الأربعاء، 28 غشت، 2013

رسالة إلى الله سيد السماء


رسالة إلى إله اللا إنسانية...


أنت يا من يدعونك إلهاً...

أتعلم....؟!
لو لم تكن ظلاماً لما كان أتباعك ظلاميين، ولو كنت تملك من الحق شيئاً لما احتاج أتباعك أن يجبروا الآخرين على التصديق بك ولما احتجت أنت إغراء البعض ليتبعوك.
وأتساءل... إن كنتَ جميلاً كما يقولون، فمن أين يأتي القبح الذي يلفّهم؟؟
وأستغرب.... كيف أن مناصريك يتحدثون عن الحياة وهم لا يتقنون إلاّ لغة الموت...!
وتزداد حيرتي حين أراك تتكلم عن نفسك أنك السلام في الوقت الذي لا تعتمد فيه إلاّ على الترهيب والوعيد من خلال أتباعك... ألا ترى نفسك متناقضاً..؟!

هل ترى نفسك مستحقاً للألوهية...؟
ومنذ متى أضحى الظلام إلهاً وهو يتلاشى أمام النور؟

تُرى على ماذا يدل اهتمامك بتعداد عبيدك دون نوعيتهم؟
هل يعني هذا ضعف شخصيتك وحاجتك لإثبات إلوهيتك بأي وسيلةٍ كانت؟ أم أنك تجهّز جيشاً لتباغتنا به يوماً ما؟

أود أن أسألك...
هل تستطيع أن تقدم لي المحبة قبل أن تطالبني بها؟ وهل يمكنك الموت لأجلي قبل أن تطالبني به لأجلك؟
ماذا يهمك من أمري؟؟
أتريدني أنا أم تهمك أموالي وممتلكاتي؟
إن أردت أموالي فأنت محض كاذبٍ لا يهمك من أمري شيئاً..
ولكن إن أردتني أنا... فهل تريدني حياً أم ميتاً؟ أسيراً أم حراً؟ عبداً أم صديقاً؟ مُبرمَجاً أم سيداً لنفسي؟


أيها المدعو إلهاً...
يقولون أنك سيد العقل والمنطق ولكني لا أراهما في المدعوين عبيدك... هذا على الأقل رأي الكثيرين... فهل أنا مخطئ؟!
سمعت كثيراً عن ودّك الذي يتشدقون به ولكني أيضاً لا أراه في هؤلاء المدعوين عبيدك... فهل تراه أنت..؟

سأخبرك بما لن يطيب لك سماعه...
لقد رسمت لك صورةً مستنداً إلى ما قاله عنك محبّوك أو بالأدق أصحاب المصالح المشتركة معك، كما قمتُ برسم صورةٍ لك استناداً لما يفعلونه باسمك مستندين إلى تعليماتك، وكم كانت دهشتي عظيمةً عندما لم تتطابق الصورتان معاً، بل بالأحرى إنهما صورتان متناقضتان...
هل يمكنك أن تخبرني لماذا هذا التناقض...؟
هل يعني هذا أنك متخفٍّ وراء قناع الجمال وأن حقيقتك هي غير ذلك؟
هل يعني هذا أنك مزيفٌ ومخادعٌ وماكرٌ تظهر على غير حقيقتك؟
ولو سألتني سأقول نعم أراك زيفاً، ولا تلمني لأن هذا ما رسمه عنك أتباعك....
فإن لم تكن زيفاً فمن أين يأتي أتباعك بالتدليس والخداع؟


أتعلم أيها المدعو إلهاً...؟
أفتخر أني لست من أتباعك.. ولن أكون يوماً...
وأفتخر بكل من لا يصدّق بك...
فإلهي هو الحياة والنور والمحبة والصدق والجمال، وباعتبار أني لم أرَ أياً من هذه فيك فهذا يؤكد أنك لست إلهي...
إلهي معي دوماً وليس بعيداً مثلك...
إلهي يريدني حياً وحراً وسيداً ولا يعاملني كالعبيد...

فطالما أنك لا تحترمني ولا تحترم إنسانيتي فأنت لست إله الإنسانية...
وطالما أن أتباعك قد فقدوا انسانيتهم فسأدعوك إله اللا إنسانية...


فيا إله اللا إنسانية...
لي مطلب وحيد في رسالتي هذه...
أرجوك خذ أتباعك إلى جنتك الموعودة ودعنا هنا نعيش عالمنا كما نريده....
فنار محبتنا وسلامنا بعضنا لبعض هي أفضل من جناتك المليئة بالمخازي...


وفي الختام لن أهديك احترامي لأني لا أكنّ لك أي احترام...

الاثنين، 26 غشت، 2013

سادية محمد

أنا لن أقول أن محمدا لدّ خديجة أو سمّها ، و لكني سأقول أنه قد فعل بها ما هو أفدح و أمرّ.لقد نغّص حياتها و فرق بينها و بين أهلها وشتت أموالها و بدّد ثرواتها الطائلة التي استثمرها في مشروعه الإلهي، و ترك خديجة تنذب حظها في آخر أيامها.لقد كانت خديجة علما من أعلام قريش غنية من أكبر أغنياء مكة،تاجرت شمالا و جنوبا فجمعت لها الأموال و تزوجت الرجال و أنفقت على القوافل و ضاربت التجار في رؤوس الأموال.تزوجها محمد بعدما نجحت شباك المكر و النصب و التقية و النفاق التي نصبها في اصطيادها .فانقادت له العاقسة انقياد المراهقة الدلول.يقول أبو موسى الحريري مستخلصا من قراءته لسيرة النبي: أن محمدا قد وقع وقعة إلهية في مخطط القس ورقة و تدابيره ، بتنفيذٍ من خديجة سيدة نساء قريش التي وفّرت له المال و الجاه و الشرف و الجمال و الكفاية و الحنان* قس و نبي* فمحمد لدى القس أبي موسى الحريري ليس إلا مشروعا بريئا أشرف على إنجازه ورقة و مولته خديجة و رعاه أبوطالب.هكذا يسقط القس الحريري فريسة الإيمان و يتنكر للعلمية التي حاول أن يسبغها على مؤلفه قس و نبي.
فهل يعقل أن يكون الصعلوك محمد الذي درب على كل فنون الصعلكة و التمرد و اللصوصية و الغدر و الاحتيال و النصب ،لقمة سائغة تلهو بها أيادي الأقدار كما تشاء. فيشكله ورقة حسب هواه و تنفخ فيه خديجة و يتعهده أبو طالب، ليصبح محمد نبيا هكذا،و بكل بساطة!!!يا سبحان الصدف!…إن كان ما يقول القس المعاصر صحيحا فلماذا محا محمد اسم ورقة من التاريخ إذا ؟ لماذا ثار محمد على ورقة و أخرجه من الغار و فرق بينه و بين تلاميذه و استعمر هو و ميسرة و بلال و أبو بكر و عثمان الغار أضف إليهم سعدا بن العاص و الأرقم بن الأرقم؟؟لماذا كان محمد و صعاليكه يسبون و يلعنون ورقة في آخر عمره و يسلطون عليه سفهاءهم و أحداثهم حتى أشفق عليه محمد فقال لهم لا تسبوا ورقة فإني قد رأيت له بيتا في الجنة؟
محمد سيطر على ورقة و نفاه من الغار منهيا مهمته التي كلفه بها شيبة الحمد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي المدعو عبد المطلب . فتناول محمد منه جميع ما أنجزه و كتبه و ترجمه من أناجيل معربة بلهجة قريش و ثوراة و مراسلات .فأجهز محمد على كل هذا و أحرقه كخطة أولى على طريق ادعاء النبوة.و كان مصير سيدة نساء قريش مثل نصيب ابن عمها.لقد أرهقها إرهاقا و حقّرها تحقيرا و جعلها عرّة بين أهل قريش تتناولها الألسن و تعير بها النساء بناتهن و تسبهن .لقد جعلها أتفه نساء قريش و أفقرهن و أحقرهن و أتعسهن.فماتت المسكينة و هي تقتات على الصدقات،و أبناؤها دليلون و بناتها مشردات، بعد خروج بني هاشم والمطلب من الشعب بثمانية وعشرين يوما،و كانت تبلغ من العمر خمسا و ستين عاما. يقول الحافظ عماد الدين بن كثير المشهور أنه مات قبل خديجة (والحديث عن أبي طالب) أي بثلاثة أيام. ودفنت بالحجون، ونزل في حفرتها ولها من العمر خمس وستون سنة ولم تكن الصلاة على الجنازة شرعت…..(انتهى) يعني أنهم رموها في حفرة بدون مراسيم الجنازة التي يقوم بها كل أهل مكة بجميع أطيافهم.أما الحجون فهي مقابر الحنيفيين حيث دفن عبد المطلب.و في السيرة الحلبية باب ذكر وفاة عمه أبي طالب وزوجته خديجة رضي الله تعالى عنها يذكر علي بن برهان الدين الحلبي أنه (النبي) دخل على خديجة وهي مريضة فقال لها: يا خديجة أتكرهين ما أرى منك، وقد يجعل الله في الكره خيرا؟ أشعرت أن الله قد أعلمني أنه سيزوجني»
تصوروه إذا و العاقسة على فراش الموت و هو يقول لها أشعرت أن الله قد أعلمني أنه سيزوجني..أ ليس هذا هو التنكيل ؟ أ ليس هذا هو التقتيل البطيء؟؟ و يضيف الحلبي عنه قائلا: وفي رواية «أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم ابنة عمران، وكلثم أخت موسى وهي التي علمت ابن عمها قارون الكيمياء، وآسية امرأة فرعون، فقالت: آلله أعلمك بهذا يا رسول الله؟ » وفي رواية «آلله فعل ذلك يا رسول الله؟ قال نعم، قالت: بالرفاء والبنين».أليس هذا هو الإذلال و الاحتقار و الطعن النفسي البليغ.يعدها بالضرائر و كلهن أعلى منها سمعة و أكبر  شرفا.أ ليس هذا هو الإذلال بعينه. ثم أيـن غابت عنه الآيات و التراتيل و المعوذات و البسملات التي يقرأها البلهاء على رؤوس المحتضرين عوض هذا التنكيد.و اسمعوا ما ذا قالت له
آلله أعلمك بهذا ؟؟ كأني بها تبتسم و هي تتوجع من آلام الموت ،و تقول في قرارة نفسها، لقد صدّق محمد أنه نبي..و لم تستطع أن تقهقه أو عساها كانت آخر ضحكة اختطفتها من بستان الحياة ضحكة مفعمة بالحسرة و الندم و خليط من الشفقة على مصير الأحمق قليل الأدب و الحياء و الأخلاق الذي لغاية آخر دقيقة من عمرها ما فتئ ينغص عليها عيشتها و حتى مماتها
و يضيف الحلبي في نفس الباب
وفي الشهر الذي ماتت فيه خديجة وهو شهر رمضان بعد موتها بأيام تزوج سودة بنت زمعة، وكانت قبله عند السكران ابن عمها، وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم رجع بها إلى مكة فمات عنها، فلما انقضت عدتها تزوّجها، وأصدقها أربعمائة درهم.
ثم يضيف: وعقد على عائشة وهي بنت ست أو سبع سنين في شوّال.
السيرة الحلبية/باب ذكر وفاة عمه أبي طالب وزوجته خديجة رضي الله تعالى عنها
نعم لك أن تشكي سيدتي
فمحمد ورث الجمل بما حمل لأنه هو الوحيد الذي استغل أسهم الست خديجة في الشركة الإلهية و التي عادت بدورها إلى لصوص حزب قريش ، و تلك الأحوال نداولها بين الصعاليك و اللصوص، يوما يسرقون و يوما يُسرقون..
و كما نكّل محمد السادي الذي يتلذذ بآلام الناس بأستاذه ورقة و نكّل بزوجته خديجة فإنه سيفعل نفس الشيء و ربما أكثر مع ابنه زيد ابن محمد قبل أن يصبح ابن حارثة .فعن ابن سعد
لما انقضت عدة زينب قال النبي لزيد بن حارثة ما أجد أحدا آمن عندي منك.. ايت إلى زينب فاخطبها عليّ فانطلق زيد فأتاها وهى تخمر عجينها فلما رأته،قال ، عظمت في صدري فلم استطع أن انظر إليها (حنين الزوج إلى زوجته التي رأى منها كل خير) حين عرفت أن النبي ذكرها فوليتها ظهري ونكصت (جريت) على عقبيّ وقلت يا زينب ابشري أن النبي يذكرك (يخطبك)
الطبقات الكبرى ذكر أزواج صلعم زينب بنت جحش. أساب النزول للسيوطي.

و عن انس بن مالك أن النبي قال لزيد بن حارثة اذكرها عليّ قال زيد فانطلقت فقلت لها يا زينب ابشري فان النبي يذكرك (يخطبك) فقالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي (استخير) فقامت إلى مسجدها فدخل عليها النبي بغير إذن !!.
الطبقات الكبرى لأبن سعد باب ذكر أزواج صلعم زينب بنت جحش.
فلما انقضت عدّتها أرسل زيدا إليها فقال له اذهب فاذكرها علىّ فانطلقت فلما رأيتها عظمت في صدري فقلت يا زينب ابشري أرسلني رسول الله صلعم يذكرك قالت ما أنا بصانعة شيأ حتى أؤمر ربي أي أستخيره فبينما رسول الله صلعم جالس يتحدث مع عائشة إذ نزل عليه الوحي بان الله زوجه زينب فسري عنه وهو يتبسم (النبي تبسم) وهو يقول من يذهب إلى زينب فيبشرها أن الله زوجنيها من السماء وجاء إليها رسول الله صلعم فدخل عليها بغير إذن قالت دخل علىّ وأنا مكشوفة الشعر فقلت يا رسول الله بلا خطبة ولا أشهاد قال الله المزوج وجبريل الشاهد وأنزل الله تعالى وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه .. ..
السيرة الحلبية للإمام برهان الدين الحلبي باب غزوة بحران.
هل هناك من إذلال و تحقير و استهانة أكبر من هذه؟؟محمد يطلق ابنه من زوجته ثم يبعثه ليخطبها له.كبف ستكون نفسية هذا الرجل . هل هناك أكثر من هذا تحطيما للمعنوية و نيلا من النفس و الكرامة.سادية ما بعدها سادية . و لما أراد أن يهون على زيد من هول ما أصابه منه ؛ قال النبي صلعم دخلت الجنة فرأيت جارية حسناء فأعجبني حسنها فقلت لمن أنت قالت لزيد بن حارثة.
منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للشيخ العلامة علي المتقي الهندي باب زيد أبن حارثة.
هكذا قُتل زيد مرتين!! و كأني به لم يكفه منه ذلك.فقد أرسله في سرية إلى يلاد الروم و لم يعد منها.
ذاك هو نبي السادية و الإجرام

أبو نبي الحمير

الخميس، 15 غشت، 2013

من سجع الكهان إلى سجع القرآن





 «كان النبيّ في أغلب مراحل دعوته الدينيّة، يطلق ما يدور في خلده، وهو صادق الاستغراق والغيبوبة، في جمل مؤثرة يغلب عليها التقطع والإيجاز، وتأخذ طابع سجع الكهان... أمّا في المدينة.. فإنّ مواعظه وتشريعاته، وإنِ احتفظت بقافية السجع التي كثر مع ذلك عدم إحكام تناولها، قد تحوّلت إلى نثر خالص، كان على محمد نفسه، أن يبتكر أسلوبه، على الرغم من أنه كان يعوزه استعداد لغوي خاص، كما كان يعوزه كل نمط من الدرس والتعليم».
 كارل بروكلمان(1) 

«كانت لعبد الله بن رواحة جارية يستسرها سراً عن أهله، فبصرت به امرأته يوماً قد خلا بها فقالت: لقد اخترت أمَتك على حرّتك فجاحدها ذلك: فقالت: فإن كنت صادقاً فاقرأ آية من القرآن - وفي رواية: وقد عهدته لا يقرأ القرآن وهو جنب - فقال:

 شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا [من الوافر]

 قالت: فزدني آية أخرى، فقال:

 وأنّ العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش ربّ العالمينا

 فقالت: زدني آية أخرى، فقال:

 وتحمله ملائكة كِرام ... ملائكة الإله مقربينا.... »(2)الخ. 

لماذا لم تكن امرأة ابن رواحة تستطيع أن تفرق بين الشعر وبين القرآن؟ ألهذه الدرجة كان عندها انعدام حسّ ذوقي حتى لا تستطيع التمييز بين بيت الشعر وبين الآية من القرآن؟ هل كان ذلك بسبب أنه فقط لورود كلمات من ذلك الشعر تتماثل مع ما أتى به القرآن؟ (مثل الألفاظ التي وردت في تلك الأبيات: وعد الله حق، مثوى الكافرين، ملائكة كرام...الخ). المشكلة كما نلحظها أعمق من تشارك القرآن والشعر بنفس المفردات، المشكلة هي في الشكل الغنائي والمقفى للقرآن مع أبيات الشعر. لا، بل الأغرب أن الشاعر عبد الله بن رواحة (أحد صحابة وشعراء محمد) كلما قالت له زوجته زدني آية، فيزيدها بيتاً من الشعر! هل من الغريب أن نؤكد أنّ عرب محمد لم يكونوا يفرقون بين بيت الشعر وبين سجع الكهان وبين القرآن؟ لا بد أن ندرك أنّ طبيعة اتهام قريش لـ محمد، بأنه مرّة "شاعر" ومرة أخرى بأنّه كاهن، أنهم في الواقع لم يكونوا يستطيعون التفريق بين الأجناس الأدبية وبين ما كان يتلفظ به محمّد.

ومن هنا نفهم طبيعة التقلب في كيل الاتهامات ضده ما بين شاعر أو عرّاف أو كاهن [الحاقة: 42]، كما قرأنا في عدم تفريق امرأة ابن رواحة بين القرآن وشعر زوجها. 

في الحقيقة لقد أدركت قريش تماماً (وهي لسان القرآن كما في نسخة القرآن التي بين أيدينا) بأن المناخ اللاهوتي الذي ينطلق منه محمد هو نفسه –بشكل قل أو كثر- الذي ينطلق منه شعراؤهم وكهّانهم، ذلك أن العرب استمرّوا: «مدّة غير قصيرة يعتقدون أن القرآن طريقة من الإنشاد .. فأخذوا ينعتون النبي بـ الشاعر تارة، وبـ الكاهن أخرى، وهذا النعت الأخير يدل على عدم تفريقهم بين الشعر والسجع المنسوب إلى الكهّان(3)... والأغرب أن هذا الخلط لم يقف عند أجلاف البدو والجهلة، بل كان يتجاوزهم إلى الخطباء، وهم علماء المسلمين إذ ذاك. فقد ذكر ابن عساكر حادثة يؤخذ منها أن بعضهم كانوا في أثناء خطبهم على منابر الجوامع وفي مجتمعات المؤمنين يوردون أحياناً الأبيات الحكمية والأمثال السائرة على أنها آيات منزلة»(4). لذا، ليس غريباً أنّ امرأة ابن رواحة لم تكن تستطيع التمييز بين الآية القرآنية وبين بيت الشعر. ومن هنا يحق لنا أن نسأل السؤال التالي:

هل كان عند محمد أصلاً آلية تمييز حقيقية للتفريق يبن أقواله القرآنية وبين الأجناس الأدبية السائدة في عصره؟ ما الذي يضمن لنا أنه كان واعياً مثلاً أنّ ما يقوله ينتمي للقرآن، وما يقوله الكهّان ينتمي إلى جنس السجع؟ هذا فضلاً عن امتلاك صحابته لآلية التمييز هذه؟؟ ولا يرد على هذا أنه ورد عن محمد أنه ذمّ سجع الكهان، فإذا صحّ هذا عنه، فإنه كان في يثرب، الأرض التي نما عليها مشروعه السياسي والإيديولوجي ونما بالتالي وعيه وعقله، لكن ذلك كان على حساب أسلوب القرآن والذي ضاع وهجه المكي إلى الأبد؛ ولا بدّ أن نعلم من جهة أخرى، أن كلّ الأحاديث المحمدية هي يثربيّة ولا تنتمي للمرحلة المكّية (موضوع حديثنا). وهذه النقطة لا بد أن ننتبه إليها.

إنني أسأل تلك الأسئلة لأنّنا سنعلم لاحقاً المدى الكبير في تقاطع آيات القرآن، بالأخصّ من الناحية الشكلية مع سجع الكهان، والصعوبة الشديدة إذا أردنا فرز القرآن المكي الباكر عن سجع الكهان. ومن جهة ثانية، إن قراءة تاريخية دقيقة لمراحل تكوّن القرآن ستبين لنا أنّ محمداً بقي فترة غير قصيرة لم يسمِّ ما يقوله بأنه «قرآن»، حيث إنّ إعلانه عن تسمية خطابه بأنه قرآن لاحقٌ في يثرب. ومن جهة ثالثة سندرك أيضاً أنه حتى ردّ محمد للتهمة عنه بأنه ليس كاهناً، لم يأت إلا في أواخر المرحلة المكية، عندما أصبح واعياً لهذه التهمة والاستحقاقات التي تلحق بها؛ وإلا لماذا لم ينف عن نفسه الكهانة طيلة الفترة المكية؟(5). 

سيحيلنا درس كهانة أو نبوءة محمد (سنناقش هذا في الجزء الثالث) في محاولة درسها من خلال الخطاب القرآني، إلى التركيز على نقطتين:

الأولى: تفكيك الخطاب الذي كان ينطق به محمد، أي بنية القرآن، وخاصة المكي منه، وعزله عن المدني، ومن ثم إعادة زرعه في تربته الأصلية التي أنتجته، وفكّ الوشائج التي يزعم أنه مترابطة داخل متنه (كتاب "أسرار ترتيب القرآن" للسيوطي مثلاً)، ومن ثمّة، اكتشاف التناصّ القوي الذي تتنفس به نصوصه مع الثقافات الحافّة به؛ وهنا في سياقنا: ثقافة الكهان وسجعهم، وبالأخص اكتشاف التناص القوي بين النصوص المكية الأولى مع الحوامل التاريخية والنصية التي أنتجته.

الثانية: المضمون العقيدي لكل من محمّد والكهّان حوله، وخاصة في تصورهم للآلهة الذين يبدعون الرسائل لمبعوثيهم على الأرض من جهة، وتصورهم أيضاً للوسطاء من الأرواح، أي ناقلي هذه الرسائل من جهة ثانية. وهنا سنكون ملزمين للعمل ضمن منظور تاريخي في استجلاء تطور المفاهيم الثيولوجية لمحمد وتقاطعاتها مع ثيولوجيا الكهان، وخاصة في التربة المكية. 

في الواقع لقد انتهى الرأي الاستشراقي بما يخص -مثلاً- القَسَم (Oath) الوارد في القرآن بأشياء الطبيعة، أن القرآن اتبع في ذلك طريقة العرب في تعظيمها للموجودات: فكما أنّ الكهان كانوا يقسمون بالنجوم وأنواعها ومواقعها، فكذلك القرآن اتبع الأسلوب نفسه. وفي اعتقادي أنه على وجاهة هذا الرأي العلمي الذي استطاع أن يتجاوز الطرح الكلاسيكي الإسلامي قليلاً ما، إلا أنه بقي قاصراً في إدراك كنه القَسَم، ولماذا تحديداً يقسم محمد بهذا الشيء، ولا يقسم بذلك الشيء؟ ثمة ناحيتان سأناقشهما في موضوعة القسم الكهاني والقرآني، لنتبين بذلك قصور الرأي الإسلامي والاستشراقي:

 1- الأصل الوثني للقسم:

 
- عدم انتظام القرآن في اختيار المُقسَم به، أو بالأحرى المدى الضبابي في استخدامه على المستوى الثيولوجي (وهو موضوع الجزء الثالث). 



الأصل الوثني للقَسَم في القرآن:

يقرّ الخطاب الإسلامي بأنّ الكهان الذين سبقوا محمداً بأن طبيعة وحيهم، وبالتالي سجعهم الخطابي ارتبط بنحو وثيق بالأوثان؛ وبالتالي إن مسألة قراءة الأقسام التي كانت ترد على ألسنتهم ترتبط بشكل مباشر بما كان معظماً عندهم أو بما كانوا يعبدونه من أوثان كما سنرى. وغالب ما كان يقسمون به هو الظواهر الطبيعية(6). لكن الشيء المحير حقيقة أنهم يتوقفون بهذا الإقرار إذا وجدنا هذه الأقسام ترد على لسان محمد ذاته في القرآن! فقد لجأ القرآن إذا أراد إثبات أمر أو نفيه، لاستخدام أسلوب الكهان ذاته بالقسم بظواهر الطبيعة، ذلك أن الكهان كانوا يعمدون إلى القسم بهذه الظاهر: «من كواكب ونجوم وشمس وقمر ورياح وعواصف وسحب وليل ونهار.. (7)».

من حيث المنطق، آلهة عليا تقبع في السماء، اسمها الله، لن تحتاج لأن تقسم بما هو أدنى منها، وخاصة أنّ هذه الآلهة هي التي خلقتها، فكيف تقسم بها!؟ لكن إنّ رب محمد قد أقسم بما هو أدنى منه من كائنات الوجود، من شمس وقمر وضحى وليل...الخ. وهذه النقطة بالتحديد لم تدرس إلى الآن، سواء في ميادين الدراسات الغربية أو الدراسات الإسلامية.

كانت العرب تقول أنّ القسم لا يكون إلا باسم معظم (الغاية من القسم هو تأكيد الخبر وتحقيقه للسامع بما سيخبر به)، وهكذا أقسم رب محمد بنفسه كما يشير السيوطي سبع مرات «إيْ وربي، قل بلى وربي لتبعثن، فوربك لنحشرهم والشياطين، فوربك لنسألنهم أجمعين، وربك لا يؤمنون، أقسم برب المشارق والمغارب»، وبالتالي حينما يقسم رب محمد بالقمر، فهذا يدل على أن القمر لفظ معظم (سنأتي على هذا لاحقاً) وقل الأمر نفسه عن الموجودات الأخرى.

ما زال الخطاب الديني المعاصر يحمل تهافت الخطاب التراثي وتناقضاته، ليس في أمر القسم فقط بل في جل القضايا التي ورثها عنه. إنّ منطق الخطاب الإسلامي الآن هو نفسه للأسف، الذي قدمه التراثيون في تفسير القسم، وهو تفسير في الواقع، بقدر ما يعبر عن ركاكة وبساطة في الرؤية، بقدر ما هو تشويه وعكف للواقع والتاريخ معاً، وذلك انتصاراً للجهل والأسطورة. هكذا، سيفسر السيوطي القسم في القرآن حينما يقسم الرب بموجوداته بأنه حينما يقسم بالشمس مثلاً، فإن التقدير أي برب الشمس(8)! وكأن رب الشمس عاجز عن وضع لفظة رب أمام كلمة الشمس! طبعاً ما أسهل اختراع القواعد اللامقدسة عند العرب، وما أسهل نفيها أيضاً إذا اقتضت الضرورة، فما بالنا إذا تم الاقتراب من الخطاب القرآني، ومن جهة أخرى، السيوطي لا يجيب عن تسمية سورة بأكملها هي سورة الشمس، فلماذا لم تكن بحسب منطق السيوطي ومعه الخطاب الديني سورة: "رب الشمس" التي أقسم فيها محمد بالشمس؟؟!

ثمة ملاحظة أيضاً لا بد من إيرادها، وهي ورود القسم في القرآن بطريقة غامضة بعض الشيء، لا يمكن الكشف عنها إلا بتحليل نصي ليس المجال الآن للقيام بذلك، وذلك حينما يرد القسم ويبدأ بصيغة "لا" أو "فلا" (وردت ما يقارب فوق ثماني مرات في القرآن)، مثل أن يقسم بـ "مواقع النجوم"! كما في قوله: «فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم»[الواقعة:75]. وقد ذهب جلّ المفسرين الإسلاميّن في هذا إلى أن معنى "لا" أي: لأقسم أو سأقسم أو أقسم كما أورد الطبري(9)، فـ "لا" هنا ليست كما توحي لأول وهلة أنها تنفي القسم، بل هي لتأكيد القسم! وما يزيد الغموض أكثر أن هذه الصيغة من القسم (وحتى المقسم به) لا ترد إلا في القرآن المكي وخاصة في بواكيره، أما في القرآن اليثربي فإننا لا نعثر على هذه الصيغ.

 وإذا كان صحيحاً احتجاج السيوطي الثاني(10) بأن القرآن جرى في هذه الأقسام في تعظيمها لأن العرب كانت تعظمها، فهو بالرغم من أنه صحيح، إلا أنّ الأمر ليس بهذه البساطة، ذلك أن هذا التفسير هو من قبيل تحصيل حاصل، وللأسف هناك كبار من المستشرقين مشوا على هذا القول (نولدكه مثلاً(11))؛ ومن جهة أخرى، لماذا لم يقف القرآن منها موقفاً سلبياً، كونها كانت ترد ويقسم بها الكهنة الوثنيون بما كانوا يعبدون؟؟ نعم القرآن خاطب العرب بلغتهم وجرى في أساليبه كما هي أساليبهم (وهذا لا بد من التشديد عليه بكل ما يحمله من استحقاقات خطيرة)، لكن ماذا بإمكاننا أن نفسر قسم القرآن، وهو نفسه الذي كان الكهان يقسمونه: «كلا والقمر» [المدثر34: 32]؟ ولماذا القمر بالتحديد، وليس الضفدع مثلاً أو البعوضة التي لم يتحرج رب محمد أن يضرب بها المثل(12)، وخاصة أن كل هذه المخلوقات من خلق الله؟ حتى جواد علي يذهب إلى القول الذي نحن بصدد نقده، من غير أن يقدم أي تفسير للقسم في القرآن سوى أنه نزل بلسان العرب، رغم أنه يحمل لهجة استنكار على مفسري القرآن: «ولو فكروا إن هذا النوع من القسم، هو أسلوب من أساليب العرب في القسم قبل الإسلام، وأن القرآن إنما نزل بلسان العرب، ولذلك اتبع طريقتهم في القسم، لأنه خاطبهم على قدر عقولهم وبلغتهم، عرفوا السبب، ولا زال الأعراب على سجيتهم القديمة في القسم بهذه الأشياء، يقسمون بها كما يقسم المتحضر بأعز شيء عنده(13)».

 لكي تتوضح الصورة أكثر سأستعرض بشكل مختصر جداً بعضاً من أقسام الكهان وأقسام القرآن، وندرس واحدة منها فقط لضيق المساحة:

في تماثل أقسام الكهان مع أقسام القرآن:

كثيرة هي الأمثلة التي يمكن أن نقرأ من خلالها تقاطع أقسام الكهان مع القرآن. سأورد بعض الأمثلة لضرورة البحث:

 - يقسم ربّ محمد بـ "الشفق" كما في قوله: «فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَق»[الانشقاق:16] أي أقسم بالشفق كما ذهب المفسرون، والشفق هو ضد الغسق (غسق الليل). هكذا نجد أن الكاهن سطيح قد أقسم بشكل سجعي قوي أيضاً بالشفق، وأيضاً بالغسق: «والشفق والغسق والفلق اذا اتسق، إن ما أنباتك به لحق(14)». وفي الواقع إن القسم بالنور والظلام أو بالليل والنهار يتكرر كثيراً في القرآن، وهو الذي أوضحه الطبري في معرض تفسيره الآية السابقة، حيث يقول: إنّ «الله أقسم بالنهار مدبرا، والليل مقبلا(15)»، أو كما نقرأ على لسان أحد الكهان قسماً مسجعاً: «أحلف بالنور والظلمة، وما يتهمامة من بهمة، وما بنجد من أكمة، لقد خبأتم لي أطباق جمجمة، مع الفلندح أبي همهمة(16)»، أو كما نقرأ في القرآن: «وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى» [الضُّحى:2] أو «وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَر/ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَر»[المدَّثر:33- 34]..الخ. هذا القسم يتكرر أيضاً كما في هذه الأقوال الكهانية: «والليل الغاسق/ واللوح الخافق/ والصباح الشارق(17)»، أو كما في هذه الصيغ القسمية: «والليل الأطحم...والليل الدامس(18)»...الخ. وكذا نقرأ من مختصر تاريخ دمشق على لسان الكاهن سطيح: «والليل إذا أظلم والصبح إذا تبسم» وهذا يذكرنا بسجع سورة التكوير مع اختلاف بسيط: «وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَس/ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس»[التكوير:17-18]، ولا يخفى ما في كلام سطيح وكلام القرآن من تعسف حفاظاً على قافية السجع.

 -يقسم رب محمد بـ "السماء" «وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا»[الشمس:5] كما يذهب القرطبي في تفسيره، وأيضاً مثله: «وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوج»[البروج:1] إلا أننا نجد أن هذه الصيغة أي صيغة القسم بالسماء وكواكبها أو أبراجها تتكرر كثيراً سواء في القرآن أو في أقوال الكهان، كما نقرأ على لسان أحد الكهان يقسم بالسماء والأبراج: «أقسم بالسماء ذات الأبراج والأرض ذات الأدراج والريح ذات العجاج والبحار ذات الأمواج والجبال ذات الفجاج(19)»، أو في قول كاهن آخر(عزى سلمة): «والأرض والسَّماء، والعقابِ الصَّقْعاءُ، واقعةً ببقعاءُ، لقد نَفَّر المجدُ بني العُشَراءِ، للمجْد والسَّناء(20)» أو ما جاء على لسان إحدى الكاهنات: «أما والسماء ذات العنان، والشجر ذات الأفنان(21)» (لقد ورد لفظ أفنان أيضاً في القرآن في سورة الرحمن، آية 48).

 - أما القسم بالنجم الطارق فإننا نقرأ ما يلي من القرآن: «وَالسَّمَاء وَالطَّارِق»[الطارق:1] والقرآن نفسه يفسر ما هو هذا الطارق، فهو: «النَّجْمُ الثَّاقِب» [الطارق:3]. يمكن أن نقرأ قريباً من هذه الصيغة ما يلي على لسان الكاهنة زبراء التي أتينا على ذكرها سابقاً: «والليل الغاسق/ واللوح الخافق/ والصباح الشارق/ والنجم الطارق/ والمزن الوادق/...(22)» أو على لسان كاهن آخر: «والليل إذا عداها/ يطلبها ليغشاها(23)».

 - نقرأ أيضاً من القرآن عدة مرات يقسم فيها رب محمد بـ "الشمس" كما جاء: «وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا/ والقمر إذا تلاها/ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا...»[الشمس:1-3]. هكذا نجد أن رب مسيلمة أيضاً يقسم بنفس صيغة رب محمد، أي بالشمس وبالتزام الصيغة السجعية نفسها، يقول رب مسيلمة أيضاً: «والشمس وضحاها/ في ضوئها وجلاها.... فأدركها حتى أتاها وأطفأ نورها ومحاها(24)».

 أما بخصوص القسم بـ "القمر"، فيمكن أن نقرأ ثلاثة أقسام به في القرآن: «كَلا وَالْقَمَر»[المدَّثر:32] (وانظر: [الشمس:2])، وأيضاً: «وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَق»[الانشقاق:18] . والقسم بالقمر هنا معطوف على قسم الرب بالشفق، والليل، فيقول الرازي في هذا السياق، ولكن ليبرر هذه الأقسام: «إنه تعالى أقسم بهذه الأحوال المتغيرة على تغير أحوال الخلق»، ومن المفيد أن نعلم أن القسم بالقمر وضوئه يعتبر من أركان عقائد الكاهن حينما يريد أن يؤكد أمراً، هكذا نقرأ قسماً لأحد الكهان بالقمر: «والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر(25)».

مرة أخرى، ما هو التفسير الحقيقي لتلك الأقسام التي أتينا على بعضها آنفاً، والتي كما رأينا اشتراك محمد والكهان في استخدامها؟ إنّ قراءة تاريخية متأنية لها يمكن أن تسفر عن بعض النتائج المهمة. إننا نقرأ في القرآن مثلاً، وعلى ألسنة الكهان أيضاً، كم ورد القسم بالكواكب السماوية أو بالأبراج أو بالسماء ذاتها. وفي الواقع إن هذه الكواكب كان لها دلالات وثنية عند العرب، حيث كانوا يعبدونها. لذلك ليس غريباً أن يقسموا بما هو معبود، أو على الأقل كما كانت تقول العرب أنهم لم يكونوا يقسمون إلا بما هو معظم عندهم، لذلك نقرأ مراراً أن الكاهن لم يكن يبدأ خطابه السجعي إلا بالقسم للتأكيد على ما سيخبر به.

وهذا المنطق الوثني سيستمر مع محمد، فهو لن يبدأ خطابه في كثير من مواقع القرآن إلا بالقسم بهذه بظواهر الطبييعة كما رأينا أنفاً في بعض الأمثلة التي أتينا عليها. ولنشدد مرة أخرى، أن هذه الأقسام كانت في غالبيتها تنتمي إلى بواكير الخطاب القرآني في مكة، ومن هنا الإلحاح دائماً على قراءة السياق التاريخي بكل ما يحتمله من استحقاقات قبل القيام بأي قراءة للنص المحمدي. سأكتفي بمناقشة سريعة لمثال واحد لما نحن بصدده، ولضيق المساحة هنا فإنني لن أستطرد به، لعلّه يُترك إلى أبحاث متخصصة أخرى، وهو القسم بالشمس، سواء على لسان محمد أو على لسان الكهان.

القَسَم بالشمس كمثال:

لقد ذكرت الشمس في القرآن "33" مرة تقريباً. ويعود قسم محمد والكهان بها، إلى أنها كانت ترتد إلى جذور وثنية، حيث كانت تُعبد من قبل العرب من بين العبادات الوثنية التي كانوا يدينون بها؛ ويبدو أن هذا الوضع قد استمر إلى حين ولادة المشروع المحمدي أوائل القرن السابع أو ربما سبقه بفترة زمنية ليست طويلة، لذلك نقرأ تسميات كان بعض العرب مشهورين بها مثل تسميات بعض الأشخاص: "عبد شمس" أو "عمرو الشمس" كما عند العرب الشماليين أو "امرئ الشمس" أو "عبد الشارق
، كناية عن إشراقة الشمس(26). حتى أنّ القرآن ذاته أشار إلى هذه العبادة عند العرب بقوله: «لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ» [فصلت: 37]، أو في إشارة عابرة إلى عبادة البابليين لها [انظر: الأنعام: 74-78]، إضافة إلى إشارته لعبادة السبأيين (أهل سبأ) [انظر سورة النمل: 22- 25]. ويذكر الأب لويس شيخو: «فإن بين الكتابات التي وجدت في بابل كتابة لتغلتفلاسر يذكر فيها انتصاره على مدينة دومة الجندل وظفره بملكتها التي كانت كاهنة للإله شمس A. Layard: Inscriptions, P72(27)». وقد ذكر أن شمساً كانت صنماً لبني تيم وكان لها معبد أو كما أكد ابن الكلبي أن الشمس صنم قديم (جمهرة اللغة). ولأن تيماً كانت تعبد الشمس، فقد اشتهرت قبيلة باسم: "عبشمس" والنسب إليهم عبشمي، كما يقول الشاعر (جمهرة اللغة):

إذا ما رأت شَمْساً عَبُ الشّمْسِ شمّرَتْ ... الى رَمْلِها والجارميُّ عَميدُها

وكثيراً ما اشتهرت الشمس أنها تشكل بمثابة الثالوث الإلهي المقدس عند عرب الجنوب خاصة، إضافة للزهرة (Venus) والقمر بكونها مؤلهات فلكية كما يعتقد لاندغون(28) مستنداً على نقوش يمنية وحضرمية ترجع إلى عهد الحضارات اليمنية الجنوبية المندثرة. وفي الواقع لقد كان هذا الثالوث الإلهي يشكل بمثابة الآلهة العليا أو أسياد أبراج السماء كما هو الحال عند البابليين(29).

ومن هنا يمكن أن نقرأ استمرار هذا التقديس الوثني لكواكب السماء في ثيولوجيا محمد والتي نستطيع أن نقرأها من القرآن ذاته، ولكن بعين تاريخية. لذا لن نستغرب من تسمية سور بأكملها طبقاً لآلهة العرب: سورة الشمس، سورة النجم، سورة القمر، لا بل إن سورة كاملة تتعنون بـ سورة البروج! وأيضاً لن ندهش أن يقسم محمد مراراً وتكراراً بهذه الآلهة كما رأيناه عند الكهنة الوثنيين الذين يعبدونها: «وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا/ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا/ وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا.. »[الشمس:1- 5]، «كَلاَّ وَالْقَمَر»[المدَّثر:32]، «وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوج»[البروج:1]..الخ.

هكذا تظهر لنا أهمية المقاربة التاريخية لأقسام القرآن الوثنية ووضعها في نافذتها الليتوروجية التي كانت تنضح من خلالها، بغض النظر عما ألحق بها لاحقاً من تشويهات في تفسيرها سواء على أيادي التراثيين أو حتى إلى حد ما مع بعض المستشرقين وخاصة المعاصرين ( بعض من الاستشراق الفرنسي على وجه الخصوص). بقيت النقطة الأخيرة، وهي التي تتعلق بالمقاربة الكرونولوجية لهذه الأقسام ضمن السياق التاريخي لدعوة محمد. إننا في الواقع لن نستطيع أن نرسم لوحة دقيقة نؤرخ فيها خطاب محمد وتحديد المراحل المهمة التي كان يشهدها أسلوبه القرآني ومخياله الديني. لكن بإمكاننا أن نغامر بالقول أن هذه الأقسام (وخاصة بالآلهة الوثنية) تنتمي إلى بواكير الخطاب المحمدي بشكل خاص، وخطابه المكي بشكل عام، يمكن أن نقرأ بعض الأمثلة بشكل سريع:

بعض من الأقسام الوثنية الأخرى (محمد والكهان) من ناحية كرونولوجية:

 - القسم بالآلهة الشمس وبعل القمر (بعض المستشرقين يرى أن القمر هو عينه الله) في سورة الشمس. تنتمي هذه السورة إلى الخطاب القرآني المبكر جداً؛ ففي رواية ابن عباس(30) فإن ترتيبها يقع 23، بينما في ترتيب نولدكه(31) رقم 16، وإضافة إلى ذلك، نجد في نفس السياق أن الرب يقسم بالليل والنهار والسماء والأرض والنفس.. [1- 7].

 - القسم بالطارق، النجم الثاقب، في سورة الطارق، والتي تنتمي أيضاً إلى الخطاب القرآني الباكر، حيث تأخذ ترتيباً كرونولوجياً ملفتاً وهو رقم 15 بحسب نولدكه (مرجع سابق) ورقم 33 بحسب ابن عباس.

 - القسم بالصافات، وهنّ الملائكة التي كانت تعتبرها العرب من بنات اللات أو الشمس، إذا اعتبرنا أن اللات هي عينها الشمس أو التي تماثلها(32)، وفي نفس السياق يقسم رب محمد بزاجرات السحب، إضافة إلى قسمه بالأنهر...الخ. يقع ترتيب هذه السورة المصاغة أوّلها سجعياً على الألف والتنوين [1-3]. كما في رواية ابن عباس تحت رقم 52، بينما عند نولدكه رقم 50، أي في المكية الفترة الثانية.

 - القسم بالسماء ذات الأبراج الإلهية: «والسماء ذات البروج» (وللعلم إن الكواكب السماوية كانت تعتبر عند الساميين صورة الآلهة، والكون هو نسخة عن تلك الأجرام السماوية الإلهية Heavenly Bodies)، وكما ذكرنا فقد وردت سورة كاملة إسمها البروج. يقع هذا القسم في الترتيب الكرونولوجي طبقاً للرواية التراثية للخطاب المحمدي المبكر أيضاً رقم 24، بينما عند نولدكه رقم 22 (مرجع سابق).

 - أما القسم بالقمر «كلا والقمر» فهو يعتبر من إحدى البدايات الوثنية الباكرة جداً للقسم به في خطاب محمد. لقد ورد القسم به في سورة المدثر التي يأتي ترتيبها 2! بحسب نولدكه، بينما عند ابن عباس في الترتيب الخامس في القرآن المكي. وكما ذكرنا نظراً لأهميته، سميت سورة كاملة باسمه هي سورة القمر (ترتيبها 39 بحسب الرواية التراثية)؛ هذا إضافة إلى القسم به في سور أخرى كسورة الشمس [آية 2].

وفي الواقع إن الأمثلة تطول جداً لهذا التناص القوي بين خطاب محمد في بواكيره المكية وبين الخطابات الليتورجية التي كانت سائدة في ضوء الثقافة الوثنية التي نشأ في كنفها، أو إذا شئنا الدقة القول: الثقافة الدينية الغامضة التي طبعت المخيال اللاهوتي لمحمد ليجسده في القرآن وخاصة المكي منه. لكن السؤال الذي بطرح نفسه في ختام هذا الجزء: إذن ما لذي رفع محمد وميزه عن طبقة الكهان الوثنيين، إذا كان فعلاً يتقاطع معهم في الضباب الثيولوجي والتماثل الأسلوبي في السجع؟ ما أقصده بالضبط من تمييز محمد عن الكهان، هو الكاريزما الأسطورية التي اكتسبها لاحقاً. على كلٍ، سأترك هذا السؤال لبحوث لاحقة، لأنه يطرح إشكاليات واسعة لا يسمح لنا الآن المقام بمناقشتها؛ لكن أودّ أن أقدم رأي ماكدونالد(33)، حيث انتبه بحق إلى هذه النقطة بشكل سريع، ويرى أنه من إحدى عوامل نهوضه –أي محمد- هو فكرة وحدانية الله المطلقة وسلطته. إنه بالرغم من دلالة هذا الرأي المهمة، فهي تبقى ناقصة، ذلك أن فكرة وحدانية الربّ أو الإله (الله) في لاهوت محمد، هي نفسها بحاجة إلى درس ونقاش واسعين، لكن هذا كما ذكرت سيؤجل إلى بحوث لاحقة؛ ودائماً من أجل درس بواكير الظاهرة المحمدية في ضوء النقد التاريخي والعلمي

حمود حمود




الهوامش:

1- كارل بروكلمان: "تاريخ الأدب العربي". ترجمة عبد الحليم نجار، ط5، دار المعارف- القاهرة، ج1، ص 137-139.
 2- ابن منظور: "مختصر تاريخ دمشق"، دار الفكر- دمشق، تحقيق روحية النحاس، ط1، 1988، ج12، ص158.
3- انظر أيضاً:
Alan Jones, " Poetry And Poets ", Article In The "Encyclopedia Of The Quran". General Editor: Jane Dammen Mcauliffe. Brill, Leiden–Boston–Koln. 2004, Vol.4, P. 112-113 . 
4 نقل هذا القول عن البستاني الطيب تيزيني في كتابه: "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" دار الينابيع- دمشق 1997، ص135، ويورد قولاً مهماً آخر عن البستاني: "لم يكن شعراء الجاهلية وخطباؤها وكهّانها، شعراء ناثرين في قصائدهم وخطبهم وأسجاعهم، لم يكن هؤلاء شعراء ولا ناثرين -بالمعنى الحاضر- لأنهم لم يكونوا ليشعروا بالفرق بين الشعر والنثر... إنما كان لهم نوع واحد من الإنشاء الفني يؤثر في السامعين، وهو الإنشاد، كان فنهم إنشاداً وهم كانوا منشدين". نفس الصفحة. 
5- طبعاً هذه الإشكالات لا تقف عند هذا الحد فقط، بل إنها تمتد حتى إلى أحاديثه التي دعيت بأنها: «نبوية»، وما اصطلح عليه بالأحاديث القدسية. فلم يرد عن محمد أبداً أنه قال ولو لمرة واحدة: "أن ما أقوله ينتمي إلى القرآن، وذاك الذي قلته ينتمي إلى الأحاديث النبوية أو الأحاديث القدسية". وهذه الأخيرة عادة ما تأخذ صيغة: «حدثني ربي أنه كذا..». فهل تقتضي مثلاً صيغة "حدثني ربي" أنها من القرآن؟ أم من الأحاديث النبوية القدسية؟ أم أمثال حكمية؟...الخ. ومن هنا ندرك حقيقة اختلاف الصحابة حول كثير من الأحاديث النبوية هل هي قرآن أم لا (قارن مثلاً اختلافات الصحابة الشديدة حول حديث: "لو أن لابن آدم وادياً من ذهب..." فليس هناك اتفاق بينهم هل هذا الحديث من القرآن أم من الأحاديث النبوية، لذلك جعله البعض بمرتبة الأحاديث المتواترة!!)، لكن هذا موضوع لاحق، وهو خارج الآن عن سياقنا.
6- See: Devin J. Stewart, " Soothsayer ", Article In The "Encyclopedia Of The Quran". 2005, Vol.5, P. 79.
7- جواد علي: "المفصل في تاريخ العرب" نشر بمساعدة جامعة بغداد. ط2 ، 1993 ج8 ص745. 
 8- السيوطي: (ت 911هـ) "الإتقان في علوم القرآن" دار الفكر- دمشق، ج2 ص134.
 9- تفسير الطبري: (على هامشه للنيسابوري) المطبعة الأميرية ببولاق ط1 سنة 1329هـ (أعادت طباعته دار المعرفة- بيروت 1992) ج27 ص117.
 10- السيوطي: نفس المرجع والصفحة.
 11- ثمة إشارة عابرة يشير إليها أحد الدارسين في إحالته إلى ابن النقيب في مقدمته للتفسير، وكذا أيضاً نولدكه وفلهوزن إلى أنّ هذه الأقسام تتصل بالصيغ السجعية لكهان ما قبل الإسلام، انظر:
Gerald R. Hawting, "Oaths", In The "Encyclopedia Of The Quran". 2001, Vol.3, P. 561. 
12- «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا»[البقرة:26]. 
13- جواد علي: ج8 ص746. 
14- ابن هشام: "السيرة النبوية" تحقيق مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، غبد الحفيظ الشبلي . دار ابن كثير 1999. ج1 ص17.
 15- تفسير الطبري: (على هامشه للنيسابوري) المطبعة الأميرية ببولاق ط1 سنة 1329هـ (أعادت طباعته دار المعرفة- بيروت 1992) 30 ص76.
16- البغدادي، محمد بن حبيب (245هـ / 859م): "المنمق في أخبار قريش"، تحقيق خورشيد أحمد فاروق، عالم الكتب، ط1 1985، ص99.
 17- الألوسي: "بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب" تحقيق محمد بهجت الأثيري دار الكتب العلمية،ط1، 2009 ج3 ص 286- 287.
 18- النويري: شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب، "نهاية الأرب في فنون الأدب" دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان تحقيق مفيد قمحية ط1سنة 2004 ج19 ص53. 
 19- النويري: مرجع سابق ج16 ص115. 
20- الجاحظ: "البيان والتبيين"، مكتبة الخانجي – القاهرة، ط7، 1998، ج1 ص290. 
 21- النويري: مرجع سابق، ج16 ص115. 
 22- الألوسي: "بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب" تحقيق محمد بهجت الأثيري دار الكتب العلمية،ط1، 2009 ج3 ص 286- 287.
23- الثعالبي: "ثمار القلوب في المضاف والمنسوب"، ج1 ص45.
24- الثعالبي: "ثمار القلوب في المضاف والمنسوب"، ج1 ص45.
25- البغدادي: مرجع سابق، ص99.
26- Theodor Noldeke, "Arabs (Ancient)" In Encyclopedia Of Religion And Ethics, Edited Byjames Hastings, M.A, D.D. Vol. 1, P.660.
27- الأب لويس شيخو: النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية، ط2، دار المشرق، ص8، وانظر للاطلاع أكثر ص9.
28- محمود سليم الحوت: "في طريق الميثولوجيا عند العرب" ط1، 1955، ص91- 92.
29- Alfred Jeremias "Ages Of The "World (Babylonian)" In Encyclopedia Of Religion And Ethics, Edited Byjames Hastings, M.A, D.D. Vol. 1, P.184.
 30- مقدمتان في علوم القرآن (مقدمة كتاب المباني ومقدمة تفسير ابن عطية): تحقيق آرثر جفري. الناشر مكتبة الخانجي 1954، ص9-10 .
31- ثيودور نولدكه: من كتابه "تاريخ القرآن" (تعديل فريدريك شفالي. نقله للعربية جورج تامر بالتعاون مع مؤسسة كونراد – أدناور ط1 2004 ص XXXVI. 
32- Theodor Noldeke, ibid.
33- Macdonald, Duncan Black, "The Religious Attitude And Life In Islam". The University Of Chicago Press, 1909.P.37.

الاثنين، 12 غشت، 2013

القرآن المكي و سجع الكهان

«يمكن أن نلحظ من خلال آيات القرآن التي تنتمي إلى الفترة المكية الأولى تشنجَ النبي المثير، والذي غالباً ما كان يعبر عن نفسه باتقاد شديد. كان يُؤخذ بانفعالاته لدرجة تمنعه من اصطفاء كلماته؛ أو بالأحرى كانت تلك الكلمات تنفجر منه. إن العديد من هذه الآيات يذكرنا بوحي الكهّان الوثنيين القدماء...» 


 ثيودور نولدكه(1)

 تمهيد:

 تقول زبراء: «واللّيل الغاسق/ واللّوح الخافق/ والصباح الشارق/ والنجم الطارق/ والمزن الوادق/...(2)»، ويقول محمّد في القرآن: «والسماء والطارق/ وما أدراك ما الطارق/ النجم الثاقب/...فلينظر الإنسان مما خلق/ خلق من ماء دافق...» [الطارق: 1-3]. بينما نجد أنّ النص الأول ينطلق من موقع "الكهانة" الأنثوي، نجد أنّ النص الثاني ينطلق من موقع "النبوة" الذكري(3). وبغض النظر الآن عن التقاطع في اشتراك النصين في استعمال مفردات محددة ونفسها عند محمّد والكاهنة زبراء، فإنّنا هنا مع هذين النصين أمام مستويين:

 الأول: مستوى الشكل الذي صيغت به مفردات النصين، أي الشكل السجعي.

 أما المستوى الثاني: التداخل بين النصين على مستوى المضمون، أي تداخل النص المحمدي مع النص الكهاني من الناحية الليتوروجية (الشعائرية) والعقائدية: الكاهنة زبراء تبدأ خطابها بالقَسَم باللوح، الليل، النجم الطارق، وكذلك محمد يبدأ خطابه بالقسم بالسماء، النجم الطارق، والذي يوضحه بأنه النجم الثاقب. هذان المستويان، هما ما ستحاول هذه العجالة درسهما: النصّ الكهاني وتقاطعه مع النصّ المحمدي، وخاصة في بواكيره المكّية.

إذا كان الجزء الأول من هذا المقال سيكون انشغاله منصباً على تحديد مفهوم السجع وضرورته، بوصفه العصب الرئيسي لكينونة أسلوب القرآن، ومدى تقاطع هذا مع أساليب الكهان، فإنّ الجزء الثاني سيناقش بعضاً من هذه الأساليب الكهانية السجعية، وتحديداً الأقسام الوثنية (الأيمان الكهانية الوثنية
التي سيطرت على خطاب محمد الباكر في قرآنه المكي، كما هو الحال في خطابات الكهان.

أما الجزء الثالث، فإنه سيُعنى بمناقشة نتائج ما سيُدرس تالياً (السجع والوحي الكهانيّان على وجه الخصوص)، لذا سيبدأ مناقشته بطرح تساؤل: محمد: نبي أم كاهن؟ تأسيساً على ما سندرسه لاحقاً. 

ليس من حاجة إلى تأكيد أنّ القرآن قد تشكل ضمن سياق الثقافة التي كانت سائدة مع مستهل القرن السابع الميلادي. وهكذا، لا بد أن يتسم القرآن بخصوصيات اللغة التي حضنته سواء من حيث الشكل اللغوي أو الوظائف الاجتماعية للغة، زائداً عليها الاستحقاقات التاريخية والاقتصادية والسياسية...الخ.

فلا يمكننا أن نفهم الخطاب المحمدي في بواكيره إلا من خلال "الشيفرة"، أي المستوى اللغوي، الذي تشكل من خلالها الخطاب، وبالتالي النص، والذي سيقوم بدوره بنقل المحددات الليتوروجية والعقائدية للثقافة (الحاضن الرئيسي) التي أولدته للوجود، ككائن يعبر عن نسيج علاقاتي منظم للبراكسيس الاجتماعيّ (ماركس)، وذلك بواسطة الناقل لها، أي محمّد. وإذا كان هذا الكلام يبدو أنه مشروع ضخم في الكشف عن استحقاقاته –وهو كذلك- فإننا سنكتفي تالياً وبنحو سريع بعض الشيء، بالمستوى اللغوي السجعي الكهاني ودرس التقاطعات المفصلية بينه وبين بعض الخطاب المحمديّ.

لم يقف مكر التأسيس للخطاب الإسلامي بإقامة التفاضل بين الموقعين لصالح النص الذكري المحمدي الثاني، بل النص الكهاني الأول ينتمي إلى "الهامش" الجاهلي (الذي توحي به الشياطين)، في حين أن النص الثاني ينتمي إلى "المتن" المحمّدي (والذي توحي به الآلهة)!. إن درس العلاقة بين النصين، أو التشابك الدلالي وقوة التناص يينهما هو ما سيحدد لنا –على الأقل، على مستوى شكل الخطاب- مدى التداخل بين الموقعين، أي تداخل الكهانة مع النبوة، ولكن دائماً في السياق العربي، وهو السياق الذي ألزمت فيه هذه المقالة نفسها الخوض فيه. ولكي أكون أكثر وضوحاً، ستحاول هذه العجالة قدر الإمكان إعادة الاعتبار من الناحية النقدية إلى النص الهامشي، أو بالأحرى النص السجعي، والمخصيّ بفعل سلطة النص الإسلامي ومن ثم درس قوته التي كانت أحد المناهل المحمدية في مكة. وحينما نستخدم كلمة تداخل، نعني بوجه آخر زحزحة أو خلخلة المفهوم الذي استقر في الثيولوجيا الإسلامية بما يخص القطع الإيديولوجي الماكر بين مرحلتين:

المرحلة المحمدية و المرحلة الما قبل محمّديّة (الجاهلية وفق المفهوم القرآني).
إلا أنّ المكر الإسلامي ومعه بعض الخطابات الحديثة لم يقف الأمر عندهم عند هذا الحد في عملية إقصاء النص الماقبل محمدي، فالآن تستخدم بعض الدراسات الحديثة مصطلح "النص التأسيسي" للإشارة إلى القرآن، وذلك في مقابل استخدام مصطلح "النصوص الثانوية" الأخرى التي نمت عبر التاريخ الإسلامي مثل نصوص الفقه والتفسير والحديث...الخ، بينما نجد أن النصوص الأدبية الأخرى وحتى النصوص الليتورجية، وخاصة الكهانية ما زالت عندهم في حكم الغائب والمهمش لصالح النص القرآني، الذي دائماً ما يكون التركيز عليه فقط؛ وهذا يعتبر بحد ذاته إقصاء للاستحقاق التاريخي للنص. لا وبل الأنكى من ذلك، أن يُحاكم النص الكهاني بمعيار الصحة والخطأ، حدوثه أو عدم حدوثه...الخ، الأمر الذي أدى بالنص الكهاني أن يغدو بمثابة النص الممزق، النص الهامشي، النص المخصي، النص الذي أوحت به شياطين العرب! وهذا مع تجاهل شبه تام أنّ كلا النصين يعبر عن وضع مخيالي لثقافة العربي حينها، سواء نطق به النص المحمدي أو غير المحمدي.

 سيجيب محمد شعبَ قريش حينما يتهمونه بالكهانة، بأن خطابه القرآني ليس: «بقول كاهن» [الحاقة69: 42]. حسناً، هل انتهت المشكلة بهذا النفي؟ ما هي القيمة المعرفية والتاريخية لهذا الإنكار؟ بمعنى آخر كيف نتعامل نقدياً مع مثل هكذا نص جدالي (مماحكة بين طرفين)؟ وهل يشكل النص القرآني هنا "وثيقة تاريخية" يمكن الركون إليها والاطمئنان إلى نتائجها بأن محمداً ليس كاهناً؟ هل لمجرد أن ينفي الإنسان عنه تهمة ما، أن يصبح معفياً من استحقاق الاتهام(4)؟ نعم، يعتبر هذا النص وثيقة تاريخية مهمة (ولكن ليس بالمعنى الكامل) في قراءة نفي محمد عنه تهمة الكهانة، ولكن إلى أي مدى يمكن الاطمئنان إلى حجية هذا النفي، وخاصة حينما يتموضع خطابه القرآني بنحو تاريخي؟ هنا تكمن مهمة النقد التاريخي والفيلولوجي في مقاربة وتحليل النصوص.

لا بد أن نعلم أنّ الخطاب يحمل دائماً وجهاً مزيفاً، والنقد التاريخي لا يكتفي بالأوصاف أو النتائج التي يحاول الخطاب أو صاحب الخطاب أن يفرضها على المتلقي. إنَّ من مهمته أن يحفر في هذا الخطاب، ويستجلي أبعاده التاريخية القارة في بنيته من الداخل على ضوء النافذة السوسيولوجية والتاريخية التي مارسها الخطاب داخلها.

ما ينبغي التشديد عليه ونحن نقرأ بواكير الخطاب المحمدي في المراحل المكية الأولى، أنه لم يُشر ولا في أي سورة إلى الأصل الإلهي لقرآنه، بخلاف المنطق الاعتيادي الذي يقتضي أولاً الإشارة إلى أصل الخطاب، ومن ثم الشروع به. وهذه الناحية لم ينتبه إليها إلا القليل من المستتشرقين (ويلش مثلاً). يستمر هذا الوضع تقريباً إلى ما بعد حدث الآيات الإبليسية، فهناك تبدأ الإشارة إلى أن محمداً بدأ يمتلك أو يتخيل رؤى من آلهة ما (انظر أوائل سورة النجم) حوالي سنة /614 أو 615م. وهذا عائد إلى غموض تصور الآلهة عند محمد، أو حتى العالم الماورائي بشكل عام. لن تكون الآلهة هي المتكلم، بل محمد نفسه هو المتكلم، وإذا ما أشير إلى الآلهة، فإنه سيشار إليها لا بصيغة «الله»، وإنما بصيغة الرب(5)، ومن جهة أخرى هذا عائد أيضاً إلى التخبط في تصور الآلهة عند عرب محمد، كما سنلاحظ هذه النقطة في موضوعنا الحالي عند الكهنة وهم يبدعون سجعهم.

 أحب في البداية أن أشير إلى نقطة هامة، وهي أننا لا نملك تاريخاً دقيقاً لبداية الخطاب المحمدي القرآني في مكة. ما نملكه هو مجرد رقم أسطوري، يتبناه إلى الآن الخطاب الإسلامي الأورثوذوكسي (أي: سنّه "أربعون")، وكان محمد قد اقتبسه من اليهود في يثرب. إلى إي مدى يعتبر كلام محمد دقيقاً من الناحية التاريخية حينما يصرح أنه ابتدأ وحيه عندما كان عمره أربعين؟. أعتقد أنه لا بد من نقد هذا الرقم الأسطوري الذي اقتبسه واعتقد به. لقد اتفق معظم الإسلاميين (ومعهم بعض النقاد المعاصرين) أن "الأنبياء يُبعثون على رأس أربعين"، ومحمد ليس استثناء من ذلك، فقد بعث هو الآخر حينما كان عمره أربعين سنة!. وتبدو هذه الفرضية الإسلامية شبه متفق عليها. لكن التمحيص فيها قليلاً، سيثير شكوكاً صريحة بها، فلا يصح بالتالي أخذها كـ حقيقة مطلقة. طبعاً الرقم أربعون مثله مثل الأرقام الأسطورية والخرافية الأخرى التي اكتسبت عند الساميين مرتبة مقدسة كـ الرقم سبعة، سبعين، تسعة وتسعين...الخ (غالباً ما تكون هذه الأرقام مفردة لا زوجية). إذن، لا يمكن إخراج الرقم أربعين من ضمن لائحة الأرقام هذه، والتي تحمل ظلالاً ساميّة مقدسة. يقول الرب في العهد القديم: «لأني بعد سبعة أيام أُمطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة» [التكوين7: الإصحاح السابع]. وكذا: «وكان إسحق ابن أربعين سنة لما اتخذ لنفسه زوجة» [التكوين25: الإصحاح الخامس والعشرون]. ولا يقف الأمر عند هذا، فكما أوحي لموسى وهو ابن أربعين سنة، كذلك سيستعيد محمد الشبق المقدس لهذه الأسطورة. هكذا يكون الناس في حالة من الجاهلية وهم يحملون ذنوبهم إلى أن يظهر الرب لموسى بكلامه:

«تحملون ذنوبكم أربعين سنة فتعرفون ابتعادي، أنا الرب قد تكلمت»! [العدد14: 34-35]. من هنا ندرك دلالة إشارة محمد، إلى أنه قبل أن تظهر له أرواح الرب على الجبل (حراء)، كان العالم أيضاً في جاهلية وضلالة، إلى أن نطق الرب له على لسان الأرواح: إقرأ. وهكذا موسى: «ففي السنة الأربعين كلم موسى بني إسرائيل ... حسب كل ما أوصاه الرب إليهم» [التثنية1: الإصحاح الأول:4]. وهكذا أيضاً سيخرج محمد من مغارته حراء ليبدأ خطابه الإيسكاتولوجي
 وببشارة الرب وبغضبه على أهل مكة، إذا هم لم ينصاعوا له...الخ.

 وإضافة إلى ذلك، يمكن أن نلحظ تخبط الإسلاميين أيضاً بهوية ناقل الوحي إلى محمد، وفي أي سنة؟ الأربعين أم في الثالثة والأربعين؟ ثم ومن هو هذا الوسيط السماوي: إسرافيل أم جبرائيل؟ يقول الإمام الحلبي: "واعترض عليه بعضهم بأن إسرافيل كان سفيراً بين الله وبينه . فعن الشعبي أنه جاءته النبوة وهو ابن أربعين سنة، وقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، وفي لفظ عنه: فلما مضت ثلاث سنين تولى عنه إسرافيل وقرن به جبريل(6)"! هذا الشك والتخبط يمتد إلى الأمام أيضاً: "وقد تقدم أن إسرافيل قرن به قبل النبوة ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه، يعلمه الشيء بعد الشيء إلى آخره، وحينئذ يلزم أن يكون قرن به بعد النبوة ثلاث سنين أيضاً" (الحلبي: مرجع سابق).

 السجع بوصفه أداة الكاهن في إيصال فكرته:

 «قيل لعبد الصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي: لم تؤثر السجع على المنثور، وتلزم نفسك القوافي وإقامة الوزن؟ قال: إن كلامي لو كنت لا آمل فيه إلا سماع الشاهد لقلّ خلافي عليك، ولكني أريد الغائب والحاضر، والراهن والغابر؛ فالحفظ إليه أسرع، والآذان لسماعه أنشط؛ وهو أحق بالتقييد وبقلّة التَّفلُّت، وما تكلمت به العرب مِن جيِّد المنثور، أكثرُ ممّا تكلمت به من جيِّد الموزون، فلم يُحفظْ من المنثور عُشرُه، ولا ضاع من الموزون عُشره(7)». في الواقع ما زال العرب إلى الآن يفضلون الكلام المسجوع على المنثور، ويتنغمون بالمسجع وبسحر الكلمة(8). وإضافة إلى أنّ الموزون من القصائد يُسهّل على الذاكرة تثبيتها (كما أقرت حديثاً نظريات علم النفس)؛ لذلك نرى أنه كان في القديم وحتى إلى أوقاتنا الحالية في الجامعات والمعاهد الدينية، (وخاصة في بلاد المغرب)، يلجؤون من أجل الحفظ في الذاكرة، إلى صياغة المواضيع المبتغاة بشكل مقفى يلتزم نمطاً غنائياً وإنشادياً على قافية واحدة (انظر مثلاً "ألفية السيوطي" في السيرة النبوية و"ألفية ابن مالك" في النحو و"جوهرة التوحيد" في العقيدة....الخ). لكن لا بد أن نعلم إضافة إلى ذلك، أنّ هذا النمط هو بالأساس عنصر من عناصر الثقافة الشفاهية، وهذه الثقافة هي التي تشكل القرآن خلالها. ولا يجب أن يغيب عن ذهننا في ظلّ ثقافة العرب الشفاهيّة عدم اهتمام البدو العرب بالأصل بالكتابة (9)، بل وحتى بعد ظهور الإسلام. فقديماً وبسبب غياب الكتابة كان يُلجأ إلى تقفية النثر وتسجيعه لكي تسهل عملية حفظه، إلا أن هذا أصبح الاتجاه السائد والمسيطر، مما أدى تالياً على ما يبدو إلى احتقار الكتابة، ومن هنا نلمس تسفيه الجاحظ للكتابة: "ولو كانت الكتابة شريفة والخطُّ فضيلة كان أحقّ الخلق بها رسول الله (ص)، وكان أولى الناس ببلوغ الغاية فيها ساداتهم وذووا القدر والشرف فيهم. ولكن الله منع نبيه (ص) ذلك، وجعل الخطَّ فيه دنيَّة (سافلة)، وصدَّ العِلْم به عن النبوة" [كتاب "ذم أخلاق الكتّاب"]، أو ما يروى عن افتخار محمد بنفسه وأمته: "إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب.. (10) "!!

سجع الكهان هو واحد من بين أحد المنتوجات الأربعة للثقافة الشفاهية قبيل الإسلام، إلى جانب الشعر والخُطب والقصّ(11). وإذا شئنا تعريفه بدقة كما يقول ابن الأثير في كتابه "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" «وحده أن يقال: تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد(12)»، أي على قافية واحدة (أو قرينة السجع).

وكلمة سجع لها أصول سومرية شيغو
(في الأكادية والعبرية
["س ج ع" أو "ش ج ع"](13)).
 ويرى المستشرق إيغناس غولدتسير أن السجع هو الشكل الشعري الأقدم عند العرب(14)، وفي رأي آخر لغولدتسير أننا: «إذا درسنا أول الشعر العبراني، أو أوليات الشعر عند الشعوب السامية، وعند الشعوب الآريّة، أنه نمط من أنماط هذا الكلام الذي نسميه "السجع". وهو لا زال يعد شعراً عند كثير من شعوب هذا اليوم(15)»، وهذا ما يعبر عنه غالباً بالرجز، والذي من المحتمل كما أكد البعض أنه يعتبر شكل الخطاب الأقدم، ليس عند العرب فقط، بل في الكتابات الأوغاريتية والعبرية أو السامية بشكل عام. لكن ثمة أيضاً إشارة مهمة قد أشار إليها أيضاً "توفيق فهد" بارتباط الرجز والسجع قديماً بالحالة التي كنا قد أتينا عليها سابقاً بدخول محمد بحالات إغماء ورعدة أثناء الوحي، وكذلك أيضاً: «كان الرجز والسجع بالأصل ينطلقان تقريباً من نفس الفكرة من حالة الانخطاف أو النشوة... وتدريجياً بدأ الرجز يأخذ مكانة خاصة، كما هو الكلام الذي ينشد في الحروب. وهكذا بدأ الرجز تدريجياً ينفصل من وظائف الكاهن ويقترب من الشاعر... وفي هذا المعنى يمكن القول أن الرجز هو الأصل الدنيوي للشعر، بينما بقي السجع أسلوب تعبير الرائي أو الكاهن(16)».

والجمل تكون في السجع: «مصاغة بنحو قصير، بمصطلحات مسجوعة (مقفاة) وإيقاعات موزونة Rhythmical Cadences
 مع استخدام مفردات مبهمة ومهملة ومحيرة وأسطورية(17)». ونحن نعلم ارتباط السجع بالكهان منذ القدم، والتي توحي به القوى الإلهية. فالسجع إذن هو من إنتاج الآلهة وقواها.

 كان العربي، والشرقي بشكل عام وخاصة إذا كان شاعراً أو كاهناً، لا يستطيع الاعتقاد أنّ كلماته التي ينطق بها تأتيه من نفسه. لا بد أنه هناك قوى توحي له بها. وقد أشار مرة بحق المستشرق "ماكدونالد" لهذا، حيث يقول: "إن الشاعر الشرقي لا يستطيع أن يخلص نفسه من اعتقاد أن كلماته تأتيه من لا شيء، فتعبيره هو موحى به، وليس من عمل كتاب(18)". وحتى الشاعر "جرير" لا يستطيع أن يتكلم الشعر بدون الاستعانة بالجنّ، حيث كان مرة -كما يروي الأصفهاني في الأغاني- ملزماً بالإجابة على إحدى القصائد، فمكث ليلته يجتهد لقول الشعر ولكن دون جدوى، وإذ بـ أحد الجن يهتف له من زاوية البيت ويقول له (والكلام على لسان الجني لجرير): "أزعمت أنك تقول الشعر؟ ما هو إلا أن غبت عنك ليلة حتى لم تحسن أن تقول شيئاً". طبعاً هذا الاعتقاد كما ذكرت لا يستطيع الشاعر في شعره أو الكاهن في سجعه أن يتخلص منه (19). وهذا هو في الواقع الاعتقاد نفسه الذي لم يستطع محمد التخلص منه، فليس القرآن فقط من قول الآلهة ووحيها، بل أيضاً كل أحاديثه التي نطق بها هي وحي، كما شدد على ذلك الشافعي في "الرسالة".

ويشترط بالسجع أمور كثيرة حتى يؤدي مقصوده في أذن السامع، منها أن يكون قوياً في سبك جمله، الإيقاع الغنائي متجانس، ومقفى بشكل قوي، وغالباً ما تكون المفردات كما أشرنا غامضة، وهذا له دور كبير في سحر السامع وإيقاعه في إبهام في حلّ غموض الكاهن، (وهذه الحالة ستتكرر كثيراً في القرآن كما سيأتي) أو كما يقول الحوفي: «قد يلجأ السجاعون إلى نوع من الغموض فيحملون الكلمة أو الجملة عدة معان، ليذهب السامعون في فهمها كل مذهب(20)»، أو مثلاً لجوء الكاهن إلى تركيب الجملة بشكل يوقع المستمع في التلعثم بالجملة وصعوبة حلّ لغزها، كما أورد الجاحظ مثلاً نقلاً عن لسان الجن: «قالوا: وقالت الجن:

 وقَبْرُ حَرْبٍ بمكانٍ قفر ... وليس قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ

 قالوا: ومن الدَّليل على ذلك، وعلى أنَّ هذين البيتين(21) من أشعار الجن، أن أحداً لا يستطيع أن ينشدَهما ثلاث مراتٍ متصلة، لا يَتتَعْتع فيها، وهو يستطيع أن يُنشد أثْقل شعر في الأرض وأشقَّه عشْر مرّات ولا يَتَعْتَعُ. (22)». 

لا بد من الإشارة قبل أن نكمل، إلى القول أن المجتمع العربي في الأصل مجتمع فوضوي غير منظم (وما زال)، وإن اتخذ أشكال تجمعات اجتماعية (مثل القبيلة والعشيرة)، لكن تبقى هذه التجمعات في إطار مشتت غير موحد، وهذا ما سينعكس على وجود معابد أيضاً مشتتة، وبالتالي تشتت تواجد كهنة لهذه المعابد. أقول هذا الكلام لأنه إذا كان الكاهن في المجتمعات القديمة المنظمة "دولتياً" (كما كان الحال عند مجتمعات الإغريق، فهد) لا يستطيع أن ينطق بوحي السجع خارج البانثيون، فإن الكاهن في البلاد العربية إضافة إلى تشتت المعابد، كان حرّا غير مرتبط بمعبد مخصوص (إلا في حالات نادرة جداً كما يروى عن سكن بعض الكهنة في المعبد المكي- بيت إيل [الذي تحول إلى بيت الله مع محمد اليثربي]). فالكاهن يستطيع أن يستنطق سجع السماء، متى حلت فيه قواها، وفي أي مكان كان.

هذا الوضع امتد مع محمّد في الإسلام، فهو أيضاً يستطيع أن يستنطق السماء في أي مكان أو زمان، وإن اشتهر عليه بأن وحيه كان أكثره في الليل كما أكد على ذلك نولدكه. فلا يشترط استنطاق السماء بمكان مقدس كما كان في السابق وفي مناطق أخرى؛ كيف لا، وقد حول محمد الأرض كلها إلى مسجد وطهور!. ومن جهة أخرى، إننا سنلحظ أن محمداً كان يدرك ارتباط السجع بالكهان وتنكره لهم. فمرة ردد أمامه النابغة الهذلي جملة مسجوعة في حادثة الدية: "كَيْفَ أَغْرَمُ من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا اسْتَهَلَّ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ" فرد عليه محمد: «"إنما هذا من إخوان الكهان"، من أجل سجعه الذي سجع (23)». أما ماذا عن محمد ذاته؟ ماذا عن خطابه القرآني؟ هذا ما سنأتي عليه الآن. 

السجع: هو العمود الفقري لأسلوب القرآن. لماذا يتنكر الإسلاميون له؟

إلى أي مدى يمكن أن نقرّ بنتائج الدراسات الحديثة التي تذهب إلى أن القرآن قد تشكل في معظمه تقريباً على نحو سجعي؟. الدراسات الحديثة ترى أنه تقريباً 86% (24) من آيات القرآن قد أتى مسجوعاً. وفي الواقع لقد غلب على الخطاب القرآني التشكل من ناحية أسلوبية من حيث شكل الجملة وبنائها وسردها بنحو سجعي، وهذا الوضع ليس ملفتاً بحد ذاته لأي قارئ من بعيد لخطاب محمد، لكن تصل الدرجة ببعض الإسلاميين أن يكفّر إذا قال أحدنا أن أسلوبه استعار من أسلوب البشر (وخاصة مع أساليب الكهان) والحجة في هذا التخبط أن أصل الخطاب -وهو الله- لا يمكن أن يشابه بأسلوبه أحد. لكن، إنَّ قراءة مدققة للخطاب القرآني المكي ستكشف أن هذه الإدعاءات إنْ هي إلا تهويمات لاهوتية، هدفها الدفاع عن نبوءة أو نبوة محمد وإن كان ذلك على حساب النقدي العلمي والتاريخي. 

يسيطر السجع بنحو شديد على الخطاب القرآني المكي، حتى تكاد لا تخلو سورة منه إلا وقد صيغت بنحو سجعي وخاصة في بداية السور المكية مع استخدام محمد الأقسام الوثنية الكهانية (سيبحث الجزء الثاني موضوع القَسَم القرآني الوثني): «وَالصَّافَّاتِ صَفًّا/ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ» [الصافات: 1-4]. وأيضاً ما اشتهر على لسان مسيلمة: «والمبذرات زرعاً/ والحاصدات حصداً/ والذاريات قمحاً/..(25)»، وهذا ما سيذكر بسورة النازعات في القرآن على لسان محمد هذه المرة: «والنازعات غرقاً/ والناشطات نشطاً/ والسابحات سبحاً...» [النازعات: 1-3، وانظر السجع القوي في بقية السورة حتى آية 14]. وبنفس هذا السجع نقرأ أيضاً: «وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا/ فالحاملات وِقْرًا/ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا/ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا/ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ/ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [الذاريات: 1-6]. وكذا نقرأ سجعاً قريباً من هذا في سورة المرسلات: « وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا/ فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا/ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا/ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا/ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا/ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا» [المرسلات: 1-7] (26).

سندرك لاحقاً أنه ثمة في الواقع اتجاهات نقدية في التراث لم تستطع الهرب من الإقرار بوجود السجع في القرآن كما يقول ابن الأثير: «فإنه قد أتى [أي القرآن] منه بالكثير». لكن قبل أن أستعرض هذه الرؤى النقدية، أود أن أشير سريعاً إلى الرأي الإسلامي السائد، والمتفق عليه بين الكل تقريباً حول هذه المسألة.

نحن نعلم أن الاتجاه الإسلامي المسيطر قد أنكر أن القرآن مصوغ بنحو سجعي. وفي الحقيقة هذا هو الرأي الذي استقر عليه الآن الخطاب الديني، وخاصة منه الخطاب السني؛ وليس هذا فقط، بل إنهم يتشددون بأن القرآن لا يحتوي أبداً أيَّ شكل سجعي. وهذا بخلاف الفرق الأخرى كالمعتزلة الذين أقروا بوجود السجع وخاصة إبراهيم بن سيّار النظّام، لا بل: «إنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه [أي العرب في تحدّيه] ضرباً من الصرف(27)». (اشتهر هذا عند المعتزلة بـ "الصرفة"). وأشهر من قال بنفي السجع عن القرآن، الأشعريُّ والباقلاني الذي يقول: «ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز ولو جاز أن يقولوا: هو سجع معجز، لجاز أن يقولوا: شعر معجز(28)». ولا يخفى علينا مثل هذه الأقوال من بساطة نقدية تعبر عن المستوى المتهافت الذي استقرت عليه كتب التراث. فمثل كتب الإعجاز (سواء للباقلاني أو للجرجاني...) لم تكتب أصلاً من أجل درس القرآن من ناحية نقدية، بقدر ما كان الهدف منها أولاً وأخيراً الدفاع عن إعجاز القرآن المسلّم به سلفاً. إن همّ الباقلاني الرئيسي هو الدفاع عن القرآن، وهنا في سياقنا:

إبعاد القرآن عن تهمة السجع، وبالتالي عن تهمة الكهانة، وبالتالي إبعاد نبوة محمد عن هذه الميادين، ولو كان ذلك بنحو متعسف ومبتذل، كما يقول-أي الباقلاني- مثلاً: «وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر؟ لأن الكهانة تنافى النبوات(29)». إذن المسألة هنا هي مسألة كهانة وسجع الكهان، وليس درس الخطاب القرآني نقدياً. وحتى إذا أرادوا معالجة المسألة ولو بنحو بسيط سيصلون إلى هذه النتيجة في نفي السجع عن القرآن: «لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدّي السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع، لأن اللفظ يقع فيه تاليا للمعنى» (مرجع سابق: ص84). وهذا في الواقع –كما عبرنا عن ذلك- هو نفسه التهافت المتهالك الذي ما زال عليه الخطاب الديني المعاصر إلى الآن؛ وليس هذا فقط، بل بشكل رجعي ومتخلف ومجمع عليه من أقصى الخطاب السني الأورثوذوكسي الحالي إلى أقصاه. لماذا أقول هذا الكلام؟ لأننا إذا بحثنا عميقاً هذه المسألة عند التراثيين نجد أنهم في الحقيقة لم يتفقوا فيما بينهم على احتواء القرآن على السجع أم لا(30). وهذا ما يعمي عليه الخطاب الديني. وسأستعرض سريعاً بعضاً من هذه الأمثلة (وهي سنية في الواقع) والتي أقرت بسجع القرآن أو بتواجده فيه.

ثمة مثالان في هذا السياق، هما ضياء الدين بن الأثير (558-637هـ / 1239م) في كتابه "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، ومن ثم أحمد بن علي القلقشندي (756-821 هـ / 1418م) في كتابه المشهور: "صبح الأعشى في صناعة الإنشا". حيث يتهم ابن الأثير بداية، بالعجز لمن يتنكر للسجع أو يذمه، لذلك يذمه لأنه لا يستطيع أن يقوم به، يقول ابن الأثير: «ولا أرى ذلك وجهاً سوى عجزهم أن يأتوا به». لماذا؟ يكمل ابن الأثير: «وإلا فلو كان مذموماً لما ورد في القرآن الكريم، فإنه قد أتى منه بالكثير». وليس هذا فقط، بل ربما من المحتمل أن تأتي سورة القرآن كلها مسجوعة، كما هو الحال مع سورة الرحمن المسجوعة في معظم آياتها (فان.. تكذبان..يبغيان.. ريحان..الخ)، أو في سورة القمر المسجوعة على الراء: (مذّكر.. نذر.. مستمر..منقعر...الخ) وهذا بالضبط ما أكد عليه ابن الأثير بنظرة نقدية تحسب له، خلافاً للاتجاهات التراثية السائدة، حيث يقول هو: «حتى إنه ليؤتى بالسورة جميعها مسجوعة، كسورة الرحمن، وسورة القمر، وغيرهما». 

النقطة الأخرى، ربّما، لا تأتي سورة القرآن مسجوعة كلها على حرف واحد، بل من المحتمل أن تختلط فيها أجناس أدبية متعددة. لكن من المهم أن نعلم أنه لم تخلُ سورة من القرآن إلا وفيها أشكال سجعية متعددة. وقد انتبه إلى هذا ابن الأثير: «وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور، فمن ذلك قوله تعالى: "إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً .... وكذلك قوله تعالى في سورة ق: "بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمرٍ مريج/ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج/ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوجٍ بهيج». طبعاً لا نستطيع أن نأتي بالأمثلة كلها التي يوردها ابن الأثير على سجع القرآن. لذلك سيغدو كلام الجاحظ حينما يتنكر للسجع ووروده في القرآن، هو من قبيل الدكتاتورية السلفية، التي لم يكن همها فقط إلا الدفاع عن القرآن والقفز فوق المنطق، وخاصة حينما يقرّ أن القرآن خالف: «جميعَ الكلام الموزونِ والمنثور، وهو منثور غير مقفّى على مخارج الأشعار والأسجاع.. صار نظمُه من أعظم البرهان، وتأليفه من أكبر الحجج(31)».

طبعاً السجع ليس موجوداً في القرآن فقط، بل حتى في أحاديث محمد نفسه: «وقد ورد على هذا الأسلوب من كلام النبي (ص) شيء كثير أيضاً:».

إنّ محمداً على ما يبدو لم يكن يجد حرجاً في تغيير شكل الكلمة وبنيتها الصرفية. لماذا؟ لكي تتناسب مع قرينة السجع، كما يورد ابن الأثير نقلاً عن لسان محمد في سجعه: « قد نطق به [أي محمد] في كثير من كلامه، حتى إنه غيَّر الكلمة عن وجهها إتباعاً لها بأخواتها من أجل السجع، فقال لابن ابنته عليهما السلام أعيذه من الهامة والسامة وكل عينٍ لامة " وإنما أراد ملمة، لأن الأصل فيها من ألم فهو ملم، وكذلك قوله "ارجعن مأزوراتٍ غير مأجورات" وإنما أراد موزورات من الوزر، فقال: " مأزورات " لمكان مأجورات، طلباً للتوازن والسجع، وهذا مما يدلك على فضيلة السجع(32)». وفي الحقيقة روي الكثير عن أسجاع محمد كما هو قوله هذا:«أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»...الخ.

أما القلقشندي فإنه يقترب من ابن الأثير في إثبات السجع في القرآن، وإن كان ابن الأثير أكثر عمقاً في الحديث عن ذلك. يقول القلقشندي: «ربما وقع السجع في فواصل جميع السورة كما في سورة النجم واقتربت (يقصد سورة اقتربت الساعة وانشق القمر المسجوعة على الراء) والرحمن وغيرها من السور». ومن المحتمل أن يقع السجع أيضاً في أواسط الآيات، وإن كانت السورة غير منتظمة على روي واحد: «ربما وقع في أوساط الآيات كقوله تعالى (الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور) وقوله (لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم)». وقل الأمر نفسه في تغيير محمد للكلمات في حديثه لكي تتناسب مع السجع(33). 

للأسف ما زال الإسلاميون يعتقدون بالتهالك الذي قدمه الخطاب التراثي في نفيهم السجع عن القرآن، مستدلين بالحجة التي يعتقدون أنها قوية، وهي أنه في السجع: المعنى يتبع فيه اللفظ، بخلاف القرآن الذي يكون فيه اللفظ تابعاً للمعنى. طبعاً ربما ندرك تماماً قدرة التراثيين في اختراع القواعد لكي تتناسب مع نظريتهم في إعجاز القرآن. لا بد أن نعلم أن المسألة لم تكن تتعلق بالدرس اللغوي النقدي وما شابه، بل تتعلق فقط وفقط بحماية القرآن، فما بالنا أنّ كل هذه العلوم (من بلاغة ونحو وصرف..) قد نمت على تخوم القرآن، وهذا بحد ذاته له استحقاقات خطيرة في استمرار هذه القواعد إلى اليوم. لكن أياً يكن، إنه بالرغم من كون التراثيين اخترعوا تلك القاعدة لكي يدافعوا عن القرآن، إلا أن قراءة دقيقة في القرآن ذاته ستفشل مزاعمهم (قاعدة اللفظ والمعنى)، كما انتبه إليها بعض المتنورين التراثيين كابن الأثير، وخالف التناقضات الإسلامية.

بمعنى آخر، هناك الكثير من القرآن المكي تكون فيها السيطرة للزخرفة اللفظية فقط، أي الزخرفة السجعية، ولو كان ذلك على حساب المعنى القرآني الذي يريد محمد أن يقوله. ولتدليل على غلبة زخرفة الأسلوب وسيطرته السجعية على حساب المعنى في القرآن يمكن أن نأخذ ثلاثة أمثلة:

 - يتفق معظم التراثيون والإسلاميون على أفضلية موسى على هارون، لذلك فقد غلب على الأسلوب القرآني تقديمه عليه دائماً، وقد ورد تقريباً سبع مرات، ولنلاحظ أن السور كلها مكية: [الأعراف:122]، [الشعراء:48] وهنا السياق في السورة مسجوع على الياء والنون،[يونس:75]، [الأنعام:84]، [الصافات:114و 120]، السياق مسجوع على النون مع الياء والواو (يـن، ـون)، [الأنبياء:48].

في موضع واحد فقط في القرآن نجد أن محمداً يخالف الأسلوب في تقديم موسى على هارون! ففي سورة طه نجده قد قدم هارون على موسى، وذلك لأن سجع السورة هو على الألف، ولا يناسب هنا السياق تقديم موسى على هارون! نقرأ: «فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى»[طه:70]. وهذه السورة تأخذ الترتيب الكرونولوجي الرقم 42، بحسب رواية ابن عباس.

 - وردت لفظة إلياس (هو نبي بحسب القرآن) مرتين في سورتين مكّيتين هي الأنعام [85] والصافات[123]، لكن في الحقيقة ورد اسم هذا النبي ثلاث مرّات، أمّا المرّة الثالثة، فتمَّ تحريف اسمه لكي يناسب سجع سورة الصافات (يـن، ون)؛ هكذا نقرأ أن اسمه تبدل من "إلياس" إلى "إل ياسين": «سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِين»[الصافات:130]، لذلك لن نستغرب أن يخالف البعض هذه القراءة ليقرأوا اللفظ (قراءة مكة والبصرة والكوفة) ليس "إل ياسين" بل "إلياسين" وهو النبي إلياس(34)، لكن أضيفت الياء والنون لضرورة السجع.

- ورد تعبير "طور سيناء" في سورة المؤمنون «وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء» [المؤمنون:20]، وبغض النظر الآن عن اشتقاق لفظ الطور من الأصل العبري أو الأثيوبي كما حكى البعض، وبغض النظر عن معنى وموضع سيناء والذي فسر بأنه جبل بالشام؛ إلا أن اسم "سيناء" قد حُرِّف أيضاً ليناسب سجع السورة إلى "سينين" كما نقرأ: «وطور سينين» [التين: 2] وهذا التحريف أو التبديل لاسم سيناء أتى ليناسب سجع السورة على الياء والنون، وخاصة كما يقر كثير من المفسرين (منهم قتادة كما يرى في الآية الثانية) أن سينين هو نفسه سيناء. والأمثلة على هذه التحريفات في الخطاب المحمدي القرآني كثيرة لأغراض الأسلوب أو الزخرفة السجعية.

لذلك لا معنى أبداً لأقوال علماء القرآن (المسيطرة على الذهنية الإسلاموية إلى الآن) حينما اخترعوا قاعدة أن المعنى في القرآن يتبعه اللّفظ، وذلك لإبعاد القرآن عن ميادين سجع الكهّان، والحطّ من الأخير وحصره في ميادين الشعوذة والسحر لكونه متّصلا بالتقاليد الوثنية(35).
مهما يكن، تبقى هذه الادعاءات تنتمي إلى ميادين ثقافيّة، إلاّ أنّه لا بدّ من إخضاعها للدرس النقديّ والتاريخيّ.
بقلم: حمود حمود

عاش فريدا ومات فريدا.

عاش فريدا ومات فريدا. اختار توقيت موته وطريقة موته. رتّب كلّ شيء مسبقا. ولكنّ صراعه مع المرض تواصل بعد اختياره الانتحار الرّحيم. وقد علمنا الآن أنّه لفظ أنفاسه هذا الصّباح. تزامن موته مع مقتل محمّد البراهمي، ثالث شهيد في تونس يموت برصاص الذين أمضى العفيف الأخضر جزءا كبيرا من حياته وهو يفكّك فكرهم ويقاومه، ويفضح نواة العنف والإرهاب فيه. سنظلّ أوفياء إلى العفيف وفكره. وسنواصل مقاومة قوى تدمير (...)
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية


الهوامش:
1- Theodor Noldeke, "Sketches From Eastern History", (article, Quran)Translated By John Sutherland Black, M.A. And Revised By The Author (Noldeke), London And Edinburgh Adam And Charles .Black,1892, P.42. 
this article is Originally published in the Encyclopedia Britannica, 9th ed., vol. xvi. p. 597 sqq.
ويشار إلى أن نولدكه قد قسم المرحلة المكية المحمدية إلى ثلاث فترات رئيسية، كان قد رتب القرآن كرونولوجياً أثنائها؛ أما الفترة الأولى التي أشرنا إليها، فإنها تضم نحو أربعين سورة من القرآن، ستكون في جزء كبير منها محط بحثنا من ناحية السجع.
 2- الألوسي: "بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب" تحقيق محمد بهجت الأثيري، دار الكتب العلمية، ط1، 2009، ج3 ص 286- 287.
 3- الفضاء الكهاني فضاء ثقافي رحب، يستوعب الناطقين باسمه من كلا الجنسين الذكري والأنثوي؛ بينما حوّلت الثيولوجيا الإسلامية عند العرب النبوةَ إلى فضاء ذكري محض، لا يستوعب إلا فحول الذكور! لذا لا نستغرب من تحديد اللاهوتيين لشروط النبوة بأن ذكورة النبي هي إحدى قوام اختيار الرب للأنبياء. طبعاً سندرك لاحقاً أن هذه المعايير هي مجرد تهويمات لاهوتية ذكورية فارغة، وخاصة حينما يوضع كلا الفضاءين –النبوي والكهّاني- أمام النقد التاريخي.
 4- إن استخدام كلمة "تهمة" هنا في هذا السياق لتوصيف الكهانة، لا تعني أنها تهمة بما تشير إليها من استحقاق دلالي أو ما هو متعارف عليها إسلامياً؛ ذلك أن الكهانة بحد ذاتها ليست تهمة، وإنما هي ظاهرة دينية، لا تقل أهمية عن النبوة، إلا أن العرب قاموا بتشويهها والحط من شأنها، وذلك بهدف إعلاء المكانة النبوية التي قال محمد أنه ينتسب إليها. وهذا سنفصل فيه لاحقاً.
 5- لقد أشرنا سابقاً (بحث وحي محمد ج2) مثلاً، أنه أثناء ثمانية عشر سورة التي يبتدأ فيها محمد القرآن، بحسب التقسيم الكرونولوجي لموير، فقد تحاشى محمد -وبشكل مطلق تقريباً- استخدام كلمة الله والاستعاضة عنها بلفظ غامض هو: الرب- ربك- ربي-ربهم...الخ.
 6- السيرة الحلبية: ج1 ص326. 
 7- الجاحظ (150-255هـ): "كتاب البيان والتبيين"، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط7، 1998. ج1 ص287.
8- T. Fahd, " Divination", Article In The "Encyclopedia Of The Quran". General Editor: Jane Dammen McAuliffe. Brill, Leiden–Boston–Koln, Vol.1, P. 543.
9- Alan Jones, "Orality and Writing in Arabia ", article in the "Encyclopedia of the Quran". 2003, vol. 3, p.588.
 10- صحيح البخاري: رقم: 1913.
11- Alan Jones, "Orality And Writing In Arabia ", Vol. 3, P.587.
 12- ضياء الدين بن الأثير: "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، ص114.
13- T. Fahd: "Sadj", As Magical Utterances In Pre-Islamic Arabian Usage, In "Encyclopedia Of Islam", New Ed. Leiden 1954 , Viii, P.733.
14- Devin J. Stewart, " Rhymed Prose", Article In The "Encyclopedia Of The Quran". Vol.4, p. 477.
وانظر كلام أحمد محمد الحوفي حول نشأة القافية الشعرية: «الحياة العربية من الشعر الجاهلي». ط4، مكتبة نهضة مصر. ص 195. وانظر أيضاً: بروكلمان: "تاريخ الأدب العربي"، ج1، ص51.
15- جواد علي: "المفصل في تاريخ العرب" نشر بمساعدة جامعة بغداد. ط2 ، 1993 ج8 ص746. 
16- T. Fahd: ibid.
17- T. Fahd: "Sadj", P.732.
18- Macdonald, Duncan Black, "The Religious Attitude And Life In Islam". The University Of Chicago Press, 1909.P.25. 
19- انظر أيضاً مقالة نولدكه المهمة:
Theodor Noldeke, "Arabs (Ancient)" In Encyclopedia Of Religion And Ethics, Edited Byjames Hastings, M.A, D.D. Vol. 1, P.661. 
 20- أحمد محمد الحوفي: «الحياة العربية من الشعر الجاهلي». ط4، مكتبة نهضة مصر، ص182.
 21- البيت الثاني الذي يشير إليه الجاحظ (150-255هـ) هو للكاهن شق الذي يقول:
عَبيت لك عَبيتُ لك ... كيما أُتِيحَ مَقْتلك
فاصبر لما قَدْ حُمَّ لَكْ.
 22- الجاحظ: "كتاب الحيوان" تحقيق عبد السلام محمد هارون. مطبعة مصطفى الحلبي بمصر، ط2 سنة 1967. ج6 ص207-208. 
 23- صحيح مسلم: رقم: 4485.
24- Devin J. Stewart, " Rhymed Prose", "Encyclopedia Of The Quran", Vol.4, Pp. 478.
25- ابن الجوزي: "المنتظم في تاريخ الأمم والملوك" دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عطا، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان ط1 سنة 1992 ج4 ص21.
 26- وقد أشار ديفين ستيوارات إلى بعض الأقسام (الأيمان) السجعية الكهانية في بواكير الخطاب المحمدي في السور المكية (وهذه سنأتي عليها في الجزء الثاني):
37:1-3; 51:1-4; 52:1-6; 53:1; 74:32-34; 77:1-6; 79:1-5; 81:15-18; 84:16-18; 85:1-3; 86:1; 89:1-4; 90:1-3; 91:1-7; 92:1-3; 93:1-2; 95:1-3; 100:1-5; 103:1. Devin J. Stewart, " Soothsayer ", Article In The "Encyclopedia Of The Quran". 2006, Vol.5, P. 80
 27- الباقلاني: محمد بن الطيب (ت 403هـ)، "إعجاز القرآن" تحقيق عماد الدين حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية ط4، 1999، ص91.
 28- الباقلاني: مرجع سابق ص84.
 29- الباقلاني: مرجع سابق ص84.
 30- ينقل ديفين ستيوارت موقفاً ثالثاً لجلال الدين السيوطي، وهو في الواقع يحتاج إلى تدقيق، حيث يقول بأن السيوطي: 
«Holds That While To Term The Quran Saj_ Is Unacceptable Or Disrespectful, It Nevertheless Exhibits Many Formal Features Of Saj Style », Devin J. Stewart, "Rhymed Prose", Article In The "Encyclopedia Of The Quran". 2004, Vol.4, P. 477-478..
 31-الجاحظ: "البيان والتبيين"، ج1 ص383.
 32- ضياء الدين بن الأثير: "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، ص114- 115-116.
 33- أحمد بن علي القلقشندي: "صبح الأعشى في صناعة الإنشا"، دار الفكر – دمشق، ط1، 1987، تحقيق : د.يوسف علي طويل، ج2، ص303 وما بعدها.
 34- تفسير الطبري: (على هامشه للنيسابوري) المطبعة الأميرية ببولاق ط1 سنة 1329هـ (أعادت طباعته دار المعرفة- بيروت 1992) ج23 ص61.
 35- انظر: 
Devin J. Stewart, " Soothsayer ", In The "Encyclopedia Of The Quran". 2006, Vol.5, P. 79.


الجمعة، 9 غشت، 2013

هل يمكن إنقاذ الإسلام ؟ آخر فتوى للإمام الجليل النبيل الطاهر



قبل أيام شاهدت برنامج تلفزيوني شارك فيه "عالمان" من الأزهر استماتا في المرواغة والتهرب من الإقرار بأن الأسلام قد أجاز العبودية. وبما أننا قد أعتدنا على مثل هذة المغالطات من مشائخ الإسلام ليلاً ونهاراً فهي ليست بغريبة علينا ولم تعد تلفت نظر الكثير منا. ولكن, وأثناء البرنامج التلفزيوني, قال احد الشيخين كلاماً استوقفني ودفعني الى التفكير ملياً فتوصلت إلى حلاً جذرياً لكل المشاكل التي يعاني منها الإسلام ويعاني منها العالم بسبب الإسلام.

دعونا أولاً ننظر إلى ماقاله الشيخ:
في معرض حديثة عن العبودية وعن سلوك الرسول حول هذة المسألة تطرق الشيخ الى وضع مارية القبطية ثم, تحدث عن زيجات الرسول وذكر أنه كان للرسول إحدى عشر زوجة. وفجأة قرر الشيخ ان يتوقف وينظر إلى الكاميرا مخاطباً المشاهد قائلأ: "نعم تزوج بإحدى عشر إمرأة واللي مش عاجبه يخبط رأسه في الحيط".
كلام الشيخ دفعني إلى التساؤل عن الذي كان سيقوله عن العبودية إذا قدر له أن يناقشها في الماضي, قبل ثلاثة قرون مثلاً, عندما كانت العبودية ماتزال مقبولة إجتماعياً وأخلاقياً. لا بد أن الشيخ لم يكن ليتحرج من تشريعها في الإسلام بل سيمتدح الإسلام وربما كان سيتشدق بعدد الأيات التي ذكرت ملك اليمين ونظمت عملية إستعباد الإنسان لإخيه الأنسان ولا أشك ان الشيخ كان سيذهب إلى القول بأن الأديان الأخرى ليست وافية ولا شاملة كما هو حال الإسلام مذكراً بأن الأديان الأخرى "تركتها سايبة" ولم تعطِ مسألة جوهرية مثل العبودية الإهتمام الذي تستحقه. ثم واصلت مخيلتي رحتلها الشيقة داخل الزمن فتخيلت مشهد الشيخين في المستقبل بعد مائة عام من الآن مثلاً. عندها بالتأكيد ستُصبح مسألة تعدد الزوجات والمعاملة الدونية للمرأة مسألة مثيرة للحرج لعلماء الدين وسينظر لها حتى المسلمون بنفس المنظور الذي تنظر به البشرية اليوم لمسألة الرق. بعد مائة عام, لا أعتقد أن الشيخ سيلتفت إلى الكاميرا ويقول بكل بجاحة للذين يتسآلون حول تزوج صلعم لقطيع من النساء " واللي مش عاجبه يخبط رأسه في الحيط".

لقد ثبت أن للإسلام قابلية رهيبة للطرق والسحب ليتلائم مع العصور والظروف المختلفة. ووظيفة "علماء" الإسلام لاتختلف عملياً عن وظيفة أخصائيي الدعاية والتسويق أو المتحدثين بإسم وزارة الخارجية أو وزارة الدفاع. فهم يلوون الأمور أو يمارسون ال "spin" كما يقولون في الغرب ويلفون مساوئ هذا الدين وفعلات نبيه المزيف ويظهروها وكأنها من حكم الله المبينة ومن نعمه على العباد. ولكن البشرية والمفاهيم الأنسانية تتقدم بسرعة أعظم بكثير من سرعة تأقلم علماء الدين, ولهذا نجدهم يلهثون تكاد تنقطع انفاسهم وهم يدافعون عن الإسلام. ولهذا بدأت الشقوق في صخرة الإسلام المتصدعة بالتعمق وبدأت الروائح الكريهة تنتشر كلما رمينا حجراً في بركة الإسلام المتعفنة منذ الف عام وكلما أحدثنا ولو خدشاً بسيطاً في وجه الصنم الأكبر والنبي المزيف. والحقيقة أن الإسلام يدفع ثمناً لربطه بالدولة من قبل مشايخ وعلماء الدين والمنتفعين من الدين, أي الحكام. لو كان الدين الإسلامي يؤدي وظيفة "دينية" روحانية فقط لما أعترضنا عليه ولما أضعنا أوقاتنا ونحن نقرأ كل ما يتعلق بحياة محمد حتى عندما كان يحك خصيتيه.

والسؤال هو: طالما أن الإسلام يقبل ان تلوى عُنقه بطرق مختلفة وتحت ظروف متنوعة, لماذا لا يتصرف "علماء" الدين بذكاء فيخدمون أمتهم بفصل الدين عن الدولة. لماذا لايخلصون الشعوب الإسلامية من قبضة الديكتاتوريات المتخلفة الفاسدة ومن حبال التعاليم الإسلامية العتيقة التي تكبل المجتمع الإسلامي وتلتف حول عنقه. إن ذلك لن يعني سقوط الإسلام بل سيعني إستراحة الإسلام من التعب والجري الذي يفرضه عليه علمائه. لماذا لا يريحون ويرتاحون, كما يقول المثل الشعبي؟

وإنطلاقاً من حرصي على الإسلام وعلى سمعة نبيه صلعم الله عليه وسلهم, ولكي أبين للأمة الإسلامية الطريق الحق الذي ينفعهم في دنياهم ويشفعهم في أخرتهم, فقد قررت أن أصدر فتوى في هذا الأمر والتي كما قلت في مقدمة الموضوع ستكون أن شاء الله حلاً لكل مشاكل الإسلام وبالتالي مشاكل العالم أجمع.

قبل أن أبدأ أود أن أحمد آلهة الجوجل والمايكروسوفت على نعمة العولمة وأصلعم وأسلم على محمد عبدلله هاشم..أما بعد:
فقد تبين لنا أن ديننا الإسلامي الحنيف يمر بمحنة بالغة الشدة وأن سمعة رسولنا محمد صلعم قد ساءت بين العالمين وأن وضع الأمة بالغ الخطورة لم يعد يحتمل الإنتظار أو المغالطة. وكل ذلك للأسف بسبب تشدد إخواننا العلماء الذين يأبون إلا أن يربطوا الإسلام بإدارة شؤون الدولة وذلك حتى ينتفعون هم وأولياءهم من سلاطين الفساد وملوك السرقات. والحقيقة أن ربط الدين بالدولة ليس فرضاً في الإسلام وليس من أساسيات ديننا الحنيف. فالإسلام قد حرص كل الحرص على فصل الدين ولم يقترن اسم الدين بالحكم في أي آية في القرآن. والله سبحانه وتعالى قال في محكم كتابه: وما بعثناك إلا مبشراً ونذيرا ولم يقل "وما بعثناك إلا مبشراً وحاكماً أو ملكاً". كما أن الله سبحانه قال "إنما الدين عند الله الإسلام" ولم يقل" الدين وشؤون الحكم عند الله الإسلام" وسبحانه أيضاً يقول " اليوم اكملت لكم دينكم" ولم يقل "دينكم ودولتكم". ولعل الحكمة من أن الله لم يرزق محمد صلعم بصبي حرصاً منه على أن لايقوم الصحابة من بعد وفاة الرسول صلعم بتتويج إبنه ملكاً من بعده وإنشاء دولة.

وقد يقول قائل: وماذا عن التشريعات والأحكام الإجتماعية التي جاءت في القرآن والحديث؟ ونحن نقول يإخواني بأن تلك الأحكام جاءت تعالج حالات حدثت في ذلك الوقت فقد كان لابد لرسول الله صلعم ان يرد على استفسارات الناس ويحكم بينهم ويدير شؤون الدولة وذلك من منطلق المفاهيم السائدة آنذاك. ولكن هذا لا يعني أبداً أن الله سبحانه وتعالى قد اراد منا ان نطبق تلك التعاليم الى أبد الآبدين, فهذا غير مقبول للعقل. بل العكس, إن ذلك يدل على أن الإسلام تعامل مع الواقع ولم يحاول الإتيان بأدوات من ثقافات أو حضارات أخرى. فإذا كان رسول الله نفسه قد غير من أحكام وتعاملات كثيرة خلال عشرين سنة فقط من الدعوة فكيف لنا ان نتقيد بها بعد اربعة عشر قرناً. إنظر مثلاً كيف قال "وجادلهم بالتي هي أحسن" عندما كان ضعيفاً في مكة ثم قال "وقاتلوهم حيث ثقفتموهم" عندما قوت شوكته وأصبح له جيشاً. إذا كان الله سبحانه وتعالى قد اراد لتلك الأحكام أن تكون صالحة لكل زمان ومكان لكان قد أتى بأحكام لها تلك الصفات وليس بإحكام مفصلة طبقاً للظروف السياسية والإجتماعية وحتى الجغرافية التي اتسمت بها مرحلة حياة محمد. أنظر مثلاً إلى دور الإبل في القرآن وفي أحكام الدية والتي من المستحيل تطبيقها. وأنظر كيف فُرض الوقوف في جبل عرفة الذي أصبح لايتسع ولو لنسبة بسيطة من المسلمين الذين فرض عليهم الحج. هل كان الله جاهلاً بعدد المسلمين اليوم؟ إننا بهذا السلوك ننتقص من علم الله تعالى وحكمته ونببرر قصور الأحكام الشرعية بمبررات لايمكن أن يقبلها عقل طفل صغير.

لابد من التفريق بين الدين الإسلامي وبين الإحكام الإسلامية. فالدين الإسلامي بالطبع صالح لكل زمان وكل مكان ولكن التعاليم الإسلامية ليست لها هذة الصفة. إن إعتقاد غير هذا يكون من قبيل الجهل بحكمة الله وعلمه وقصر نظر عن مفهوم الرسالة المحمدية التي اساسها التوحيد وفروعها المرونة والتعامل مع الواقع المعاش عملاً بقوله صلعم "أنتم أدرى بشؤون دنياكم". ثم أن الذين يصممون على أن الأحكام الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان يضعون الإسلام موضع الحرج والسخرية ويضعفون الأمة ويشتتون طاقاتها ويتسببون بتخلفها. ويضعون رسول الله صلعم وما مارسه طبقاً للثقافة والأخلاق السائدة في عصره في ميزان أخلاقي لايتناسب مع تلك الأخلاق وهذا ليس عدلاً. فأصبحنا في موقف دفاع وأصابنا الحرج والخزي من تصرفات الرسول صلعم, وذلك بدلاً من ان يكون لنا الفخر بأن الأسلام هو دين التوحيد والتعامل مع الواقع.

وبناءً على ماجاء وبعد التوكل على الله سبحانه وتعالى نُقرّ التالي:
أولاً: ربط الدين بالشأن العام ليس فرضاً في الأسلام وليس من أساسيات الدين أو مكوناته في شيئ.
ثانياً : إنه من الواضح أن الأحكام والأيات المتعلقة بأمور الدنيا قد أتت لتعالج مرحلتها فقط وإن أي محاولة لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية اليوم لايصب في مصلحة الإسلام أو الأمة الإسلامية أو الرسول صلعم.
ثالثاً: لابد من إسعاف هذة الأمة وإنتشالها من الوحل وذلك بفصل كامل وأبدي لإحكام الشريعة عن الشأن العام وعن حياة الناس. لابد من وضع القوانين والتشريعات التي تتفق مع حياتنا المعاصرة
رابعاً: لا بد من محاسبة علماء الدين الذين يرفضون هذا التغيير حسب قوانين مناسبة توضع لذلك لإنهم عندما يربطون الدين بالدولة لايفيدون بذلك إلا حكام الجهل والفساد الذين ينهبون المال العام.

هذا والله من وراء القصد

تحياتي ومودتي
نبيل طاهر

Day Counter for