمزة بن عبد المطلب و علي بن أبي طالب. و كان محمد على رأس الصف و هو من أذن لهؤلاء الثلاثة بمبارزة أمية بن خلف.و مما يجذر ذكره هنا هو أن محمدا قد قال ، - وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم وهو على جمل له أحمر- حسب ما أورده الرواة عن ابن اسحاق «إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر» إن يطيعوه يرشدوا.( نفس الباب من نفس المصدر) ما يدل على أن محمدا قد علم بما دار بين عتبة و حكيم بن حزام و أن الأخير قد قام بمأموريته أحسن قيام.
 ثم أمر الرسول بحفنة تراب فرمى بها في وجوه جيش قريش الذين كان من بينهم سراقة و جنده.فما كان من سراقة إلا أن ولى هو و قومه هاربين و تركوا أهل مكة لوحدهم في الميدان، فخرت عزيمتهم و وهن أمرهم فحمل عليهم جند محمد يقتلون من قتل و يأسرون من أسر.فإذا كانت الروايات لا تسعفنا بعدد أفراد قيبلة بني زهرة الذين انسحبوا قبل المعركة و لا بعدد جند سراقة، فإن عدد القتلى و الأسرى الضئيل يفيد بأنهم كانوا يشكلون معظم جيش قريش. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ  (الأنفال 7) .....
فلما اصطف الناس قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره.
ورفع رسول الله  يديه فقال: «يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا».
فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم، فما  من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين.
وأقبل جبريل إلى إبليس فلما رآه - وكانت يده في يد رجل من المشركين - انتزع إبليس يده ثم ولى مدبرا وشيعته.
فقال الرجل: يا سراقة أما زعمت أنك لنا جار؟
قال: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ  (الأنفال: 48) وذلك حين رأى الملائكة رواه البيهقي في (الدلائل).
وقال الطبراني حدثنا مسعدة بن سعد العطار، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا عبد العزيز بن عمران، ثنا هشام بن سعد، عن عبد ربه ابن سعيد بن قيس الأنصاري، عن رفاعة بن رافع.
قال: لما رأى إبليس  ما فعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي وخاف أن يخلص القتل إليه.
وأقبل أبو جهل فقال لما رأى الهزيمة محذقة بهم: يا معشر الناس لا يهولنكم خذلان سراقة بن مالك فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل شيبة وعتبة والوليد فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نفرقهم بالجبال، فلا ألفين رجلا منكم قتل رجل ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم سوء صنيعهم من مفارقتهم إياكم ورغبتهم عن اللات والعزى(نفس الباب من نفس المصدر السابق) . لكن القوم كانت قد خرت قواهم و ضعفت عزيمتهم فكانت الهزيمة مقرونة بفرار سراقة و جنده المتزامنة مع رمي الحصى أو التراب من طرف محمد و كان ذلك مما تقتضيه الخطة المتفق عليها بين العباس و سراقة مع محمد،. قال الأموي:
وأمر رسول الله  فأخذ كفا من الحصى بيده ثم خرج فاستقبل القوم
فقال: «شاهت الوجوه»
ثم نفحهم بها ثم قال لأصحابه: «احملوا فلم تكن إلا الهزيمة» فقتل الله من قتل من صناديدهم، وأسر من أسر منهم.
وقال زياد عن ابن إسحاق ثم أن رسول الله  أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا، ثم قال: «شاهت الوجوه»، ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال: «شدوا».
فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.
وقال السدي الكبير: قال رسول الله  لعلي يوم بدر: «أعطني حصباء من الأرض» فناوله حصباء عليها تراب فرمى به وجوه القوم فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم ردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم وأنزل الله في ذلك: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى  (الأنفال 17).
هكذا تمت وقعة بدر بمكيدة مدبرة بين محمد من جهة و العباس بن عبد المطلب و سراقة بن مالك و حكيم بن حزام من جهة أخرى.و قد صدقت تسمية الرواة لهذه الحرب بالوقعة لأنها في الحقيقة كانت فخا نصبه محمد و أبطال بدر الثلاثة المذكورون.ثم إن سراقة بعد رجوع قريش إلى مكة أنكر فعلته التي فعلها في بدر، ففي السيرة الحلبية: و ذكر السيهيلي أنه يروى أن من بقي من قريش و هرب إلى مكة وجدوا سراقة بمكة، فقالوا، يا سراقة خرقت الصف و أوقعت فينا الهزيمة، فقال: و الله ما علمت شيئا من أمركم،ما شعرت و ما علمت، فما صدقوه حتى أسلموا و سمعوا ما أنزل الله فعلموا أنه إبليس(الحلبية 2/146).و أورد الزمخشري في الكشاف قصة سراقة هذه و ذكر رجوع قريش من بدرإلى مكة و قال: فلما بلغوا مكة قالوا،هزم الناسَ سراقةُ، فبلغ ذلك سراقة فقال:  و الله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، قال فلما أسلمواعلموا أنه الشيطان(الكشاف، تفسير الآية 47 من سورة الأنفال).و أما العباس فقد أسر في هذه الوقعة و فدى نفسه بعد أن أمر الرسول أصحابه ألا يقتلوا أحدا من بني هاشم و ألا يقتلوا العباس و ابن البختري. و أما سراقة فقد أخذ جزاءه أضعافا مضاعفة عند إسلامه بعد الفتح كما سبق ذكره، و بقي أمر وعد الرسول له بأساور كسرى.فاعلم إنه لما فتح سعد بن أبي وقاص مدينة طيسفون، المسماة عند العرب بالمدائن، وكان ذلك في خلافة عمر بن الخطاب سنة 61 هجرية، أرسلت الغنائم التي اغتنمها جيش المسلمين إلى المدينة، و كان فيها مال كثير من مال كسرى، و من جملة ذلك سوارا كسرى، و تاجه، و منطقته، و بساطه الكبير، و كان ستين ذراعا في ستين ذراعا منظوما باللؤلؤ و الجواهر الملونة على ألوان أزهار الربيع، كان يبسط لكسرى في إيوانه و يشرب عليه إذا عدمت الزهور. و أرسلت مع الغنائم السبايا أيضا و هنّ بنات كسرى، و كنّ ثلاثا و عليهن من الحلي و الحلل و الجواهر ما يقصر اللسان عن وصفه. و أمر عمر بن الخطاب بالمال الذي جيء به من أموال كسرى فصبّ في صحن المسجد، و أخذ يفرقه على المسلمين. و عند ذلك دعا  سراقة و قال له: ارفع يديك و ألبسه السوارين، و قال له: الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول أنا رب الناس، و ألبسهما سراقة بن مالك( الحلبية 2/45)
هذه هي حكاية أبطال مسرحية بدر الكبرى، العباس و سراقة و حكيم بن حزام، أوردناها لك بكل تفصيل كما استخلصناها من خلال غربلة روايات المحدثين و أصحاب السير و الأخبار، على أن نختمها كما و طأنا لها بقول آخر لابن الراوندي الكبير الذي يظهر من خلال كلامه هذا أنه كان على فهم كبير لأمر الملائكة و الشياطين و علاقتهم بسراقة و علاقته بهم.قال ابن الراوندي:
إنّ المخاريق شتى و إن فيها ما يبعد الوصول إلى معرفته و يدق على المعارف لدقته، و إن أورد أخبارها عن شرذمة قليلة يجوز عليها المواطأة و الكذب كقولهم بتسبيح الحصى و كلام الذئب و شاة أم معبد و حديث سراقة ، و كلام ضلع الشاة المسمومة ، فهذه كلها مما تنكره العقول . ( من تاريخ الإلحاد 90)
أبو نبي العرب

Day Counter for