

سبق للإعلامي المتألق أحمد منصور أن استضاف في برنامجه المثير شاهد على العصر الوزير والسفير والمستشار السابق لملك المغرب الراحل الحسن الثاني "عبد الهادي بوطالب" في محاولة من قناة الجزيرة للكشف عن معلومات مفصلة عن حياة البذخ والليالي الملاح والظلم التي ميزت عهد الجمر والرصاص، لكن يبدو أن "سي بوطالب" لم يشف غليل منصور الجزيرة بما فيه الكفاية وكان الشاهد مدافعا عن الحسن الثاني منه إلى قول ربع ربع الحقيقة للمشاهدين لهذا ارتأى أحمد منصور البحث عن شاهد عصر من طينة أخرى، شاهد لم يذق حلوى وكافيار القصر بل ذاق حنظل وزقوم تازمامارت، شاهد لم يشرب شامبانيا الملوك بل حميم هاوية حامية فكانت عين أحمد منصور على الضابط السابق وأحد الناجين بأعجوبة من حفر جهنم، أو لنقل الميت العائد ابن قرية غفساي أحمد المرزوقي (الصورة) الذي روى للمشاهدين سيلا من الفظاعات والويلات فأبكى مقدم البرنامج وأبكى معه الكثير من المغاربة و المتتبعين الناطقين بلغة الضاد على عهد من عهود الظلم والطغيان والتشفي والسادية، و جعل الكل يقف مذهولا مصدوما أمام هول المشاهد التي رواها المرزوقي عن معاناة آدميين مغاربة في قبور وحفر تازمامارت الرهيبة
..
تازمامارت، قمة العذاب وقطعة حقيقية من جهنم عاشها هذا الشاهد على العصر صحبة رفاق له قرابة عقدين من الزمن أدت بالبعض إلى الموت بعد صراع مرير مع الألم والمرض والشلل والقروح والدمل ولسع الزواحف والبق الذي اتخذ من رؤوس المعتقلين أوكارا،أعوام ليلها كنهارها ألقت بالبعض الآخر في خانة الحمق بينما استطاع الباقي ومنهم الشاهد على العصر عبور وادي جهنم الرهيب والبقاء على قيد الحياة في مشهد أقرب منه إلى المعجزة من أي شيء آخر ليكونوا شهودا على عصر قضوا فيه جزءا من عمرهم في قبور و حفر جحيم تازمامارت…
نتمنى من الإعلامي المتألق أحمد منصور أن يستضيف شهودا آخرين على عصور حكام كل بلاد قمعستان من دون استثناء والممتدة من شمال أفريقية حتى بلاد نفطستان ليحكوا لنا عن تازمامارتهم هم أيضا، عن عبدالناصر و كيف قامر بأرواح شعبه و أفقر المصريين والكلاب المدربة على اغتصاب المعتقلين في مصر البكباشي وعن حافظ الأسد و كيف أرهب شعب سوريا ليورث النظام الجمهوري في سابقة خطيرة و يخلفه ابنه بشار و صدام حسين وكيف أذل شعبه و دمر عراق الحضارة وعن جرائم آل سعود وكيف تم اغتيال المعارض ناصر السعيد الذي ألقت عصابة ياسر عرفات القبض عليه بلبنان سنة 1979 لتسلمه للنظام السعودي ليلقى حتفه المجهول ويتلف النظام السعودي جثته ليخفي معالم الجريمة يومها تلقى ياسر عرفات ورجاله مقابل ذلك عمولة معتبرة و عن و عن... وعن... و.. عن ...فما أكثر العنعنة في تاريخنا المجيد و ملاحم سلاطيننا الصناديد ...
صحيح أن العلاقة ليست بالودية بين النظام الرسمي المغربي و قناة الغاز المسال أي قناة الجزيرة، و أن القائمين على القناة القطرية يريدون الانتقام والتشهير بالمغرب على قيام هذا الأخير بغلق وتشميع مكتب الجزيرة بالرباط وعن مساندة المغرب للبحرين عندما كانت تطالب جارتها قطر بمنطقة الزبارة و جزر حوار وبعض مصائد الأسماك واللؤلؤ كأراضي ومياه إقليمية بحرينية، وعن تعاطف ملك المغرب الحسن مع أمير قطر السابق الذي أطاح به ابنه حمد بن خليفة آل ثاني ..
و في إطار نفس اللعبة أي لعبة شد الحبل بين مملكة الجزيرة و المملكة المغربية قد لا نستغرب أن يستضيف أحمد منصور في إحدى حلقاته المقبلة امرأة تدعي أنها محظية من محظيات وجواري الحسن الثاني لتروي لنا قصصا أشبه بقصص شهريار في ملحمة ألف ليلة وليلة
إلى اللقاء
عن عساسي عبد الحميد الهيسبريس
أبو قثم
ما كنت لأظنّ أنّ هناك شيئا معلوما في الدّين لا يتّفق في شأنه بلهاء الإيمان مع مشايخهم و علمائهم و مراجعهم
ما كنت لأظنّ أنّ من يصدّق أن النّمل ينطق و أن الحمير تبصر بالأشعة فوق البنفسجية، سوف يرفض من إمامه و مرجعه ، فكرة موت نبيّه مسموما أو مقتولا
فلماذا يا ترى يرفض المؤمنون هذه الفكرة ، و لا يقبلونها؟ و لماذا تشكّل لهم ضيقا نفسيا و أزمة عصبية ، يحاولون التخلّص من مناقشتها و تداولها حتى مع أئمّتهم و مشايخهم المبجّلين؟
و الحقّ ، الحقّ، أن قوّله :و الله يعصمك من النّاس ، إذا ما شفعته بفكرة تسميم رسوله الأعظم من طرف يهودية، كما يقول قسم من أهل السنة و الجماعة ،أو بواسطة اللد على يد عائشة و حفصة ، كما يصرّح قسم من الشيعة ، فإنّ الخليط المحصّل عليه يكون ممزوجا، مرفوضا، لا دسم فيه، و لا طعم له . إلا أن العجيب هو أنّ هذا التّناقض ، على مرارته ، يشكّل بالنسبة لمشايخ الأمّة و علمائها مادّة شهية، يقبلون عليها بكل فهاهة ،إقبال المتلهف على الماء
ـ و الله يعصمك من النّاس ـ لا تستقيم و سحر النبي ، فكيف بها تستقيم عند أهل السنة مع فكرة تسميمه من طرف يهودية؟ و كيف بها تستقيم عند أئمة الشيعة مع التآمر على شخصه من طرف زوجتيه و تسميمهما له ؟
هذا ما استخلصته من الجلبة التي أحدثتُها في حشد من المشيّعين ، الذين جاءوا
ليشفوا صدورهم بموت جاري الغنيّ الملحد السّكّير، الذي لم تطأ قدماه يوما مفنسا و لا عرف الصوم له مسلكا
أعرف جاري السّبعينيّ العمر ، لأكثر من أربعين سنة خلون.عرفته شابّا وسيما عريض المنكبين، صبوح الوجه ، عالي الهامة ، تتفنّن مراهقات المدينة في تتبع حركاته و يتنافسن على مرافقته. و عرفته أبا ،رجل أعمال ناجحا ،قلّ أن لا تمرّ الصّفقات التي غيرت معالم مدينتي من بين يديه.و عرفته ذاك المتقاعد الذي يلزم يوميا رأس الدّرب متكئا في مقعده الوثير من سيارته الرباعية الدّفع ، التي كانت رهن إشارة النفساء و المريض و المعلول ، و الطفل الذي فاته وقت المدرسة ، و الأب المحزون ، و كلّ من ضاقت به الأرض بما رحّبت
لم يمرض جاري ، و لم يعتره الزهايمر ، و لم تصبه حمىً و لا ذات جنب . منذ أسبوع سقاني الصّهباء في سيارته على أنغام (الروكن رول)التي كانت تزيد المكان رونقا و حيوية.تجاذبنا الحديث كعادتنا لساعات طوال .تحدّثنا في كلّ الأشياء ، لم نترك أنبياء و لا أولياء و لا حديث و لا قرآن. تحدّثنا عن ماركس عن أفلاطون عن فرويد و نيوتن و عن هيجل.. تحدّثنا عن أبي قثم ـ على فكرة فجاري هذا كان يحبّ كثيرا قراءة تعاليق صديقي الراوندي. كان كلّما وجدته يسألني أن أفسّر له بعضا من كلامه
فيقهقه كلّ مرّة و يقول لي : حقّا ، إن الأعراب لأشدّ كفرا، ياهذاـ .. ـ و كان أكره ما يكرهه جاري مقابر المسلمين، فكلّما سمع بموت صديق أو حبيب إلا و يقول :مسكين فلان ، سيرمونه في المزبلة , ثم تعلوه حسرة شديدة و يضيف : لقد نسوا ضرائبه و جباياته و صدقاته ، إذ أصبح الآن كومة عظام لا تصلح لديهم لشيء..كان دائما يقول لي :المسلم حشرة و هو حي يا أبا قثم ،ونجاسة إذا مات،يتخلّص منها المؤمنون بسرعة و يتوضأون منها...لا كرامة للمسلم حيّا و لا حرمة له ميّتا، أنظر إلى مقابرنا و قارنها بمقابر الكفار الذين غضب الله عليهم و أحبط أعمالهم.. أ ليست مقابرهم أشبه بالجنان التي يعدها الرحمان بلهاء الإيمان؟!!. كان جاري لا يمرّ بسيّارته قرب مقابر المسلمين ، ليس حذر الموت ، و لكن اتقاء النّكد و القرف الذي تبعثه في نفوس النّاظرين.
في ذاك اليوم المشؤوم الذي سيغادرنا فيه جاري، خرجت كدأبي كلّ يوم لأستقلّ سيّارة أجرة تقلّني إلى عملي ... لاحظت حركة غريبة ، لم أفهمها ؛ و ... تواجدا غير عادي لم أستوعبه .. إذ بي ألمح من بعيد ابن جاري البكر يلوّحّ بيده إليّ مناديا . فخففت نحوه. حيّيته؛ فحيّاني بحرارة، و قال هامسا جهة أذني، و كأنه يهمّ تقبيل كتفي : إن الوالد يريد أن يراك... دلفت المنزل الفخم خلفه .. فلاحظته أصمت ممّا كنت أعهده ، بينما كان التواجد فيه كثيفا. في كلّ حجرة مررت بها كنت أسمع همسا . و البهو ، على طوله ، و أنا أجتازه ؛ لا حظت أني قابلت فيه أشخاصا. و بعد أن صعدنا الدّرج و توسّطنا الدار و واجهتنا حجرة نوم أبيه بادرني الإبن قائلا: الله يهدي الوالد يرفض أن نشغّل القرآن ، فهلاّ أ قنعته ، يا أستاذ !! فدفع الباب ، لأجد نفسي داخل الحجرة، و أنا لم أستوعب بعد شيئأ...فإذا بي أمام جاري المتهالك فوق فراشه الذي لزمه ليومين بعد وعكة قلبية شديدة ، ألمّت به ،لم يعلم بها أحد من الجيران .. أعلمه الأطباء بفقدان الأمل فعاد من توّه ليلة الأمس. وجدته يضحك مع أحفاده الذين جلسوا على سريره الأبيض الوثير بينما تقتعد إحدى بناته أريكة جانبه .. لمّا رآني شاخصا أمامه قهقه قهقهة إهتزّ لها كيان الحجرة الخامل قائلا بصوته الجهوري : يا هلا يا هلا بأبي قثم
تسمّرت في مكاني ، كانت ضحكاته أثقالا تهوي على متني فتثنيني لأنكسر أمام هول المشهد.. لم أنبس ببنت شفة ، نسيت نفسي، ضاعت مني حواسّي إلا البصر الشارد عنّي، فإذا بصدى ضحكه يعيدني إلى الرّشد ، لأجده يقول بمرحه المعهود : ها أنت ذا ترى ، يا جاري ، سوف يرمونني في المزبلة بعد قليل ... ثمّ قهقه قهقهة خفيفة و صمت قليلا .. ثم مدّ يده جهتي و هو يقول : لقد وصل دوري ...فوداعا يا جاري ، المسامحة يا جاري ،.. أوصيك .. أوصيك بأبنائك خيرا.. و بقي مادّا يده التي لايتحرّك منها إلا الخنصر و البنصر إليّ كي يعانقني..ما صدّقت ما أسمع و لم أعد أحس بألأرض التي تحملني.. وحدها يده الممدودة نحوي هي التي كانت تشدّني إلى الواقع. هويت عليه و الدّمع مني يتهاطل في صمت، فضمّني إليه ضمّة لن تفارقني حرارتها ما حييت ، ثمّ خضّني، و همس في أذني : إضحك يا راجل إضحك يا راجل..
خرجت خارّ القوى، مهزوم الفرائص، منهوك الأعصاب ، فاقدا مفهومي الزّمان و المكان .. سرت لخطوات أبحث عن الأنا الذي مني ضاع.. ألملم مفاصلي المبعثرة أتلمّس المكان الذي يحتويني
ملّيت النظر .. ملّيته أكثر ، لأجد الشارع قد امتلأ أكثر فأكثر... السيارات من كل الأنواع و الأحجام ، أمّا الناس فمنهم من أعرفه و منهم من لم أره قطّ . إنهم من كل الطوائف ومن كل الطبقات ..الفقراء ، الأغنياء ،التجار ، الصناع ... المسلمون و غير المسلمين ، أصحاب اللحي و الحليقون .. كلّ طوائف المجتمع أصبحت مجتمعة في الدرب
قصدت دكّان البقالة ، مطأطأ الرأس ، طلبا للسجائر.. لمّا سحبت علبتي و فتحتها أوقدت أول لفافاتي التي كدت أكملها في نفسين . خلفي كان يتحلّق جماعة من المتديّنين حول ملتح وهابي خبيث. بينما كان فمُه يشتغل مع مريديه المنتبهين إليه،كانت عيناه تصولان من فوق رؤوسهم في الشارع، و تجولانه طولا و عرضا، متراقصتين، لا تغفلان عن صغيرة و لا تفلتان كبيرة . و لسرعة حركتهما و حركة شفتيه، تخاله مذيعا يغطي أطوار مقابلة و المتحلقون حوله عمي ، يبصرون من خلاله..و أنا أجرع نفسا من سيجارتي ،إذ يسترق سمعي جملة من حديثه أفقدتني ما بقي لدي من توازن، فلم أتمالك نفسي ... لقد سمعته يقول لهم : اليوم لن ينفعه ماله و لا بنوه... فلم أدر متى قطعت حديثه و صحت في وجهه:و ما ذا نفعت النبوة رسولكم؟؟ ألم يمت نبيّك حبيب الله و صفيّه ، فلماذا تستكثر الموت في حقّ جاري؟ لا .. ألم يمت نبيك مسموما ؟!!! فماذا نفعته نبوّته ؟؟؟ ثمّ لماذا لم يرفع ربك نبيك كما رفع موسى و عيسى ؟
لم يجد الملتحي الخبيث غير ابتسامة استعراضية ماكرة هشّ بها في وجهي و قال مسترسلا كأنه شريط مسجّل : هداك الله يا أخي.. استغفر لذنبك يا فلان .. ما هذا الذي تقول ،يا أستاذ .. أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم ..! كيف لمن اختاره الله و اصطفاه و فضله على العالمين أن يموت مقتولا بالسم؟؟ كيف ؟؟.. يا راجل ... و حتى إذا ما حدث فإنه يعتبر شهيدا ، يا هذا!!و ما منكم إلا قتيل و شهيد ...! لقد مات سيّد البشر شهيدا و ليس مسموما..!! كاد الرّجل يُفَجّرني بغباءه ، و كدت أسمعه ما لا قِبَلَ له به ؛ فإذا بالصياح يعلو من دار جاري، وإذا بكاسيت القرآن يُشَغّل .. لقد فارقنا جاري لغير رجعة..نظرت إلى محدّثي ، فوجدته أبهج ممّا كان عليه ، و ابتسامته أعرض ممّا كانت عليه . فما أن التقى نظري ببصره حتى بش في وجهي قائلا و البهجة تعلوه: إنّا لله و إنّا إليه راجعون ، كأني به كمّن كان يحمل على كتفيه ثقلا فتخلّص منه بعد مكروه.!! فبادرت أخي مصمّما العزم على أن أنتزع من وجهه تلك الابتسامة الماكرة، و أسوّد يومه،و أغيظه غيظ الكفار
فقلت له
ما أجمل ميتة جاري . لقد مات سعيدا ضاحكا مستبشرا ، ودّع القريب و البعيد، الغريم و الصّديق، مات وسط أبنائه و بين أحفاده ،يحكي لهم النكت و النوادر حتى فارق الحياة. أمّا محمد سيد المرسلين فقد مات ميتة جاهلية، معذبة. سواء أمات بسم اليهودية أو بسمّ المؤامرة أو مات من الحمّى أو ذات الجنب . ففي أمر موته لا تتفقون كلكم إلا على أنه مات ميتة قاسية شديدة لا يتمنى المرء مثلها و لو لعدوّه فما بالك بنبيه,؟
فأيهما تتمنى لنفسك يا فقيه ،ميتة جاري السكير الملحد أم ميتة نبيك المختار؟
تركته و الذين معه تعصرهم سورة من الغضب يدمدمون و يحوقلون ، و رحت للمشاركة الفعلية في مراسيم تأبين جاري
على أن نتحدّث في أمر موت نبي الإسلام لاحقا
أبو قثم