السبت، 1 أغسطس 2009

ثـورة أهل الجحيم جميل صدقي الزهاوي


توج الشاعر والفيلسوف الحكيم جميل صدقي الزهــاوي مسيرته الإبداعية في عالم الشعر و الفلسفة بملحمتــه الشعرية الخالدة

(ثـورة أهل الجحيم)

إنها ملهـاة حوارية شعرية خيـالية فلسفية واجتمـاعية ألفهــا وهو في بداية عقده السابع عـام 1929 يقـاوم بعنفوانه ملامح الشيخوخة التي داهمته والمرض وتباشير العجز بالمزيد من المرح وروح الفكــاهة والمجون، يعرض فيهـا رؤاه وفلسفتـه ونظرته للحيـاة وأدبهـا والنـاس ومعتقداتهم من خـلال سجـل زيـارته للجحيــم والنعيــم على طريقة أبي العـلاء المعـري في (رســالة الغفـران) و دانتـي في (الكوميديـا الإلهيـة)..

لقـد أراد الزهــاوي، كمـا يقـول الأستـاذ أمين الريحــاني، أن "يشعل أنوار العقـل والعـدل والحب الإنسـاني على شواطئ الشك والتهكــم".. و(ثـورة جهنميـة)، وإن كانت تشبه إلى حـد مـا رسـالة المعري أو كوميديا دانتي الإلهيــة أو الزوابـع والتـوابع لابن شهيــد الأندلسـي فإن لهــا خصوصيتها وشخصيتهــا المستقلة في التصوير والحوار والمرتكزات ارتباطـاً مع خصوصية المعايير وحدودهـا، فالمعنيون بالمكان وبالخطوات والجولات مسلمون يحاورهم ويحـاكمهم مـلائكة مسلمـون..

وملحمة الزهـاوي هذه هي "أنفس أعماله وأحقهــا بطـول البقـاء" كمـا يقول أمين الريحــاني.. وتستحق أن تخصص لهـا الدراسـات، فليس من السهل أو العـدل استعراض كافة جوانبهـا في عمــل غير مستقـل..

واختصاراً.. تبـدأ رحـلة الزهـاوي لحظة إيداعه في القبــر

:

بعد أن مت واحتــــــــواني الحفيــــر

جاءنــــي منــــكر وجـــــاء نكيــــــر

ملكان اسطاعا الظهـور ولا أدري لماذا وكيف كان الظهور

لهما وجهان ابتنت فيهما الشرَّةُ عـِشـَّا ً كــلاهما قمطريـــر

ولكل ٍ أنفٌ غليــــــــــــــظ ٌ طويــــــل

هو كالقـــــــــرن بالنطــــــــاح جدير

وفم ٌ مهروس ٌ يضاهي فم الليث يريني نابا ً هو العنقريــر

وبأيديهمـا أفــــــــــــاع ٍ غـــــــــلاظ ٌ

تتلوى مخيـــــــــفة وتــــــــــــــــدور

وإلى العيــــون ترسل نــــــــــــــــاراً

شرها من وميـــــضها مستديـــــــــر

كنت في رقــــــدة ٍبقبــري إلـــــى أن

أيقظـــــــــاني منها وعـــــاد الشعور

فبدا القبــــر ضيقــــــــاً ذا وخــــــوم

ما به للهواء خــــرم صغيــــــــــــــر

إن تحت الأرض إلا قليـــــــــــــــــــلاً

منــزل المرء ذي الطمــوح الأخيـــر

ألمـــن ْ خــاب حفــرة ٌ ذاتُ ضيــــق ٍ

ولمـــــــن فاز روضـــــــة ٌ وغديـــر

أتيا للسؤال فظّيــــن حيث الميـْتُ بعد استيقاظه مذعــــور

عن أمور كثيرة قد أتـاها يوم كـان في الأرض حيا ً يسيـر

نظـــرة ٌ صيــــحة ٌ ثـم حـــــــــــــوارٌ

بيـن أقساهمـــــــــا وبيني يــــــــدور

واقفــــا ً لي كأنمــــــــا هو نســـــــرٌ

وكأني أمـــــــــامه عصــــــــــــــفور

خار عزمــــي ولــــــم أكـــن أتظــنَّى

أن عزميَ يومـــــاً لشيء يخــــــــور

ولقد كنت في البداية أشحى مثلمـا يشحى للخشاة الذًَّعور

ثــم إنــي ملكـت نفسي كأنــــي لست

أخشى شيئـــا ً وإنــــــــي جســــــور

مظهـــرا ً أنــي كنت أحمـل نفْســــــاً

لـم يكـــن للشــكوك فيها خطــــــــور

غير أني صدعت بالحق في الآخر حتى التأثتْ عليَّ الأمور

في الأديـب الحـــر ِّ النفـــاق ذميـــــمٌ

وهـــو ما لا يرضاه منـــي الضميـــر

فألمَّت ْ بي َ الرزية ُ حتى ضجرتْ من ضجيج قبري القبـور

قال مـن أنـت وهو ينظــــر شـــــزراً

قلت شيــخ ٌ فـي لحــــــده مقبــــــور

قال مــــاذا أتيت إذ كنــــت حيـــــــَّاً

قلت كــــــــلُّ الذي أتيــــت حقيـــــــر

ليس في أعمالي التي كنت آتيها على وجه الأرض أمر خطير

قال في أي ٍّ من ضروب الصنـاعـــــــات تخصصت إنهن كثير

قلت مارست الشعـر أرعى به الحـق َّ وقـد لا يفوتني التصوير

قال مـا دينـك الذي كنت فـي الـدنـيا عليـــه وأنـت شيخ ٌ كبيـر

قلــت كان الإســـــــــلام دينيَ فيــــها

وهــو ديـن ٌ بالاحتـــــــــرام جـديـــر

قـال مــن ذا الـذي عبـــدتَ فقلــــــت

اللهَ ربــــــي وهو السميـع البصيــــر

قــال مـا ذا كانت حيــــــــاتك قبـــــلاً

يوم أنت الحرُّ الطليــــــق الغريـــــر

قلـــت لا تســـألنـْي عـن حيـــــــــــاة

لم يكــن في غضــونها لي حبــــــور

كنت عبــداً مسيــَّـراً غيــــــرَ حــــــرٍّ

لا خيـــــــارَ لـــه ولا تخـييـــــــــــــر

مـا حبــوني شيئا ً من الحـول والقـدرة حتى أديـرَ ما لا يـدور

كان خيرا ً مني الحجــــــــارة تثــوى

حيـث لا آمــــرٌ ولا مـأمـــــــــــــــور

قـال هـلا كسبـت غيــــــــر المعاصي

قلت إن لم أكسب ْ فـربــي غفـــــــور

كـان إثمـي َ أنـــي إذا سـألــــــــــوني

لــم أقــل مـا يقـــــولـه الجمهـــــــور

إنهـــم مـن أوهـامهــم فـي إســـــــار

ولقــــد لا يـرضيهـم التحــريــــــــــر

وإذا لـم يكــن هنــــــــــــــــالـك رأي ٌ

لـي َ أفضـي بـه فـــــــــــلا أستعيــــر

رب أمـر يقول فـــي شأنه العقــــل نقيض الذي يقـول الضمير

ثمـــرات الأحــراث لا تتســــــــــاوى

هـــــذه حنـطةٌ وهـــذا شعيـــــــــــــر

وقشـــور ٌ ومـا هنــــاك لبــــــــــاب ٌ

ولبـــــــــاب ٌ ومـا هنـــاك قشـــــــور

يتــــبع الجـــاهل الهــوى أخــــــــــاه

مثلمـا يتبــع الضريـر َ الضريـــــــــر

قال هـل صـدَّقـت النبييــن فيمــــــــــا

بلـَّغـــوه ولـم يعقــْـك الغــــــــــــرور

والكتـاب َ الذي مـن الله قـد جـاء فـأدلـى بـه البشيــر النـذيــر

قلـت فـي خشيـــة بـلـى وفـــــــؤادي

مــن شعـاع بـــه يكــــاد يطيـــــــــــر

إنه منـزل ٌ مـن الله يهدي الناس طـرا ً فهـو السـراج المنيـر

قـال هـل كنـت للصــــلاة مقيمــــــــا ً

قلـــت عنهـا مـا أن عراني فتـــــــور

إنمـــا فـي اقتنـاء حــــور حســــــان

بصــــــلاة ٍ تجـــارة ٌ لا تبـــــــــــــور

قال هـل صمت الشهر من رمضـــان

قلـــت قد صمتـه وطاب الفطــــــــور

قـــال هـل كنـت للزكاة بمــــــــــــؤتٍ

قلـــت ما كـــان لـي بهـا تأخيـــــــــر

قـــال والحج ُّ مــا جوابــك فيــــــــــه

قلـــت قد كان لي بحجي ســــــــرور

قـــال هـــل كنـت للجهــــاد خفيفــــا ً

قلــــت إنـي لبـالجهـاد فخــــــــــــور

قـــال هـل كنـت قـائـلا ً بنشــــــــور

قلـــت ربي على النشـور قديــــــــــر

فــــإذا شـــاء للعبــــاد نشـــــــــــوراً

فمــــن السهـل أن يكـون نشــــــــور

قـال مـاذا تقـول في الحشــر والميـزان ثـم الحسـاب وهـو عسيــر

والســؤال الدقيـق عـن كــل شــــيء

والصـراط الذي عليــــه العبـــــــــور

والجنان التي بها العسـل المـاذيُّ قــد صفــُّـوه وفيهـــــا الحـــــور

وبهـــا البــــــان تفيــــضُ ولهـــــــوٌ

وأبــــــاريـــقُ ثـــــرَّةٌ وخمــــــــــور

وبهـا رمـَّـــانٌ ونخــلٌ وأعنــــــــــابٌ

وطــلحٌ تشــــدو عليــه الطيـــــــــور

ليس فيهــــا أذىً ولا مـوبقــــــــــاتٌ

ليس فيهـــا شمسٌ ولا زمهـريـــــــر

والجحيـــم التي بهـا النـار تذكــــــــو

فـــي دهــــور وراءهــنَّ دهـــــــــور

إنمـــا المهـلُ مـاؤهـا فهــو يغلــــــي

والهـــواء الذي يهـبُّ الحــــــــــرور

تلك فيهـــا للمجرميــــن عــــــــــذابٌ

تلك فيهــــا للكـافريــــــن سعيــــــــر

إن مـَن كـــــان كــافراً فهـو فيهــــــا

وإن اعتـــــاد أن يبـرَّ خسيـــــــــــــر

هــو فـي نـارهـا الشديــدة حــــــــــرَّانُ وفـي زمهــريرهــا مقرور

ويستمر الإستجواب الذي يتناوب فيه الملكـان بطرح الكثير من الأسئلة في جميـع مواضيع وفرائض الديــن وشروطه بـدءاً بالشهـادة والصلاة والصوم والزكــاة والحج وانتقــالاً إلى العقيدة والإيمـان بكل مــا جــاءت به رسـالة السمـاء.. وإذ أثقـــل الملكــان على الميت بالأسئلـة العديـدة المتتاليـة قــال:

قلـت مهـــلاً يـا أيهــا المـلك الملحــَّــف مهــــــلاً فإن هـــذا كثيـــر

كـان إيمانيْ فـي شبــابيَ جمـَّــــــــــاً

مــــا بـه نـــــذرة ولا تقصيــــــــــــر

غيـــر أن الشكـوك هبـَّت تــلاحقنـي فلــم يستقــر منـي الشعــــور

ثـم عـــاد الإيمــــــــــان إلـــــــــى أن

سـلـَّه الشيطاـن الرجيـم الغــــــــرور

ثـم آمنت ثـم ألحـــدت حتـــــــــــــــى

قيــل هــــــذا مـذبــذبٌ ممــــــــــرور

ثــم دافعـت عنـه بعـد يقيـــــــــــــــن

مثلمــــــــا يـدافـع الكمـيُّ الجســــور

وتعمـَّقـْـتُ في العقائــــــد حتــــــــــى

قيـــــل هــــــــذا عــلاّمــةٌ نحريــــــر

ثـم أني في الوقت هـذا لخــــــــــوفي

لست أدري مــــاذا اعتقــادي الأخيـر

ويتــابع الملكــان مهمتهمــا دون اكتـراث لخوف الميت وارتجــافه وترقبــه:

قـــال ماذا رأيت فـي الجــن قبـــــــلاً

ومن الجــــــــــن صــالح شريــــــــر

ثم في جبـريــلَ الذي هـو بيـــــن الله

ذي العـرش والرســــول سفيـــــــــر

ثـم في الأبـرار المـلائـك حـول العــرش والعرش قــد زهـاه النـور

فتـدوي السمــاء فـي السمـع مــن تسبيحهــم مثلمــا يدوي القفيـر

ثـم في الخنـاس الذي ليـس من ســواه في الحيـاة تخلـو الصــدور

والعفـــاريت ذاهبيـــن عـــــــــــــراةً

تجفــل الوحشُ منهـمُ والطيـــــــــور

والشيــاطيـن مفسـديــــن بهــم قــــد

ضـلَّ نـاسٌ هـمُ الفريــق الكبيـــــــــر

قلـت لله مـا فـي السمــــاوات والأرض ومـا بينهــن خلـق كثيـــــر

غيــر أنيَ أرتـاب فـي كـل ما قــــــــد

عجـــز العقـــل عنه والتفكيــــــــــــر

لم يكن في الكتـاب من خطــأ كـــــــلا

ولكـــــــــنْ أخطــــأ التفسيــــــــــــر

ويحين وقت السؤال عن المــرأة والحجــاب

:

قـال هــل في السفـور نفـــع يـُرَجـَّـى

قلت خير من الحجاب السفـــــــــــور

إنمـا في الحجــــــاب شــــــلٌ لشعـب

وخفـــــاءٌ وفي السفــور ظهــــــــور

كيـف يسمـو إلى الحضـارة شعـــــبٌ

منه نصــــــف عن نصفـه مستــــور

ليـس يأتيَ شعبٌ جـــلائــلَ مـالـــــــم

تـتـقـــدم إنــــــأثـه والذكــــــــــــــور

إن فـي رونـــق النهــــار لنــاســــــاً

لم يـُزلْ عن عيـونهـا الديجــــــــــور

لعــل مـا جاء في هذه الأبيات القليلة من أكثر مـا قاله الزهاوي قوة وصراحة وإصـراراً على إرجـاع ضعف المجتمــع وتخلفــه إلى مسألة الموقف من المرأة لكونها جاءت في مواجهـة صريحـة مع ممثلين لثقـافة أحدُ أهم عنـاوينهــا عزلُ المـرأة عن المجتمـع والحط من قيمتهـا ودورهـا في الحيـاة.. فالميت في قبـره وأمـام التحقيق لـم يستطع المراوغة وإخفـاء قناعته بأن الموقف من المرأة يمثل الحـد الفـاصل بين من يريد لوطنه التحضر ولمجتمعه التطـور وبين أولئك الذيــن ما زال الديجـور يغطي عيــونهم ويعمي أبصـارهم..

وجوابـاً على سؤاله حول الإيمـان بالله يجيب الميت رابطـاً الله بالكـون الفسيـح وبالطبيعة.. ولكنــه يؤكـد في نفس الوقت شكــه وحيرتـه:

قـال مـــاذا هـو الله فهـل أنــــــــــــت

مجيــــــبـي كمــا يجيـب الخبيـــــــــر

قلــت إن الإلــه فوق منــال العقــــل منــا وهــو العزيــز الكبيـــــر

إنمــا هذه الطبيعــة ذات اللاتنـــــــــــــــاهي كتــــابه المسطـــــور

إنهـــا للإلــــــــــه سفـــرٌ قديــــــــــمٌ

ذو فصــــــول والكـائنات سطـــــــور

ولقـد قـال واصفـــــوه هـو العــــــالم هنـــا بمـــا تكــن الصــــدور

إنه فـي الجبال والبــر والبـــــــــــحر

مــن الأرض والسمــــاوات نـــــــور

فله الأرض مـا لها مـن سكــــــــــون

والسمـاوات مـا بهــنّ فطـــــــــــــور

كـــل حـيٍّ بــه يعيـــــش ويـــــــردى

ليس إلا كمـــــا أراد الأمــــــــــــــور

إنــه واهب الوجــــــــود فلـــــــــولاه لمـــا كــان للوجــود ظهــور

إنـه واجـب الوجـــــود فقـد كــــــــان

ولا عـــــــــالمٌ ولا دستـــــــــــــــــور

عرشـه فـي السماء وهـو عليـــــــــه

مستـــوٍ مـــا لأمـــره تغييـــــــــــــــر

وهــو يهتـــز للمعــاصي كمــــــــــــا

يهتــز في زرقة الصباح السريـــــــر

وهــو إن قال كــنْ لشــيء سيكـون الشـيءُ من فـوره فـلا تـأخيـر

إن هــذا مــا قــد تلقنتـــــــه والقلــــب مـن شكـه يكــاد يخــــــور

قلــتُ مـا قلــتُ ثــم إنـــــــــــــــــك لا

تـدري أحــــــــقٌ مـا قلتــــــه أم زور

وأرى فــي الصفــــات مـا هــــــو لله

تعــــــالت شـؤونــه تصغيــــــــــــــر

ما عقـابي من بعـد ما صـح نقـــــــلاً

إن مــا قـد أتيتــــــــه مقـــــــــــــدور

ليـس في مـا جئتــه مـــــــــن خيـــار

إننـــي فـي جميعــه مجبـــــــــــــــور

وإذا كـان منـه كفـري وإيمانــــــــــي

فــإن الجــزاء شـيء ٌ نكيـــــــــــــــر

أللهـْـــــوٍ والله ليـس بــــــــــــــــــلاهٍ

أم لجـورٍ والله ليــس يجـــــــــــــــور

أمـن الحــق خـلــــقُ إبليـس وهـــــو

المستبــــــد المضــــلـِّل الشريــــــــر

إنــه يلـقي فـي النفـوس شكــــــــوكاً

ذاتَ أظفــــارٍ نـزْعُهــن عسيــــــــــر

إنما في الدارين عسـفٌ وحيــــــــفٌ

غير أن السمـاء ليست تمــــــــــــور

فلنـــاسٍ تعـاســــةٌ وشقــــــــــــــــاءٌ

ولنــــــاسٍ سعــــادةٌ وحبـــــــــــــور

قــــال مـا ذاتــــه فقلــتُ مجيبـــــــــاً

بلســان قـد خــــــانه التفكيـــــــــــــر

إنني لا أدري مـن الذات شيئـــــــــــاً

فلقــد أُسـْدِلتْ عليهـا الستــــــــــــور

إنمـــا علمـيَ كلـــــُّـــه هــو أن الله حـــــــــــــيٌ وأنـــــه لا يبـــور

مـــا لكـــل الأكـــــوان إلا إلــــــــــــهٌ

واحــد لا يـزول وهو الأثيـــــــــــــــر

ليـس بيـن الأثيــر والله فـــــــــــــرقٌ

في سوى اللفظ إن هداك الشعــــــور

وبحسبـــي إني صـدعتُ بمــــــا أدري علــى علمــي أنـه سيضيـر

ويحتـد الحــوار بين الميت والملكيــن فيعبّـر عن غيظــه واحتجــاجه

:

وإذا لـــم أردْ لأبســطََ رأيـــــــــــــــي

فــي جـوابــي فإننــي معــــــــــــذور

أمن السهـــل أن أغيــــرَ قلبــــــــــي

بعـد ما فـي فؤاديَ بــان القثيـــــــــر

قـــال إنــي أرى بخـدك تصعيــــــــراً

فهـــل أنـــت يزدهيـــك الغـــــــــرور

قلــت مـن مـات لا يصعـــر خــــــــداً

ليـس بـالمـوتى يُخــلق التصعيـــــــر

إنـــني أخشى الظـــالمين فـلا أفتـــي

إليــــهم بمـا بـرأســـي يـــــــــــــدور

أي ذي مشكــة يقــــــول صريحــــــاً

وعليـــــه سيـــــف الأذى مشهــــور

لا تكــونـا علـي فظّيــــن فـي قبـــــــــري فإنيَ شيخ بعطـف جديـر

إن قول الحـق الصـراح على الأحـــــــرار حتى في قبرهم محظور

فدعاني فـي حفرتـي مستريحــــــــــاً

أنـــا من ضـوضــاء الحياة نفـــــــور

أتعبتنــي الأيــام إذ كنــت حيــــــــــــاً

وأنــا اليوم للسكـــــــون فقيـــــــــــر

اتــركـاني وحـدي ولا تــزعجــــــاني

بزيـــارات مـــا بهــنَّ ســـــــــــــرور

اتركـــــاني ولا تزيــدا عنـــائـــــــي

بســــــؤال فإنـــني مـــوتـــــــــــــور

لــم تـُصـَـنْ مـن جرأة المستبـــديـــن على الهالكين حتى القبور؟؟

كيـــف أفضيتمـــــــــــا إلي َّ بقبـــري

وعليــــــه جنـــــادلٌ وصخــــــــــور

قلــت لمــا هبطتُ أعمـــاقَ قبـــــري

ليس خيـراً من البطـون الظهـــــــور

فـــإذا القبــــر ضيـق ٌ بذويــــــــــــه

وإذا القبـر فيــه كــربٌ كثيــــــــــــــر

إنمـــا الدائــــرات فـي كـــل وقـــــت

ومكـان علـى الضعيــف تـــــــــــدور

قال هـــذا هـو الهـــــــــراء ومــا أن

لاحتجــــــــاج تلغـــو بـه تأثيــــــــــر

قلـت فـي غصـــة إذن فـاصنعــا بـي

مـــا تريـدانـه فإنــــــي أسيــــــــــــر

عــذبــانــي هنــــــــا إذا شئتمـــــا أو

ألقيـــاني في النــــــار وهـي تثــــور

كنت لا أدري يـــوم كنـت علــــىالأرض طليقـاً أن الحيــاة تــــدور

وســـأمشي إلى جهنـــم مـدفوعــــاً

وخلفــي كـالسيــل جمــعٌ غفيـــــــــر

إنمـــا سألتـمــاني عن أمــــــــــــور

هي ليست تغني وليست تضيــــــــــر

ولمــاذا لم تســــألا عن ضميــــــري

والفتـى من يعـفُّ منه الضميــــــــــر

ولمــاذا لم تســــألا عن جهــــــــادي

في سبيل الحقــوق وهو شهيـــــــــر

ولمــاذا لم تســــألا عن زيـــــــــادي

عـن بـلادي أيام عــزَ النصيـــــــــــر

ولمــاذا لم تســــألا عن وفــــــــــائي

ووفـــائي لمـن صحبت كثيـــــــــــــر

ولمــاذا لم تســــألا عن مســاعي لإبطــال الشــر وهــو خطيــــــر

عـن دفــــاعي عن النســـاء عليهــن من الشقــوة الرجالُ تجـــور

وســلاني عما نظمـت من الشعــــــر فبـالشعــور يرتقي الجمهـور

وســلاني عـن نصــريَ الحـق وثـاباً

بـــه وهـو بالســؤال جديــــــــــــــــر

إنمـــا الشعر ســـلَّم ٌ للمعــالـــــــــــي

ثم فيـــه لأمــَّـــــــــة تحــريــــــــــــر

إنـــه تـارة لقـــــوم غنــــــــــــــــــاءٌ

لينــــاموا وتــــارة تحذيـــــــــــــــــر

وســلاني عن جعليَ الصدقَ كالصخر أســاساً تبنى عليه الأمـــور

إنمــا الصــدق فاسألانـــي عنـــــــــه

خيـر مـا تنطــوي عليــه الصـــــدور

وســلاني عـن حفظــيَ الفــن من أن

يعتــــريه قبــل التمـــام الدثــــــــــور

أسكــــوتٌ عن كـل مـــــا هــو حـــقٌ

وسـؤالٌ عن كل ما هــــــــــو زور؟!

قـــال كـل الذي عرضــت علينـــــــــا

أيهـــا الشيــخ الـهم شيءٌ حقيـــــــر

نحـــن لسنـا بســائليــن ســـوى مـــا

كـان حـول الديــن المبيـــــــن يــدور

فإفـدنـا إذا ما كنت ذا صلة بالديــــن

واذكـــر مـــــــاذا هـــو التقديـــــــــر

ثـم زد ما تقــول في جبـــــل القـــاف

أحـــقٌ فحـــــــــواه أم أسطــــــــــور

جبـــلٌ مـن زمـــرد نصــف أهلـــــــه

ذوو إيمـــان ونصــف كفــــــــــــــور

جبـــلٌ إن أرسلـت طرفـــا ًإليــــــــــه

رجـع الطــرف عنـــه وهـو حسيــــر

وبيــأجوج ثـم مأجـــــوج والســـــــد

وإنكــــار كــل هــذا غــــــــــــــــرور

وبهـــاروت ثــم مــاروت والســــحر

الذي أُســْـدلــــــتْ عليـــه الســــــور

قلـــــت مــالي بكـل ذلــك عـــــــــــلم

فبجحـــدي عقلــي علــيَّ يشيـــــــــر

كنت حيــــاً فمتُّ والمـــوتُ حــــــــقٌ

شــاهدات بمـــا هنــــــــاك القبـــــور

كنت فـوق التـــراب بالأمس أمشــي

وأنــــا اليــوم تحتـــه مقبـــــــــــــور

إنمـــا المــوتُ وهــو لا بـــدَّ منــــــه

سنـــــَّة ُ الله مــا لهـــا تغييـــــــــــــر

قـــال دعْ عنـــك ذا وقــــل لــيَ مَـــنْ

ربـُّك قبــل أن يســـوء المصيـــــــــر

قلــت أمْهلنـــي في الجـواب رويــــداً

إننــــي الآن خــائــفٌ مــــذعـــــــور

لا تكـــنْ قـاسيــــاً عليَّ كثيــــــــــــراً

أنـــا شيــخٌ مهـــــدَّمٌ مــأطـــــــــــور

كـــان ظنــِّـي أنَّ الأثيـــر هو الــــرب

كريمـــاً يمــدُّنـــــي ويجيــــــــــــــــر

لــم تــزلْ لـــــي ذات العقيـــدة حتــى

حـال من هول القبــر فــيَّ الشعــــور

إنــك اليـوم أنـت وحــدك ربـــــــــــي

بــك أحيـــا في حفرتــــي وأبــــــــور

إنــك الجبـــار الذي ســـوف تبقـــــى

تحـت سلطـــانك العظيـــم القبــــــور

وهنــــا ينهـي الملكــان التحقيـق ويصــلان إلى الإستنتــاج الخطيـــر

:

قال ما أنــت أيـــــُّـها الـــــــرجْس إلا

مـلحدٌ قد ضـلَّ السبيـــل كفـــــــــــور

مـا جــــــــــزاء الذين كـُفـِّـــــروا إلا عـــذابٌ بـــرْحٌ وإلا سعيــــر

ثـم تـــلاني َ للجبيـــــــن وقـــــــــــالا

لــيَ ذقْ أنت الفيلسـوف الكبيـــــــــر

قلت صفحـــاً فكــل فلسفتـــــــي قـــد

كان ممـا يمليــه عقلـــي الصغيــــــر

ثـم قــولي مـن بعدهـــا "أنت ربـي"

هـو منـــي حمــــــــــاقة وقصــــــور

لـم تكـــن أقـوالـــــي الجـــريئــــة إلا

نفثــــات يرمي بهـــا المصـــــــــدور

قـد أســـأت التعبيـــر فاللـــــه ربـــي

مـــاله في كــل الوجــود نظيــــــــــر

فــأجــاباني قـائليـــن بصــــــــــــوت

لا يســــر الأسمـــاع منــه الهديـــــر

قـُضي الأمــر فاستعــــد لضــــــــرب

منه تدمى بعـد البطــون الظهـــــــور

لا يفيـــد الإيمــــان مـن بعــد كفـــــر

وكـــذا جــد الطـائشيـــن عثـــــــــور

وتبدأ رحـلة العقــاب والعذاب

:

وأمضاني بالمقــامع ضربـــــــــــــــاً

كدت منه في أرض قبري أغــــــــور

لـــم يكن فيهمـــا يثيــــــر حنـــــــانـاً

جســـدٌ لـيَ دامٍ ودمــــعٌ غــــزيــــــر

ولقــد صحـــت للمضـــاضة أبغـــــي

لــي مجيـــراً وأيـن منــي المجيـــــر

ثـم صــبّا بقســـوة فــوق رأســــــي

قطــرانــــاً لســــــــوء حظـي يفـــور

فشـوى رأسي ثـم وجهي حتــــــــــى

بــان مثــل المجــدور فيـه بثــــــــور

ثــم أحسست أن رأســـي يغلــــــــــي

مثلمـــــا تغلـي بالوقــود القــــــــدور

وقـد اشتـدت الحــرارة في قبــــــريَ

حتـــى كـــأنـــــــــــه تنــــــــــــــــور

وأطـــــــالا فـي عــذابـي إلـــــــى أن

غـاب وعيي وزال عني الشعـــــور

ثــم لمــا انتبهــت ألفيـــت أنــــــــــي

مــوثقٌ من يـــدي وحبــلي مريــــــر

وإمعــانـاً في إذلال الميت وقهـره يذهب الملكــان به إلى الجنـة كي يشــاهد نعيمهــا فتزداد حسرته وندمـه في جهنــم:

ثم طارا بي في الفضاء إلى الجنـــــة

حتى يغــرى بلومي الضميــــــــــــر

وأســـــــرَّا في أذن رضــوانَ شيئـــاً

فــأباح الجــــواز وهـــــــو عسيـــــر

لمسـت إذ دخلتهــا الوجـهَ منـــــــــي

نفحــــــــةً فـــاح عطرها والعبيــــــر

أخذتنـــي منهــا المشــاهد حتــــــــى

خـلـْت أنيَ سكـــــــرانُ أو مسحـــور

جنة عرضها السمــــــاوات والأرض

بهــــا من شتـى النعيـــــم الكثيـــــــر

فطعــــــــــامٌ للآكليـــــــــــن لذيـــــــذٌ

وشـــرابٌ للشـاربيـــن طهــــــــــور

سمــكٌ مقـْلـــيٌ وطيــــــر شــــــــويٌ

ولـذيـــــذ من الشــواء الطيــــــــــور

وبهــا بعـــد ذلكـــــمْ ثمــــــــــــــراتٌ

وكـؤوسٌ مليئـــــــة وخمـــــــــــــور

وبهــا دوحــة ٌ يـُقال لهــا الطوبـــــى

لهــا ظــلٌ حيث ســــرتَ يسيـــــــــر

تـتـدلــى غصــونهـا فــــــــوق أرض

عرضـُها من كـل النــواحي شهــــور

وجـرت تحتهــا مـن العســـل المشتــار أنهـارٌ مـا عليهـــا خفيــر

ومــن الخمـرة العتيـــــقة أخـــــــرى

طعمهــــا الزنجبيـــل والكافــــــــــور

ومــن الألبــان اللذيـــذة مــا يشربـه خلـــقٌ وهـو بعــــد غـزيـــر

ثـم للسلسبيــــل يطفــح والتسنيــــــم

مــــاءٌ يجـــــري بــه التفجيــــــــــــر

وجميـــع الحصبـــاء درٌ ويـــاقوتٌ ومـــاسٌ شعـــاعه مستطيـــر

كـــل مـا يرغبــون لهــم حــــــــــلال

كـــل مـا يشتهـــــــــــونـه ميســــور

وعلــى أرضهـــا ذرابـي َ قــد بثـــت حســـــــانـاً كأنهـن زهــــور

وعليهــــا أســــرَّةٌ وفـــــــــــــــراش

مثلمــا يهـوى المؤمنــون وثيــــــــر

وعـلى تلكـــم الأســــــــــرة حــــــورٌ

فـي حلـــي لهـــا ونعـــــــــمَ الحـــور

ليس يخشيـن فـي المجانة عــــــــاراً

وإن اهتـــزَّ تحتهـــــــنَّ الســـريــــر

كل مــن صـلَّى قـائمــاً وتـزكَّــــــــــى

فمـــن الحـــور حظـــُّـــــه مـوفــــور

ولقــد يعطـــى المـرء سبعيــن حــوراءَ عليهـن سندسٌ وحريـــر

يتهــاديــن كـالجـُمـــان حســــــــــانـاً

فـوق صــــرح كأنـــــه البلــــــــــور

حبـــذا أجيـــادٌ تـَـلِعـْـنَ وأنظـــــــارٌ بهــا كـل ُّ مُبصــــر مسحـــور

وخصـــورٌ بهــا ضمــورٌ وأعجـــازٌ ثقـــالٌ تعيــا بهـن الخصـــور

وكـــأن الـوالــدان حيـن يطــوفــون على القـــوم لـؤلـؤ منثــــور

إئـــــْتِ ما شِئـْتَ ولا تخــشَ بـأســــاً

لا حـــــرامٌ فيهـــــــــا ولا محظـــور

إن فيهـــا من الحـدائق غابــــــــــــــاً

تتغنـــى من فـوقهـــن الطيـــــــــــور

أن فيهـــا جميـــــــــــعُ مـا تشتهيـــه

النفس والعيــن واللهـى والحجــــور

فـإذا ما اشتهيـت طيـــراً هــــــــــوى

مـن غصنـه مشــويــاً وجـــاء يـزور

طينهــــا من فالـوذج لا يمــــــــــــــلُّ

المــرء منـه فهـــو اللذيــــذ الغـزيــر

وإذا رِمتَ أن يحـــالَ لـك التيــــــــــــــــــنُ دجـــاجـاً أتاك يطيــــر

أو إنـك إذا أشئت أن تصيــر لك الحصبـــاء دُرَّاً فإنهــا لتصيـــــر

إن فيهـــا مشيئـــة المـــرء تــــــأتي

عجبــــاً عنـــه يعجـــز الإكسيــــــــر

ليس فيهــا مــوتٌ ولا مــوبــــــــقاتٌ

ليس فيهـــا شمــسٌ ولا زمهريــــــر

لا شتــاءٌ ولا خريــــــفٌ وصيـــــــفٌ

أترى أن الأرض ليسـت تـــــــــدور؟

جنـــةٌ فــوق جنــــة فـــــوق أخــرى

درجـــــاتٌ فـي كلهــن حبـــــــــــــور

وحيـــاضٌ قـد أترعـــت وريــــــاضٌ

قــد سقـى الطــلُّ زهــرهـا وقصـــور

كـــلُّ هــذا وكـل مــــــا فـــوق هــــذا

منـــه طــرف الأقــوام فيهـــا قـريــر

ولقــد حلـــوا فـوق ذلــك فيـــــــــهـا

فضــــــــةٌ في أســـاور تستنيــــــــــر

ولهــم فيهـــا نعمــةٌ بعـــــــد أخــرى

ولهــم فيهـــــــــــــــا لـذةٌ وســــرور

ولكن الجنــة ليست للميت الضيف وقـد جيء به إليهــا كـي يرى الفرق بينهــا وجهنـم حيث لا شيء ممـا رأى.. حتى ولا شربة مــاء تروي ظمــأه:

ولقــد رُمـْــتُ شـُربــةًً من نميــــــــر

فتيمَّـْمتــه ففــــــــــر النميــــــــــــــر

وكــأن المـــــــــاء الـــذي شئـــتُ أن

أشــــربـَه بـابتعـــــــــاده مـأمــــــور

وتذكـرت أنني رجــــلٌ جـــــــــــــيء

بـه كي يُـــــراعى منـــــــه الشعـــور

أي حـق فـي أن أنــــــــــال شــرابـي

بعــد أن صـح أننــي مثبــــــــــــور؟

قلت عودا من حيث جئتمــــــــــــاني

إنمـــا هذه لهمــِّي تـُثيــــــــــــــــــــر

أنـــا راضٍ مـن البيـــوت بقبــــــــــر

يتســــاوى عشيـــُّــه والبكـــــــــــور

أيهـــا القبـر إرحـــم طـوالع شيبــــي

أنـــا في كربتــــي إليــك فقيــــــــــــر

وبانتهـــاء زيــارة الجنـة يتوجه الركب إلـى جهنـم يتعرف فيهـا الميت المحكـوم على سعير نـارهـا وألم العذاب في جحيـمها:

أخـرَجانيَ منهــا وشـدا وثـــــــــاقـي

بنســــــــوع كمـا يُشـــد البعيــــــــر

ثـم قــامـا فـدلَّيـاني ثــلاثـــــــــــــــــاً

في صميم الجحيـــــم وهـي تفــــــور

وأخيـراً فــي جـوفهــا قذفــــــــــا بي

مثلمــا يقـذف المتــاع الحقيـــــــــــر

لسـت أسطيـع وصـفَ ما أنا قــد قــاسيـت منهــا فإنـه لعسيـــر

ربــي إصـْرف عنـــي العذاب فإنــــي

إن أكــن خـاطئــــاً فأنت الغفــــــــور

لكـــأن الجحيــــم حفــــرة بـــركـــان

عظيــــم لهـــــــا فـــمٌ مغفــــــــــــور

تـــدلـع النـــارُ منـه حمــــراءَ تلقـــي

حممـــــاً راح كـالشـــواظ يطيـــــــــر

ثـم أنـي سمعـت لها حثيثـــــــــــــــــاً

فاقشعــــرت منه برأســــي الشعــور

خـــالطته استغـــاثة القــوم فيهـــــــا

كهــديــر إذا استمـــر الهديـــــــــــــر

إنهـــا فـي أعمـــــاقهـا طبقــــــــــاتٌ

بعضُهــا تحت بعضهــا محفـــــــــور

وأشــدُ العذاب ما كان في الهاوية السفلى حيث يطغى العسيـــر

حيث لا ينصــــر الهضيـــمَ أخــــــوه

حيث لا ينجـــد العشيـــرَ العشيـــــــر

الطعـــام الزقــوم فـي كل يـــــــــــوم

والشراب اليحمـــــوم واليحمـــــــور

ولقــد يـُسقى الظـــامئــون عصيـــرٌ

هـو من حنظـــل وســـاء العصيـــــر

ولهـــا من بعــد الزفيـــر شهيـــــــق

ولهـــا من بعــد الشهيـــــــق زفيـــر

ولهـم فيهـــا كـل يـوم عـــــــــــــذاب

ولهـــم فيهــا كــــــــل يـــوم ثبـــــور

ثـم فيـــها عقـارب وأفــــــــــــــــــاعٍ

ثـم فيــها ضــــــــراغـم ونمـــــــــور

يضـــرع المجرمــون فيهــا عطاشى

والضــــراعات مــا لهـــا تأثـــــــــير

ولهـــم من غيـــظ تأجـــج فيهــــــــم

نظـــرات شـــرارهــا مستطيــــــــــر

وُقـــدتْ نـــارهـا تئــــــــــــز فتغلـــي

أنفــسٌ فـوق جمـــرهـا وتخـــــــــور

ولقــد كـانت الوجـــوه من الضـالين سوداً كـــأنهن القيــــــــــر

ولقـد كــانت المــلامــــح تـخفــــــــى

ولقـد كــانت العيـــون تغــــــــــــــور

لست أنسى نيـرانهــا مائجـــــــــــات

تتلظــــــــى كأنهـــن بحــــــــــــــــور

ولقــد صـاح الخـاطئــون يريـدون نصيــراً لهم وعــز النصيــر

وتســـاوى أشــرافهـم والأدانــــــــي

وتســــاوى غنيهــــم والفقيـــــــــــر

فـي جهنـم يصادف الزهــاوي العاشقة ليلى التي حرمها أهلها والمجتمع الارتباط بحبيبها سمير واتهموهما بالفسق ومخالفة شرع الله في العلاقة بين الجنسين فكان مصيرهما العذاب الأليم في نار جهنم:

كنـت أمشي فيهـــا فصـادفت ليلـــــى

بيـــن أتـــراب كـالجمــــان تسيــــــر

فــوق جمـــر يشـوي ونـــار تلـظـــى

وأفـــاع في نـــابهن شـــــــــــــــرور

وعيــــون الحسنـــاء مغــرورقــــات

بدمــــوع فيهـــا الأسى منظـــــــــور

قـلت مـاذا يـُبكــــــي الجميـــلة قـالتْ

أنـــا لا يـُبكينــــي اللظى والسعيـــــر

إنمـــا يـُبكينـــي فــــــــراق حبيبــــي

وفــــراق الحبيــب خطـبٌ كبيـــــــــر

هــو عنــيَّ نــــاءٍ كمـا أنــا عنــــــــه

فكــــلانـا عمـن أحـبَّ شـطيــــــــــــر

فـرقــوا بيننـا فمــا أنا أرى اليــوم سميراً و لا يــراني سميــر

قـذفــوه فـي هــوة ليــس منهــــــــــا

مخــــرج للمقــــــذوف فيـــه قعـــور

آهٍ إن الفــــراق أصعــــب مـــــــــــن

كــل عـــذاب يـُشقــى بــــه المـوزور

ولــو أننــا كنـا جميعـاً لخف الخطب فـي قـربه وهـان العسيـر

لا أبـــالي نـــاراً وعنــدي حبيبــــــي

كـــلُّ خـَطـْب دون الفــــراق يسيـــــر

قـلتُ مـاذا جنيـــتِ فـي الأرض حتـى

كـــان حتمـــاً عليــــك هذا المصيـــر

فـــأجـابت قــد كـان لــــي وسميــــراً

قبــل أن نـردى للجحيــــــم نكــــــور

جهلنــــا للجحيــــم أوجب أنــَّــــــــــا

بعـــد أن نـردى للجحيـــــــم نــــزور

وهنا يلتقــي الزهــاوي شخصيــــــات افتخــر التـاريخ بهـم والعلـم والأدب.. شعراء وفـلاسفة وعلمــاء.. فها هم الفرزدق والأخطل وجريــر وإلى جـانبهم المعري والمتنبــي وشكسبيـر ودانتــي وغيرهم من أصحـاب العقـول ومـن المبدعيـــن:

ولقد أبصرت الفرزدق نضــــــــــــواً

يتلـــوى ووجـهـــــــــــــه معصــــور

وإلى جنبـــه يقـاسي اللظـــــــــــــــى

الأخطلُ مستعبراً ويشكو جريـــــــــر

قلـت مـــا شـأنـكم فقــالوا دهــــــــانا

مـن وراء الهجـــاء ضــــرٌ كثيـــــــر

ولقـد كــان آخـــرون حـواليــهم جثـــومـاً وكلــهم مـوتـــــور

منهـــم العـالم الكبيــر ورب الفـن والفيلســوف والنحـريـــــر

لـم أشاهد بعـد التــلفت فيهــــــــــــــا

جـــــاهلاً ليـس عنـده تفكيــــــــــــــر

إنمـــا مثـوى الجاهليـــــــن جنـــــانٌ

شاهقــاتُ القصـــور فيها الحـــــــور

غيـرَ قسم هـو الأقـلُّ سعـى يـُصلـح حتى اهتدى به الجمهـور

ثـم حيــاني أحمــدُ المتنبــــــــــــــــي

والمعــري الشيخ وهــو ضريـــــــــر

وكلا الشاعرين بحــرٌ خضــــــــــــــم

وكــلا الشاعرين فحـــلٌ كبيــــــــــــر

ولقـد كـان يخنــق الغيــظ بشـاراً وفي وجهــه الدميـم بثـــور

ويليـــهمْ أبـو نواس كئيــبـــــــــــــــاً

وهـو ذاك الممــــراحة السكيــــــــــر

مثلــــه الخيـــام العظيـــــم ودانتــــي

وإمـام القـــريض وشيكسبيــــــــــــر

ولقد كان لامـرىء القيس بين القـوم صـدرٌ وللملوك صـدور

قلـت مـاذا بكــم فقـالوا لـَقَينـــــــــــــا

مـن جـــزاء ما لا يطيــــق ثبيــــــــر

إننـا كنـــا نستخـف بأمـــر الديـــــــن

فـــي شعرنــــا فســـاء المصيـــــــــر

وسمعـت الخيــام فـي وسط الجمــع يغنــي فيطــرب الجمهـور

منشــداً بينهـــم بصـــوت شجــــــــي

قطعـــة مـن شعــر غــــذاه الشعــور

حبـــذا خمــرةٌ تـُعيـــن على النيــران حتى إذا ذكت لا تضيــــر

وتسلـِّــي مـن اللهيب فـلا يبقـــــــــى

متـــى شــــبَّ منـه إلا النـــــــــــــور

تشبــه الخنـدريـس يـاقوتـة ذابـــت ففيهــا للنـاظريـن ســرور

وهـي مثــل النـار التــي تتلظـــــــــى

ولهـــا مثلمـــا لهـــذي زفيـــــــــــــر

ثم إنـــــــــــي بالخندريـــس لـَصـــبٌ

ومـن النــــار والجحيـــم نفــــــــــور

اسقنــي خمــرة لعلــي بهـا أرجـع شيئــاً مما سـبتني السعيــر

واصـِليـــني بـاللـه أيتهــا الخمـــرة إنــي امــرؤٌ إليــك فقيــــر

أنت لــو كنـت فـي الجحيم بجنبــي لم تُرعـْني نار ولا زمهرير

ويتــابع الزهـــاوي رحلتـه في جهنــم وقــد خففت لقـاءاتـه بالعظمـاء مـن بني البشر مـن فلاسفة وشعراء وعلمـــاء قسوةَ الجحيــم ولظى نيــرانه. ثـم يروي لنــا كيف تجمهر النــاس حول سقراط وأفــلاطون وأرسطو وكـوبيرنيكوس ودارويــن وهيغــل وسبنسر ونيوتن وروسو وفولتيــر وزارادشت.. وابن سينــا وابـن رشد والراونـدي وغيرهــم.. وفي خطبة أمـام الجميع شرح سقراط مـاهية النـار ومنشأهـا مـُرجعاً تغذيتهـا وسعيرهـا إلى البترول الذي سينضب من بـاطن الأرض فينطفيء سعيرهــا:

ثـم إنــي سمعت سقــــراط يلقــــــــي

خطبــــةً في الجحيـــم وهـي تفــــور

وإلـى جنبـه على النـــار أفـلاطــــون

يصغــــــــــي كـــــــأنَّه مســـــــــرور

وأرسطـاليس الكبيــــر وقـد أغــرق منـــه المشــاعرَ التفكيـــر

ثــم كوبيرنيـــك الـــــــذي كـــان قــد

أفهمنــــا أن الأرض جــــرمٌ يـــــدور

تتبـــــع الشمـسَ أيـن هـــي ســـارت

وعليهــــا مثـــل الفـــراش تطــــــور

ثــم دارويـــن وهــو مـن قـــال إنـَّـــا

نســـلُ قـِــردٍ قـــد طــورتـْه الدهــور

ثــم هيغــل وبخنـــز وجيسنـــــــــدي

ويليهـــــــــــــمُ سبينسر المشهــــور

ثــم تـــوماس ثــم فاخــت ومنهــــــم

إسبينـــــــــــوزا وهيلبـــك وجيــــور

ونيــــوتن الحبــــــــر ثــم رينـــــــان

ثــم روســـــو ومثلــــه فولتــــــــــير

وزرادشـــت ثــم ميزديــــك يـأتـــــي

وجمــــوعٌ أمـــامهـــم أبي قـــــــــور

والحكيـــم الكِنـْــدي ثــم ابــن سينـــا

وابـن رشـدٍ وهــو الحفـيُّ الجَســـور

ثــم هـــذا أبــو دلامـــــــة منهــــــــم

بعــده الــــــــراونــدي ثـم نصيـــــــر

وجمـــاعاتٌ غيــــرهـم كلـــهمْ جلـــدٌ

علـــى نـــارهـا وكــــلٌ صبــــــــــور

كــان سقـــراطُ أثبـتَ القـــومِ جأشـــاً

فهـــو ذو عـــزمٍ فــائقٍ لا يخـــــــور

قــال مـن بعــد شـرحـه منشـــأ النـار وفـي قـوله إليهـا يشيـــر

سـوف يقضـي فيها التطور أن نقوى

عليهـــــــــــا وأن تهـــون الأمـــــور

إن فـي ذا الوادي السحيـق عيــونـاً ثـرةً للبتـرول فيهــا يغــور

ولقـــد تنضــــبُ العيـونُ فلا نـــــــارٌ

ولا ســــــــــــاعر ولا مسعـــــــــــور

ثــم لمــا أتـمَّ خـِطـْبتــَه عجــُّـوا لــه هـــاتفيـــن وهـــو جـديـــر

ولـم يفت الزهـاوي تصوير احتجــاج أولئك الذين كـانوا أصلاً ضحـايا في الحياة فلمــاذا هم أيضـاً من نزلاء جهنــم، وقد كانوا بالجنة أجدر..

ورأيـتُ الحلاجَ يـرفع منـه الطـرف نحـو السماء وهـو حسيــر

قـــائلاً أنت الله وحـــدك قيـــومـاً وأمـــا الأكــوان فهـي تبـــور

إنـــك الــواحد الــذي أنـا منــــــــــــه

فـــي حيــــاتي شــرارةٌ تستطيـــــــر

وبـــه لـي بعـد الظهــــور خفــــــــاءٌ

ولـــه بـي بعــــــد الخفـــاء ظهــــور

لمْ شئت العـــــــذابَ لي ولمــــــــــاذا

لم تـُجَــرِّبْني وأنت منه المُـجيــــــــر

كان في الدنيا القتـــلُ منهـــمْ نصيبي

ونصيبي اليـومَ العـذابُ العسيـــــــــر

قلـــت إن المكتــوب لا بـــدَّ منــــــــه

قـَــــدَراً وإن أخطـــأ المقــــــــــــدور

الشعـراء والفلاسفة والعلمــاء بعد أن طـاب لقاؤهـم وتباحثوا في شؤون النهـاية السيئة الذي آلت إليها أوضـاعهم تبادلوا الآراء والمقترحات لإيجـاد حل يريحهم من عذاب النار فخرج منهم حكيـم اخترع آلات عديدة وعتـاداً حربياً وآلـة تطفيء السعير:

مكثوا حتـــَّى جــــاء منهــمْ حكيـــــمٌ

باختراع لـم تنتظــره الدهـــــــــــــور

آلـةٌ تـُطـْفِـيءُ السعيـرَ إذا شـاء فلا تحرقُ الجسـومَ السعيـر

وأتـى آخــــرُ بخــــــــــارقة يهـــــلك

فــي مــــــرة بهــــا الجمهــــــــــــور

واهتدى غيـره إلى ما به الإنســان يَخـْفـى فلا يـراه البصيــر

اختراعات العلمــاء حفـذت إلى درجــة كبيرة الشبابَ المظلومين والمقهورين والمعذبين وقـد امتلأت نفوسهم غيظـاً وحقداً وثـارت ثائرتهـم:

ولقد قام فـي الأخيـر فتى يخطب فيهـم والصـوت منه جهـور

وأحــاطت به المـــلايـــــن يصغــون إليــه وكلُّهــم مـوتــــور

قــال يـاقـومَـنــا جهنــمُ غصـَّـــــــــتْ

بالألـى يُظلمـــون منـكم فثــــــــوروا

قال يـاقومنا أرى الأمـر من ســوء إلى الأسـوأ الأمضِّ يسير

قال يـاقومنــا احتملتم مـن الحـَيـْف ثــِقالاً يعـــي بهــنَّ البعير

قــــال يـاقــــــــــوم إن هـــذا الــــذي

أنتــــمْ تـُقـاســـونـه لشــيءٌ كثيــــــر

قـــال يـا قـومُ إننا قــد ظـُلمنــــــــــــا

شــرَّ ظـُلـــــٍم فما لنــا لا نثــــــــور ؟

ومِــن النـــــاس مـَن قضــــى الله أن

يكــــفُرَ والمــوتُ منـــه دانٍ يــــزور

فهــل الحـق أن يخلَّـد فـي النـار على الكُفر ســاعةًً ً مجبــور

قـــال يـا قـوم لا تخافوا فمـــا فـوق شرورٍ تكــابدون شــرور

اجسـروا أيهــا الرفـــاقُ فمــا نـال بعيــدَ الآمال إلا الجَســـور

إنمـــا فــاز فـي الجهـاد مـن الناس بـــآماله الكبـارِ الكبيـــــر

أنتــم اليــوم فـــــي جهنـَّـمَ أســـــرى

وليكــن منـكــــمْ لكـــمْ تحـريـــــــــــر

قـــاوموا القـــوة التــــــي غـشمـــتْ

بـــالمــثل والـدهـرُ للقـــويِّ ظهيــــر

أنتــم اليــومَ الأكثــــرون وأمــــــَّـــــا

عــــدد الحـــارسيـــن فهــو صغيــــر

أيُّ شـــيءٍ نخـــاف منهــــــم وإنَّــــا

لـــو تحـدينـــاهمُ لجـــمٌ غفيــــــــــــر

أيهـا الناس دافعـوا عن حقــوق غصبـوها والكاثر المنصـور

أَلأهـــلِ الجحيــــــــم بؤسٌ وتـــَعـسٌ

ولمن حــــلَّ فــي الجنـان ســـرور؟!

أَلنـــا أسفـلُ الجحيــــــم مقــــــــــــامٌ

ولهـــــمْ فـــي أعلى الجنان قصور؟!

كــــلُّ مـا قـد أصـــابكمْ مــن عــــذابٍ

فلـــه ممـن في السمــــاء صــــــدور

إن أهــــل القضـــاء ما أنصفـــــوكـم

فكـــأن القلــوب منهـــم صخــــــــور

قد خدمـْنا العلومَ شتى بدنيانا فهل من حسن الجـزاء السعيـر

كـــأن فــي تـِلكـــُمُ اضطهــاد وقتــــلٌ

ثــم فـي هــــذا العـــذاب الدهيــــــــر

فـَعلا من أهـــــــــل الجحيـم ضجـيـجٌ

رجـف الوادي منـــه والساعــــــــور

ولقد هاجوا في الجحيم وماجــــــــوا

كخضـَّـمٍ مـرَّتْ عليــــــــــه الدهــــور

أطفــأوا جمـرةَ الجحيــــــــــم فكـانت

فـِتنــــــة ٌ مـا جـرى بهـــا التقديـــــر

ثورةٌ في الجحيـم أرجفت العـرش وكـادت منها السماء تمور

لبســـوا عـِـدَّةَ الكفــــاح وســــــاروا

فــي نظـــام أتمَّـــه التــدبيــــــــــــــر

زحفـــوا ثــائريــن مـن كــل صـــوبٍ

فـــي صـفـــوفٍ كـــأنهـــن سطــــور

لـلأنـــاشيـد يـُنْشــــدون بصــــــــوت

فـــي النفــوس الحــرى لهــا تأثيـــر

وهنـــا تهتز مشــاعر الثـوري الأعمى وقـد حرضتـه أصوات الجمـاهير وهتـافاتها فتصدرَ الحشودَ محمـولاً على الأكتـاف يهتـف ويـردد الجمـاهير خلفـَه بحمـاس وجـرأة:

المعري: غصبـوا حقــكم فيـا قوم ثــــوروا

إن غصب الحقــــوق ظلـم كبيــــــر

الثائرون: غصبـوا حقــنا ولــم ينصفـونـــــا

إنمـا نحن للحقــــوق نثــــــــــــــور

المعري: لكـم الأكـواخ المشيــدة بـالنـار وللبلـْـه فـــي الجنان القصـور

الثائرون: غصبـوا حقــنا ولــم ينصفـونـــــا

إنمـا نحن للحقــــوق نثــــــــــــــور

المعري: إن خضعتــم فمــا لكم من نصيب

فـي طـــوال الدهــور إلا السعيــــــر

الثائرون: غصبـوا حقــنا ولــم ينصفـونـــــا

إنمـا نحن للحقــــوق نثــــــــــــــور

المعري: مـــا حيـــاة الإنســـان إلا جهـــــــــادٌ

إنمــــا تـُــؤْثــــــرُ السكــونَ القبـــور

الثائرون: غصبـوا حقــنا ولــم ينصفـونـــــا

إنمـا نحن للحقــــوق نثــــــــــــــور

المعري: إنمــــــا النـــارُ للـــذين لـديهــــــــــم

قد تسـامى الإحسـاسُ، بئسَ المصير

الثائرون: غصبـوا حقــنا ولــم ينصفـونـــــا

إنمـا نحن للحقــــوق نثــــــــــــــور

وإذ عـم الغضب أطـراف جهنــم تحركت قوات الأمـن (الزبــانية) بدعـم من الملائكــة فاندلعت حرب ضروس بين الجمـاهير الغاضبة وزبانيـة النــار:

ولقــد أسرعــت زبانيــةُ النـــار إليهــم وكلهـــــم مذعــــــور

يالها في الجحيم حربــــــــاً ضروسـاً

ما لها في كــــل الحــروب نظيـــــــر

ولقــد عـاضد الذكــورَ إنــــــــــــــاثٌ

ولقــــد عاضــــــد الإنــاثَ ذكـــــــور

ولقـــد كــانوا يفتكـون ولا يـُبْـصَرُ منهم مهــاجـمٌ أو مغيـــــر

ولقــد كـــانت البطـــونُ تـَفـــــــــرَّى

ولقــــد كـــانتِ الـرؤوس تطيـــــــــر

ثـم جـاءتهـمُ الشيـاطيــــن أنصــــاراً

ومـا جيــش المـــارديـــن حقيــــــــر

كــان إبليـــسُ قـــائـــداً للشيـاطيــــنِ

وإبليــــسُ حيثُ كـــان قــــديــــــــــر

ولقــد جـاء مـن ملائكــة العــرش لإرجـاع الأمن جــمٌ غفيــر

والــذي قــاد المـــلائك منهـــــــــــــم

هــو عـــزرائيـــــل الذي لا يخـــــور

فهـــي بين المـــلائك البيـض صفــَّــاً

والشيـــاطيـن الســـود صفـَّاً تثــــور

وتـــلاقى فـوق الجحيــم الفريقـان وهـذا نـــــار وهـذا نــــور

فصِـــدامٌ كمــا تـَصــادمِ شـــاهقــــات

الجبـــال ومثلهـــن بحــــــــــــــــــور

وصــراخُ الجـَرحى إلى العـرش يعلو

وجـــــــــروحُ المجنــدليـن تـفــــــور

يتـرامــون بالصـواعـــق صفيــن فيشتــد القتــل والتـدميــــر

حاربوا بالرياح هـوجـاءَ بـالإعصار في ناره تذوب الصخـور

حاربوا بالبــروق تـومضُ والرعد فيغـلي في صـوته التامور

حاربوا بالبحار تـُلقى على الجيــش بحـولٍ ومـاؤها مسعــور

حاربوا بـالجبال تقـذف بـالأيــدي تبـــاعـاً كـأنهـــن قشـــــور

بـالبراكيــن ثـائراتٍ جـــرتْ مــــــــن

حمـــمٍ فيهــــا أبحــــرٌ ونهـــــــــــور

وتستمر الحـرب ومعاركهـا التي تفتك بالمتحــاربين وتضاعفت حمية الجمــاهير المنتصرة واندحرت المـلائكـة المجنـدلة:

وقـد اهتـز عــرش ربـك مـن بعـد سكـون والدائــراتُ تـــدور

ولقــد كـــادت السمـــاء تهــــــــــوي

ولقـــد كـادت النجــــــــــوم تغــــــور

كـانت الحـرب في البــداء سجـــــــالٌ

مــا لصبـح النصــــر المبيـن سفــور

ثــم للنــاظريـــــــن بــان جليـــــــــــاً

أن جيش المــــلائـك المدحـــــــــــور

هزمـــوهم إلـى معـاقلهــم فـي الليل حتى بـدا الصبــح المنير

ولأهـــل الجحيـــــم تـــمَّ بإنجـــــــــاد

الشيـــاطين في القتــــال الظهــــــور

فاستراحوا من العذاب الـذي كانــــوا

يقـــــاسونه وجــــــــاء الســــــرور

لـــم يخـوضــوا غـِمـــارها قبــــل أن

تحكـــمَ فيهـــا الآراء ُ والتـــــدبيــــر

ولــم يكتف أهل الجحيــم بدحر عدوهــم وإعلان النصر عليـه بـل هـم قرروا استخـدام الشيـاطين والذهــاب إلى الجنــة لاحتــلالهـا وطرد البلــه والمجــانين من ربـوعهـا.. فهــم بميزاتهـا أحق:

ثم طاروا على ظهــــور الشـياطيـــن

خفــــافاً كمـا تطيــــــــــر النســــــور

يطلبــون الجنــــــــــانَ حتى إذا مــــا

بلغوهـا جـرى نضــــالٌ قصيـــــــــــر

ثـم فـــــــازوا بهـــا وقـاموا بمــــــــا

يوجبـه النصـر والنهـــي والتدبيــــر

طـردوا مـَن بها مـِن البُــله واحتلــوا

القصور العليــا.. ونعــمَ القصـــــور

غير مـَن كـانوا مُـصلحيـن فهــــــــذا

القسـم منهـــــمْ بالإحتــرام جديـــــر

فــر رضـوانُ للنجـاة ومِـن أتبـاع رضـوانَ مسـرعاً جمهــور

وأقــاموا لفتحهــمْ حفلـــةً أعقبهــــا منهــمُ الهُتـاف الكثيــــر

إنـــه أكبـــرُ انقــــلاب بـه جـــــــادت

علــــى كـرِّهـــــا الطويــل الدهـــــور

هكـذا تنتهي ثورة أهـل الجحيم التي قلبت المفـاهيم وقوانين الجنة وجهنـم رأسـاً على عقب.. وهكـذا تنتهـي ملحمــة الزهـاوي التي أراد لهــا أن تكون ملهــاة َ فلسفة الدنيـا والآخـرة بالمفهوم السائد في بلاده طـامحـاً لتضمينهـا مفاهيمه الثورية والإنسـانية وقنـاعاته العلميـة كــافة ً.. ولقد وصـل إلى مـا أراد فكـانت الملحمة َ الشعرية الفلسفية الوحيدة باللغة العربية واستناداً إلى أدب العرب ومعتقداتهم بعد رسـالة المعري..

ثــورة أهـل الجحيـم ملحمـة ُ الأدب الثوري العربي في الربع الأول من القرن العشرين، حيث كانت ثورة البلاشفة وكــان ألقـُهـا وتأثيرهـا على البلدان الرازحة تحت نير الاحتلال العثمــاني.. وقد اتصفت بيئة الكفاح من أجل الاستقلال بارتباطهـا الجوهري بالنضـال من أجل الحرية والتقدم الاجتماعي ومحاربة التخلف والرجعية وسيطرة الإقطـاعية ورأس المـال على المجتمع والتحكم بمظاهره وتكريس الأمية والتخلف والخوف من حرية الفكر ضمـانـاً لنفوذهم واستمرارية مصـالحهم.. لقد عبرت ملحمة الزهــاوي عن رفض ومعـارضة أكثر النـاس نزاهة وخـُلـُقـاً وعطـاءً ووطنيــة، من أدبــاء وعلمــاء وفنـانين وسياسيين ومثقفيـن ومنتجيــن عبر مـراحل التـاريخ، لثقـافـات الخوف والغيب والرجعية والتعصب والتقاليد الأسطورية وطقوسهـا ومـا تجلبه هذه الثقـافات من عبودية وأميــة واضطهاد وحرمـان وجـوع وتفش للأمراض الإجتماعية والفسـاد.. ومـا ينجم عنهـا من حيف وجـور:

إنمـا في الداريـــن عسف وحيــف

غيــر أن السمــاء ليســــت تمـــــــور

فلنـــاس تعـاســـــــــة وشقـــــــاء

ولنـاس سعــــادة وحبـــــــــــــــــــور

اكتمـال الملحمة بانتصـار أهل الجحيــم، وكلهم من أهل الفلسفة والعلم والمعرفة والفن الإنساني الخـلاق، إنمـا يؤكــد ان من يبنـي الأوطـان وينعش أرضهـا ويحيي مجدهـا هم أولئك النـاس العقلاء والمخلصون، رجـالاً ونسـاءً ممن يوصفـون ظلمـاً بالكفار والمـارقين وهم الأكثر إيمـاناً بالعدالة والسلام والتطور وسعادة البشرية وهـم الأكثر عطـاءً واستعداداً للعمـل من أجل ذلك..

ولا يتردد الزهــاوي، فنـاننا المرح واللطيف، وهو يودعنــا بعد انتصـاره ورفـاقه في معركة الفلسفة والمرأة والمجتمع، في مـداعبتنـا وإثارة الرغبة في الضحك بعد هذه الحرب المخيفة وهذه الآراء الجريئة إلى حد الخطـورة وإخبارنـا حقيقة الأمـر، فهو كـابــــــوس أصــابه بعـد وجبة دسمـة ليس إلا:

وتنبَّهْــتُ مـِن منامـيَ صـُبْــحــــــــــاً

فــإذا الشمـس في السمــاء تنيـــــــر

وإذا الأمر ليس في الحـــــــــــــق إلا

حلــمٌ قــد أثـــــــاره الجـرجيـــــــــــر



اقتباس عن : الدكتور مفيد مسوح

أبو قــــثم

ليست هناك تعليقات: