الخميس، 21 يوليو 2011

بين دجال و سكير


بين دجّــال و سكران

حدثنا بعض المتكلمين، قال بعض البساتين، و ذلك عند ناجِمِ النهار، و أنا خارج الدينار(1)، و قد منع البرَّ جانبُه(2)، و صرّت (3) جناديه (4)، و اسمألَّ (5) التُّبَّع (6)، و خبَّ الآلُ و لمع، و إذا برجل في ظلّ غاطية (7)، و بين يديه باطية (8)، و هو مُلتخُّ (9) من السكر، يترنّم بأنواع الشعر، فاحتملتُ منه أشدَّ الغيظ، خوفا من حمّارة (10) القيظ، و سلّمت و جلست، فأمهلَني حتى أنَسْتُ، و اغترف غُرفةً في الكأسِ، كأنها مقياس، و تمثّل بقول الأخطل،
فأحبِبْ بها مقتولةً حين تُقتلُ
ثم صفقها حتى أدهقها (11)، و قال دونكها . فقلت أنا رجل من أصحاب الكلام و ممّن له نظر في الدين و قد حُظِرَ علينا هذا الشرابُ.فقال ما تقول في هذه الكأس ، فأجال(12) الخمرَ و الماءَ فيها و قال، أ ثابتان معا، أم بطُلَ أحدهما، أم دخل في الآخر؟!، فلا يجوز أن يبطُلَ أحدهما لأنّ هاهنا خمراً و ماءً و لا يدخل كل واحد منهما في صاحبه فيصير داخلا في نفسه و إنّما هما ثابتان و بالاختلاط وقع التغيير و الاستحالة. و لا كَوْنَ و لا فسادَ إلا باستحالة. و الطبيعة اثنتان:اِحداهما مستعلية على الكون و الفساد، و الأخرى معرّضة الأجزاء لذلك، و الإنسان مركّب منها و هو يحْيى بالنفس النامية و ينتقل بالنفس المتحرّكة و يعلم بالنفس المميّزَة. و النفسُ في الأجسام بمنزلة الصورة في الهيولى(13)، و هي المحرّكة للأجسام،  و هذه الخمرة مُحرّكةٌ للنّفْسِ، و هي قِبْسُ لكلّ قنْسٍ(14)
جُهْميَّةُ الأوصافِ إلآّ أنَهم ........قد لقَّّبوها جوهَرَ الأشياء
ثُمّ شرِب كأسه، و عاود وسواسه؛ فقال، و الحركةُ أوّلُ كوْنٍ طبيعيّ، و لها معنيان: الشوق و الفعل. و أخذ في بسط ذلك و نشره، و شرحه و فَسْرِهِ، و الكلام في المعاني الكيفية، و الأسماء القاطاغورسيائية (نسبة إلى بيتاغور)، ثم قال ما أحسن قولَ الفاضلِ أرسطوطاليس أنه لمّا لم يكن للإنسان أن يبقى بشخصه اشتاق إلى أن يبقى بصورته و ذكر ما يقتضيه هذا القولُ، ثمّ لم يقنع بالكناية و الالباس حتى أنشد قول أبي نواس:
باح لساني بمًضمَرِ السِّرِّ...........و ذاك أنّي أقول بالدّهر
و ليس بعد الممات مُنْبَعَثٌ.......و إنما الموت بيضة العقر
فراعني ما انتهى إليه من مذهبه، و ساءني ما رأيت من سوء مُنقلبه، و قد استولت منه الخمر على العقل، فقلت، يا هذا إياك و الضلال، و الأخذَ في زخارف المحال !، و ما الذي تنكر له أمر المعاد، و يـَبعثُك على فساد الاعتقاد و الالحاد، أم أجّلَ المصيرُ إلى البِلى، و تفرُّقُ الأجزاء في الثرى، أوَ ليس الحيّةُ لا تنبُتْ إلاّ بعد العفن و الاضمحلال، و البيضةُ لا تفرخ إلاّ بعد الفساد و الانفعال، و تلوتُ عليه: و آية لهم الارض الميتة أحييناها و أخرجنا منها حبا فمنه يأكلون إلى قوله ..و القمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. فاعترض مبادرا، و قال : ما معنى قوله، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، و في كل محاق، يقع الادراك و اللحاقُ، ثمّ في الكسوفِ الشمسيُّ، يكون الادراك الحقيقيُّ.قلت هيهات و أنّى لهم التناوُسُ من مكان بعيد.حفِظْتَ شيْئا و غابتْ عنك أشياءُ.إنما الشمس لا تدرك القمر بفلكها و إنما هو بسرعة سيره يدركها و ذلك بمشاهدة الناظرين( و قَُطع دابرُ القومِ الذين ظلموا و قيل الحمد لله رب العالمين).فقال: على رسلك، فما معنى قوله: و لا الليل سابق النهارَ. و ما الدليل على اختصاص النهار بالسبق.قلت المراد أنه لا يذهب أحدهما بمعنى صاحبه و لا يزول......فكأنه قال لا الليل سابق النهار و لا النهار سابق الليل، و نابت اِحدى الجملتين  عن الأخرى. و هذا مذهب من مذاهب العرب في كلامهم الذي نزل به القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. أمّا أن السبق من النهار واقع فلأن الله لما خلق الشمس أوجد النهار بوجودها و لم يكن الزمان قبلها يسمى ليلا،فلمّا وقع الانحياز و التميُّزُ بها كان النهار و الليل. و استحقّ النهار السبق لأن الدليل منه،قال الله سبحانه و تعالى: أ لم تر إلى ربك كيف مدّ الظّلّ و لو شاء   لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا..فقال دعني من خرافات المتكلمين و أقاويل المشرعين و لم يزل يعَنّيني كفره، حتى مال به سكره.........
ابن ناقيا
ملاحظة
كلما أراد المتكلمون أن ينشروا حكمة أو يقولوا شيئا معقولا ساقوهما على لسان السكارى أو الحمقى؟؟فهل هذا يعني أنه لا يقول الحكمة و المعقول إلا السكران أو الأحمق؟؟ و إذا كان السكران أو الأحمق حكيما عاقلا في عرف المتكلمين و فقهاء الدين فهل كل حكيم هو بالضرورة سكران أحمق؟؟؟و إذا كان الأمر كذلك فهل يكون تحريم الله الخمر من باب إطال الحكمة؟ و ما دامت هناك علاقة بينهما و أن أحدهما يزول بزوال صاحبه فهل يمكن إرجاع غباء العرب و فقد الحكمة عندهم إلى امتناعهم عن شرب الخمر و انتفائها من أرضهم؟ بمعنى أن أرضا لا خمر فيها إذا لا حكمة؟؟؟أمّا إذا أقررنا مع المقرّين بعبقرية الرسول و حكمته و سلّمنا مع المسلّمين بأن الرسول كان عاقلا عبقريا لا ينطق إلا الحكمة فهل هذا يعني أن الرسول هو الآخر كان سكيرا عربيدا كلما أخذ منه الخمر مأخذه نطق كالهذيان و جاء بأفانين البديع و حُلل البيان؟؟؟؟

1 ـ لعلّه اسم بلد
2 ـ يعني به توسط النهار و اشتداد حرارته
3 ـ صوّتت
4 ـ ضرب من الجراد
5 ـ قصُر و ارتفع
6 ـ الظّـلّ
7 ـ كرْم
8 ـ قدح
9 ـ مختلط العقل
10 ـ شدّة
11 ـ يعني ملأها عن آخرها
12 ـ فأفرغ
13 ـ هي رأس الطبائع عند الفلاسفة
14 ـ يعني أصل الأصول

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

ابو قثم العليم العظيم

جميل ماكتبتة ياشيخ التنويريين

اتمنى ان تكون بخير انت والاصدقاء في منتدى الراوندي

محبك الوافي